أصوات لا تشيخ.. كيف رافق الدوبلاج الأردني طفولة العرب؟ (فيديو)
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 14:42
مدار الساعة - محمد الطراونة (الجزيرة نت) - لم تكن الفنانة والمعلقة الصوتية سناء المفلح تتخيل، وهي تقف أمام شاشة تعرض فيلما روسيا على جدار داخل التلفزيون السوري أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أن تلك التجربة ستقودها إلى عالم تمنح فيه الشخصيات الكرتونية أصواتا وحياة، وتصبح جزءا من ذاكرة أجيال عربية.
تستعيد المفلح، في حديثها للجزيرة نت، بداياتها نحو عام 1988، حين كانت تتدرب على إخراج البرامج التعليمية في التلفزيون السوري، قبل أن تشارك زملاءها في دبلجة أفلام روسية بإشراف المخرج الراحل علي الشعار، مستخدمين وسائل تقنية متواضعة مقارنة بإستوديوهات التسجيل الحديثة.
لاحقا، انتقلت إلى الأردن، وبدأت العمل مع المخرج الأردني الراحل موسى عمار، متنقلة من الأدوار الصغيرة إلى الشخصيات الرئيسية، في تجربة امتدت سنوات وقدمت خلالها مئات الساعات من الأعمال الكرتونية والدرامية المدبلجة.
وتقول المفلح إن الدوبلاج ليس مجرد نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، أو صوت يوضع خلف صورة، بل عملية فنية تمنح الشخصية روحا تجعل المشاهد يصدقها ويتفاعل معها.
ومن أبرز الأعمال التي تعتز بها مسلسل الأطفال "كاليميرو"، الذي أدت بطولته في جزأيه الثاني والثالث، بعد أن قدمت الفنانة اللبنانية مادلين طبر الجزء الأول، إلى جانب مشاركاتها في "قرية التوت" و"بطل الأبطال" و"حكايات قندس".
أصوات أردنية صنعت الذاكرة
تمثل تجربة المفلح جانبا من تاريخ صناعة الدوبلاج الأردني، التي ازدهرت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأسهمت في تقديم شخصيات كرتونية ارتبطت بطفولة ملايين المشاهدين العرب.
فخلف صوت "سالي" وقفت الفنانة الأردنية إيمان هايل، التي أدت أيضا شخصية "جودي أبوت" في مسلسل "صاحب الظل الطويل"، و"آليس" في "آليس في بلاد العجائب"، إلى جانب شخصيات أخرى رسخت حضورها في الذاكرة.
أما الفنانة سهير فهد، فقد أدت صوت "الكابتن ماجد" في الجزء الأول من المسلسل الشهير، كما جسدت شخصية "لين" في "ليدي ليدي"، بينما أدت قمر الصفدي صوت "الآنسة منشن" في "سالي"، و"ياسين" في "الكابتن ماجد".
وترك الفنان الراحل حسين أبو حمد بصمته في شخصية "صاحب الظل الطويل"، فيما اشتهر عمر حامد بأداء شخصية "مخلص صديق الحيوان"، وقدم نصر عناني صوت القط المشاكس "هركول"، كما شارك راويا في "الكابتن ماجد".
لم تكن هذه الشخصيات أصواتا عابرة، بل تحولت إلى علامات في ذاكرة المشاهد العربي، الذي ارتبط بالحكايات وأبطالها قبل أن يعرف أسماء الفنانين الذين أدوا أدوارها.
مدرسة أردنية عريقة
يرى الإعلامي والمعلق الصوتي زيد الخلايلة أن الأردن ولبنان شكلا البدايات الأساسية لصناعة الدوبلاج العربي، مع انتشار شركات الإنتاج التي اتجهت إلى تعريب الأعمال العالمية، ولا سيما الرسوم المتحركة اليابانية.
ويوضح للجزيرة نت أن وجود نسخ مدبلجة من تلك الأعمال بلغات أوروبية، بينها الفرنسية والإسبانية والإيطالية، ساعد على ظهور فكرة تقديمها باللغة العربية.
ويصف الخلايلة الأردن بأنه مدرسة عريقة في الأداء الصوتي، لم يقتصر حضورها على الرسوم المتحركة، بل امتد إلى الأفلام الوثائقية والمسلسلات الدرامية القادمة من أمريكا اللاتينية وآسيا.
ويشير إلى أن استمرار فنانين مخضرمين في المجال، عمل بعضهم فيه منذ نحو نصف قرن، أسهم في تأسيس أكاديميات تدريبية في عمّان تنقل خبراتهم إلى أجيال جديدة.
ويلفت إلى ظهور مواهب شابة تعمل في دبلجة الإنتاجات التركية والكورية والصينية والأميركية، محذرا في الوقت نفسه من انتشار أساليب تدريب غير مهنية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد أن الأداء الوثائقي الجيد يبدأ باستخدام الصوت الطبيعي، لا بتقليد طبقات صوتية مصطنعة يروج لها بعض الهواة.
كيف تولد الشخصية داخل الأستوديو؟
لا تبدأ صناعة الشخصية داخل إستوديو الدوبلاج عند الميكروفون، بل بمراجعة النص المترجم وتهذيبه ليصبح مناسبا للجمهور المستهدف.
وتوضح المعلقة الصوتية ولاء الخوالدة، للجزيرة نت، أن دبلجة الرسوم المتحركة من أكثر مجالات التسجيل متعة، لأنها تتيح للممثل تقمص شخصيات مختلفة، لكنها تفرض مسؤولية مضاعفة حين يكون الجمهور من الأطفال.
وتقول إن إعداد النص يتطلب تطوير الحوار واختيار المفردات المناسبة، بما يضمن تقديم محتوى مفيد يحترم عقل الطفل ولا يسيء إلى تكوينه المعرفي والسلوكي.
بعد ذلك، ينتقل العمل إلى الأداء الصوتي، حيث يسعى الممثل إلى مواءمة مشاعر الشخصية وطبيعتها مع الصورة، مستخدما أدواته التعبيرية لجعل الصوت جزءا أصيلا من الحكاية.
لماذا تراجع الحضور؟
تقول المخرجة والممثلة الصوتية الأردنية أسماء الجراح إن رواد الدوبلاج الأردني لم يختفوا، بل واصلوا المشاركة في أعمال أنتجت خلال السنوات العشر الأخيرة، وإن كان حجم الإنتاج أقل مما كان عليه سابقا.
وتوضح للجزيرة نت أن الصناعة شهدت تغيرات في أساليب الأداء والأدوات التقنية، إلى جانب ظهور أصوات جديدة، ما جعل المشهد مختلفا عن مرحلة ازدهار الدوبلاج التلفزيوني.
لكن الجراح تشير إلى عودة الاهتمام، خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، بالأصوات المرتبطة بذاكرة الجمهور، مدفوعة بالحنين إلى الأعمال القديمة.
وتكشف أن شركتها استعانت مجددا بعدد من الفنانين المخضرمين، بينهم عبير عيسى وسهير فهد وإيمان هايل وهشام حمادة، في إنتاجات حديثة، من بينها النسخة المدبلجة من "ماروكو"، التي عرضت سينمائيا ولاقت، بحسب قولها، اهتماما ملحوظا من الجمهور البالغ الباحث عن ذكريات طفولته.
وترى الجراح أن التحدي لا يقتصر على تراجع الإنتاج، بل يشمل تغير عادات المشاهدة، إذ بات الأطفال يمتلكون خيارات واسعة عبر الإنترنت والمنصات الرقمية، خلافا للأجيال التي كانت تنتظر حلقات مسلسلاتها المفضلة على شاشة التلفزيون.
هل يستعيد الأردن مكانته؟
ترى الجراح أن استعادة الحضور العربي لا تتعلق بالدوبلاج وحده، بل بقدرة المؤسسات الإنتاجية على ابتكار أعمال عربية أصلية للأطفال، بدلا من الاكتفاء بشراء المسلسلات الأجنبية وتعريبها.
وتوضح أن إنتاج الرسوم المتحركة يتطلب استثمارات كبيرة في الكتابة والرسم والموسيقى والتنفيذ، مما يجعل شراء الأعمال الجاهزة ودبلجتها خيارا أسهل للشركات.
وتتساءل عن غياب أعمال عربية قادرة على البقاء في ذاكرة الأجيال، رغم توفر الكتاب والممثلين والخبرات الفنية.
وتؤكد أن الطفل العربي يحتاج أيضا إلى دراما عائلية تتمحور حول شخصيات من الأطفال، وتعكس حياته وبيئته وقضاياه.
وبين أصوات الرواد والمواهب الجديدة، تبدو صناعة الدوبلاج الأردنية أمام فرصة لاستعادة جانب من حضورها، لا بتكرار الماضي، بل باستثمار الخبرة المتراكمة لإنتاج حكايات جديدة.
وتختصر المفلح جوهر هذه المهنة في قدرتها على منح الشخصية حياة تتجاوز حدود الشاشة؛ فالصوت الذي يسجله الفنان داخل الإستوديو قد يظل حاضرا في ذاكرة المشاهد لعقود، حتى بعدما ينسى اسم العمل وصاحبه.