وهم المنع: الأردن لم يحرم من ثرواته.. بل لم تثبت جدواها بعد

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:06
كلما اشتد الضغط الاقتصادي، عاد السؤال: لماذا يفتقر الأردن إلى النفط والغاز والثروات المعدنية، بينما يُقال إن أرضه تعوم على بحر من الكنوز؟ وتنتشر رواية مفادها أن قوى خارجية أو اتفاقيات سرية تمنع الأردن من استثمار ثرواته. تبدو الرواية مريحة لأنها تعفي الجميع من المساءلة وتنقل المسؤولية إلى خصم خفي، لكنها لا تصمد أمام الوقائع. ونفي "المنع" لا يعني التسليم بالفقر الجيولوجي، ولا إعفاء المؤسسات من الشفافية. وأكتب هنا من واقع خبرتي السابقة في سلطة المصادر الطبيعية، وتخصصي في الهندسة الجيوفيزيائية، ومتابعتي للدراسات ذات الصلة حتى اليوم.



وأول ما يسقط هذه الرواية أن التنقيب عن النفط والغاز في الأردن ليس حديثاً ولا مغلقاً. فمنذ أكثر من سبعة عقود حُفرت عشرات الآبار الاستكشافية، ودخلت شركات أجنبية باتفاقيات امتياز وتقاسم إنتاج، لكن النتائج اقتصرت غالباً على آبار جافة أو شواهد بترولية أو اكتشافات محدودة غير تجارية. وأنفقت سلطة المصادر الطبيعية أكثر من 100 مليون دينار بين 1980 و1995، وكان أبرز ما تحقق اكتشاف حقل حمزة عام 1984 وحقل الريشة عام 1987. وبعد المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت عام 2007، وبجهود جلالة الملك، عادت بعض الشركات، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة وغادرت. ونخشى أن يتكرر المشهد في الجفر والسرحان والأزرق وغرب الصفاوي: اتفاقيات ومسوح زلزالية وآبار استكشافية، ثم انسحاب وصمت حين لا تبرر النتائج كلفة المخاطرة. فلو كان المنع هو السبب، فكيف سُمح لما يقارب من 20 شركة دولية بالتنقيب خلال سبعة عقود؟ ولماذا خاطرت بأموالها؟ لا تثبت هذه الوقائع استحالة اكتشاف النفط، لكنها لا تقدم دليلاً على وجوده بكميات تجارية مخفية. والسؤال نفسه ينطبق على التنقيب المعدني في وادي عربة، المستمر منذ ستينيات القرن الماضي دون نتائج ملموسة توازي التوقعات.

ويكشف حقل حمزة الفارق بين الإعلان والنتيجة. ففي 2019 أُطلق مشروع لإعادة تأهيله على ثلاث مراحل، تشمل تأهيل الحقل والآبار ورفع الإنتاج باستخدام المضخات الغاطسة، ثم حفر آبار جديدة. وفي 7/7/2021 أُعلن تدشين المرحلة الثانية بهدف بلوغ ألفي برميل يومياً، ثم صُرّح في 20/6/2022 بأن الإنتاج وصل إلى 500 برميل يومياً. لكن الإنتاج الفعلي بلغ 94,675 برميلاً عام 2022، أي نحو 259 برميلاً يومياً، ونحو 19 ألف برميل عام 2024، قبل أن تشير المعلومات المتاحة إلى تراجعه إلى قرابة 18 برميلاً يومياً ثم توقفه. وهكذا ظل النفط المكتشف هامشياً، بما يعكس طبيعة الجيولوجيا تحت السطحية في الأردن مقارنة بدول الجوار. والأمر ذاته ينطبق على الصخر الزيتي؛ فوجود احتياطيات ضخمة منه لا يثبت جدواه الاقتصادية، إذ تحكمها كلفة الاستخراج والتقنية والمياه والآثار البيئية. وقد غادرت شركات كبرى المجال حين لم تجد الجدوى المطلوبة، وانتهى الأمر إلى محطة كهرباء تستخدم الصخر الزيتي، لا إلى ثورة نفطية.

أما في الغاز، فالصورة أكثر تعقيداً وتستحق وقفة أطول. فقد بدأ الإنتاج من حقل الريشة عام 1989 بنحو 12.3 مليون قدم مكعب يومياً، وسُجل أعلى إنتاج يومي بلغ 37.8 مليون قدم مكعب في تموز 2003. ووفق التقرير السنوي لشركة البترول الوطنية لعام 2025، بلغ الإنتاج السنوي نحو 5.943 مليار قدم مكعب، بمعدل 16.282 مليون قدم مكعب يومياً. ومقابل هذا الواقع، تتوالى الأهداف المعلنة: فخطة الإنتاج للأعوام 2025 - 2046 تستهدف بلوغ 150 مليون قدم مكعب يومياً عام 2029 بعد حفر 70 بئراً، منها 26 بئراً تطويرية، وفق تصريح مدير الشركة في 9/11/2024 وتقريرها في 6/12/2024 من العام نفسه. ثم تحوّل الهدف إلى 418 مليون قدم مكعب يومياً بحلول 2029 حسب إعلان 24/4/2025، وهو إعلان نقل التوقعات إلى مستوى مختلف جذرياً. وأعلنت الشركة في 6/4/2025 عطاءً لحفر 80 بئراً خلال ثلاث سنوات، وصفها تقريرها السنوي لعام 2025 بأنها آبار استكشافية. فكيف تتكامل هذه الأهداف؟ وهل تكفي الآبار التطويرية الـ26 لبلوغ 418 مليون قدم مكعب يومياً، أم أنها طموحات لم تتحول بعد إلى خطة فعلية؟ وقد لا نكون على حق، لكنها أسئلة تستحق إجابات فنية معلنة بشفافية.

وتزداد أهمية الشفافية عند مناقشة تقديرات الغاز نفسها. فقد أورد التقرير السنوي لعام 2025 أن دراسة غطت 3,400 كيلومتر مربع من منطقة الريشة قدّرت إجمالي الغاز الموجود في المكمن (GIIP)، أي الغاز المقدّر وجوده في الصخور الحاملة له، بـ9.39 تريليون قدم مكعب في السيناريو المنخفض، و11.99 تريليوناً في أفضل تقدير، وقد تصل إلى 16 تريليوناً في السيناريو الأعلى. وقُدّر الغاز القابل للاستخراج بـ2.852 تريليون قدم مكعب في السيناريو المنخفض، و4.66 تريليوناً في الأفضل، و6.36 تريليوناً في الأعلى. لكن الغاز الموجود في الصخور ليس مرادفاً للاحتياطيات المؤكدة القابلة للإنتاج التجاري؛ فالتمييز بين الموارد والاحتياطيات يتطلب تصنيفاً واضحاً وأدلة فنية واقتصادية. وفي جيولوجيا النفط والغاز تُصنَّف الاحتياطيات بحسب درجة اليقين: فالمؤكد (Proven) يرتبط عادة باحتمال 90 %، والمحتمل (Probable) بنحو 50 %، والممكن (Possible) بنحو 10 %، وفق منهجية التقدير العلمية المعتمدة.

وعلى هذا الأساس، أورد تقرير الشركة لعام 2025 أن الاحتياطيات وفق تصنيفات نظام إدارة موارد البترول الدولي (PRMS) تُقدَّر بـ307 مليارات قدم مكعب للاحتياطيات المؤكدة كأقل تقدير (1P)، و411 ملياراً كأفضل تقدير (2P)، و541 ملياراً كأعلى تقدير (3P). وحتى هذه الأرقام ليست متساوية في درجة اليقين، بل هي تقديرات متفاوتة الاحتمال. وقد تكون هذه الأرقام الأخيرة أقرب إلى الواقعية من الأرقام التي أُعلنت في تشرين الثاني 2024. وعند مقارنة هذه الأرقام الأخيرة بالأهداف، فإن استهداف 418 مليون قدم مكعب يومياً عام 2029 يعادل نحو 152.6 مليار قدم مكعب سنوياً؛ ولو افترضنا نظرياً ثبات هذا المعدل وإمكان استخراج كامل التقدير الأعلى (541 ملياراً)، لنفد الاحتياطي في نحو 3.5 سنوات. وهذا حساب توضيحي، ولا يعني عمر الحقل بأي حال، لكنه يكشف حجم الفجوة بين الأرقام. ولو أمكن تحويل تقدير 4.66 تريليون قدم مكعب إلى احتياطيات قابلة للاستخراج التجاري، لتغيرت الصورة جذرياً؛ غير أن ذلك يحتاج إلى إثبات علمي دقيق، ولا يجوز استنتاجه من رقم الغاز الموجود في صخور المكمن على امتداد منطقة الدراسة.

ومن هنا تستوجب الدقة التوقف عند تصريح معالي الدكتور يوسف منصور عبر تلفزيون المملكة في 30/8/2026، بأن الأردن يحتل المرتبة السادسة عالمياً في احتياطيات الغاز، مشيراً إلى مشاركته في فريق الدراسة. وعلى افتراض أنه استخدم التقدير الأعلى للغاز الموجود في صخور المكمن (16 تريليون قدم مكعب)، فإن هذا الرقم لا يضع الأردن حتى ضمن أكبر ثلاثين دولة في الاحتياطيات؛ فاحتياطيات روسيا (الأولى عالمياً) نحو 1,688 تريليون قدم مكعب، وإيران (الثانية) 1,200، وقطر 842، والسعودية (السادسة) نحو 340، والعراق (الثانية عشرة) نحو 131.2، وأذربيجان (العشرون) نحو 60، والبرازيل (الثلاثون) نحو 18.3 تريليون قدم مكعب. ولذلك يثير التصريح الاستغراب، ويستوجب توضيح مصدره وتعريف مصطلح الاحتياطي المستخدم قبل الجزم بترتيب الأردن العالمي، فالأرقام الجيولوجية لا يجوز تحويلها إلى ترتيب للاحتياطيات التجارية دون سند علمي ومنهجي واضح. وإطلاق مثل هذه التصريحات بهذه الطريقة لا يخدم مؤسسات الدولة، بل يعزز موقف أصحاب نظرية المنع والتشكيك.

ولا يختلف المشهد كثيراً في التعدين، فباستثناء الفوسفات والبوتاس يغلب عليه إنتاج خامات محدودة وصناعات صغيرة، وهي أنشطة مفيدة لكنها لا تصنع اقتصاداً تعدينياً كبيراً. ويشير أحد تقارير هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن إلى أن إيراداتها من المصادر الطبيعية خلال الأعوام 2021 - 2025 بلغت نحو 19.18 مليون دينار، أي أقل من خمسة ملايين سنوياً، دون عوائد الفوسفات والبوتاس التي تُورَّد مباشرة إلى وزارة المالية. أما اليورانيوم والنحاس والذهب والعناصر الأخرى، فعلى الرغم من مذكرات التفاهم والتراخيص ودراسات الجدوى، بقي بعضها على الورق وبعضها ما زال في مراحل الاستكشاف، دون مناجم منتجة أو إيرادات تُذكر للموازنة، لأسباب تشمل انخفاض التركيز كما في اليورانيوم، وكلفة الاستخراج، ونقص البنية التحتية والتمويل. ولذلك نحتاج إلى مراجعة علنية لاتفاقيات التنقيب عن النفط والغاز في الجفر وغرب الصفاوي والسرحان والأزرق، وكذلك اتفاقيات التنقيب عن المعادن خلال العقد الأخير، تكشف ما وُعد به وما أُنجز وما دخل الخزينة. وهذه مساءلة مشروعة، وهي نقيض نظرية المنع.

ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً لهذه النظرية: لماذا لم يُمنع الأردن من استثمار الفوسفات والبوتاس؟ فقد تأسست شركة مناجم الفوسفات الأردنية عام 1949، والشركة العربية للبوتاس عام 1956، حين كانت الدولة أقل قدرة مالية وفنية وأكثر تعرضاً للاضطرابات الإقليمية. ومع ذلك أصبحت الشركتان من كبار المصدّرين عالمياً، وأسهمتا في رفد الخزينة بإيرادات كبيرة. فكيف يُقال إن الأردن ممنوع اليوم، وهو أوسع خبرة وعلاقات وأقوى مؤسسياً؟ الفارق ليس في قرار يسمح هنا ويمنع هناك، بل في أن الفوسفات والبوتاس ثبت وجودهما بكميات اقتصادية، بينما لم تثبت اكتشافات الموارد الأخرى بالمستوى نفسه.

وإذا كانت الوقائع تنفي المنع، فما الذي يغذي هذه النظرية إذن؟ يغذيها أمران: تصريحات رسمية ترفع سقف التوقعات وتعرض الاحتمالات كأنها حقائق محسومة ثم تتأخر النتائج أو لا تتحقق، كما حدث في حقل حمزة وملفات أخرى؛ وبعض التضخيم الإعلامي، الذي يخلط بين "الموارد المحتملة"، وهي تقديرات جيولوجية نظرية، و"الاحتياطيات المؤكدة القابلة للاستخراج تجارياً". ويرفع هذا الخلط توقعات الناس ثم يثير غضبهم حين لا تتحقق. وإذا لم يتحقق هدف 418 مليون قدم مكعب يومياً في الموعد المعلن، فقد تتسع دائرة الشكوك والإشاعات. فالنظرية التي تفسر كل إخفاق بخصم خفي لا يمكن اختبارها ولا دحضها، وهي تحوّل الفشل الفني والإداري إلى مظلومية، وتغذي خطاباً شعبوياً يعد بالثراء الفوري، وتصرف الانتباه عن جودة الدراسات والشفافية والمساءلة. وفي ظروف إقليمية مضطربة يحتاج الأردن إلى الثقة بمؤسساته، لا إلى تصريحات متفرقة تضعفها. وهنا نستذكر قول الأمير خالد الفيصل "يا ليل خبرني عن أمر المعاناة…هي من صميم الذات ولا أجنبية"، أي أن علة المعاناة من الداخل لا من الأجنبي. ومن ثم تبرز ضرورة مساءلة كل مسؤول أو جهة لم يتحقق وعدها، وإلا بقي الحديث عن الثروات الهائلة خطاباً بلا حساب.

ولا يعني نفي أسطورة المنع الاستسلام للفقر الجيولوجي. فالأردن يمتلك فرصاً حقيقية في الطاقة الشمسية والمتجددة، والفوسفات وأملاح البحر الميت والسيليكا، وفي رفع القيمة المضافة عبر التصنيع، إلى جانب كفاءاته البشرية وقطاعه الخدمي. ويمكن مواصلة استكشاف النفط والغاز بشراكات تتقاسم المخاطر، شريطة الإفصاح عن نتائج الآبار والدراسات، وإنشاء سجل علني لاتفاقيات التنقيب والتعدين يتضمن الالتزامات والإنجازات والكلف والإيرادات، ومحاسبة الجهات التي لا تحقق أهدافها المعلنة.

فالثروة لا تثبت في المؤتمرات الصحفية ولا في زيارات التقاط الصور، بل في المناجم العاملة، وأطنان الخام المنتجة، وبراميل النفط والأقدام المكعبة من الغاز المستخرجة، والإيرادات التي تدخل الخزينة، وفرص العمل والقيمة المضافة التي تنعكس على حياة الناس. والأردن لم يُثبت حتى الآن وجود اكتشافات أخرى تستحق الاستخراج بكميات اقتصادية، ومع ذلك ينبغي إبقاء باب الاستكشاف مفتوحاً دون إفراط في التفاؤل، ومواصلة التنقيب مهما طال الزمن وتكررت الدراسات، كما في وادي عربة منذ سبعة عقود، ما دامت الشركات تتحمل الكلفة ولا تُحمّل الموازنة أعباءً. وحين نتخلى عن شماعة المنع، لن يكون السؤال: من يمنعنا من ثروات لم تثبت جدواها الاقتصادية بعد؟ بل: ماذا نفعل بما نملكه فعلاً، وكيف نحوله إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات مستدامة؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:06