خوارزميات العدالة النائمة.. كيف فكّ علم الأنساب والذكاء الاصطناعي لغز جريمة عمرها 3 عقود؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 15:21
مدار الساعة -بعد عقود من الغموض والبحث المستمر، أعادت التكنولوجيا المتقدمة الأمل في طي صفحة واحدة من أبشع الجرائم العالقة.
ففي مساء التاسع من نوفمبر 1993، شوهدت راندي جيل سبيرينو للمرة الأخيرة وهي تقود شاحنة صغيرة في مدينة غرانيت سيتي بولاية إلينوي. وبعد ساعات قليلة، عُثر على جثة الضحية البالغة من العمر 34 عاماً في حقل قريب، وقد تعرضت لاعتداء وحشي أودى بحياتها نتيجة الصدمات القوية.
وبقي هوية القاتل لغزاً محيراً، حيث خضعت أدلة الحمض النووي (DNA) المعثور عليها في مسرح الجريمة للفحص عبر قواعد بيانات إنفاذ القانون القياسية دون العثور على أي تطابق.
على مدار ثلاثة عقود، واصل محققو مكتب عمدة مقاطعة ماديسون تتبع الخيوط واستجواب مئات الأشخاص في محاولة للوصول إلى الجاني، وبدو وكأن القضية في طريقها لتنضم إلى قائمة تضم أكثر من 250 ألف جريمة قتل لم تُحل في الولايات المتحدة الأمريكية.
غير أن المحققين لجأوا العام الماضي إلى نهج مبتكر تتمثل في إرسال الأدلة الجينية إلى شركة "وثترام" (Othram) ومقرها هيوستن، والتي توظف تقنيات الحمض النووي المتقدمة للمساعدة في كشف ملابسات القضايا الباردة والحالية، مستلهمين ذلك من تقنيات علم الأنساب الجيني التحقيقي التي أسهمت سابقاً في تحديد هُوية سفاح الولاية الذهبية جوزيف جيمس دي أنجيلو في عام 2018 بفضل بيانات الأقارب على منصات تجارية.
على عكس اختبارات الحمض النووي الجنائية التقليدية التي تعتمد على المقارنة المباشرة، يتيح علم الأنساب الجيني التحقيقي التعرف على الأقارب الجينيين البعيدين للأشخاص مجهولي الهُوية.
ورغم عدم توفر ملف الحمض النووي للمشتبه به نفسه، فإن الملفات التي قدمها أقاربه البعيدون مكّنت الشركة من تحديد هُوية أحد أفراد العائلة الذكور، وهو الخيط الذي وصفه الكابتن تيم لورانس من مكتب عمدة مقاطعة ماديسون بأنه المفتاح الذي فتح القضية على مصراعيها وقاد المحققين مباشرة إلى ألبرت "بُدي" زيغلر البالغ من العمر 70 عاماً، والذي اعترف وفقاً للشرطة بارتكاب الجريمة ووُجهت إليه التهم في شهر مايو من هذا العام.
وعلق ويس سبيرينو، نجل الضحية، خلال مؤتمر صحفي قائلاً: "لقد حصلت أخيّاً على شعور بالارتياح وعرفت من ارتكب هذه الفعلة".
تُعد التقنية التي قادت المحققين إلى زيغلر ثورة حقيقية في حل القضايا الجنائية، وأثبتت نجاحاً كبيراً في التعامل مع الرفات البشرية مجهولة الهُوية وتحديد المشتبه بهم في التحقيقات الطويلة.
وتؤكد شركة "وثترام" أنها أسهمت في حل آلاف القضايا، حيث يشبه الرئيس التنفيذي للشركة ديفيد ميتلمان علم الأنساب الجيني بنظام التحديد الجغرافي (GPS)، موضحاً أن ملف الحمض النووي بمثابة الإشارة التي توضح الموضع، بينما يتطلب فهم المكان الاستعانة بسجلات عامة ونعي و بيانات تعداد سكاني لبناء خارطة تربط بين شجرات العائلات المختلفة.
ومع ذلك، يؤكد ميتلمان أن تكنولوجيا الحمض النووي تتطلب بالضرورة خطوات تحقيقية ميدانية لا غنى عنها.
ولا يقتصر دور التكنولوجيا الحديثة على علم الستينات والجينات، إذ تواجه فرق التحقيق تحديات كبرى تتمثل في الكم الهائل من الأدلة المتراكمة. وفي قضية سبيرينو، أدرك المحققون أن الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدتهم في غربلة آلاف المستندات؛ حيث استخدموا منصة تُدعى "سنترلاين إيه آي" (Centerline AI) التابعة لشركة "سنتر سكوير" الفلوريدية لتحليل أكثر من 2,000 صفحة من السجلات وتحديد الأدلة المناسبة للفحص الجيني.
وأوضح الكابتن لورانس أن الذكاء الاصطناعي ساهم في إعادة بناء التسلسل الزمني وتنظيم معلومات الشهود والتفاعل مع النظام كبرنامج محادثة آلي، كما ساعد المحققين في صياغة أسئلة أثناء التحقيق مع زيغلر لتقييم مدى صدقه، مشدداً في الوقت ذاته على أن التكنولوجيا تظل رهن كفاءة المحقق الذي يتعين عليه ميدانياً ملاحقة الأشخاص والتحدث إليهم.
وفي السياق ذاته، يمتلك علم الأنساب الجيني التحقيقي محاذير ومحددات، إذ يشير ميتلمان إلى عجزه عن حل كافة القضايا في غياب عينات الحمض النووي، رغم تفوقه الهائل مقارنة بالاعتماد على التطابق العشوائي في قواعد البيانات.
وعلى الرغم من حرص شركات مثل "وثترام" على استخدام منصات الأنساب التي تتيح موافقة المستخدمين المسبقة، تظل هناك هواجس أخلاقية تتعلق بالخصوصية تطرحها البروفيسورة دينيس سينديركومبي كورت من كينغز كوليدج لندن، نظراً لعدم حصول الأقارب الجينيين بالضرورة على إذن مسبق.
كما يشكل نقص التمويل عقبة إضافية تُدار أحياناً عبر التبرعات أو التمويل الجماعي، بينما تدرس الحكومة البريطانية إمكانية تبني هذه التقنيات بعد انتشارها في دول مثل السويد والدنمارك وأستراليا، مستفيدة من كفاءة قواعد بياناتها الحالية التي تمنح فرصة تجاوز 65% للتعرف على هوية الجناة متى توفرت عينة صحيحة في مسرح الجريمة.
ففي مساء التاسع من نوفمبر 1993، شوهدت راندي جيل سبيرينو للمرة الأخيرة وهي تقود شاحنة صغيرة في مدينة غرانيت سيتي بولاية إلينوي. وبعد ساعات قليلة، عُثر على جثة الضحية البالغة من العمر 34 عاماً في حقل قريب، وقد تعرضت لاعتداء وحشي أودى بحياتها نتيجة الصدمات القوية.
وبقي هوية القاتل لغزاً محيراً، حيث خضعت أدلة الحمض النووي (DNA) المعثور عليها في مسرح الجريمة للفحص عبر قواعد بيانات إنفاذ القانون القياسية دون العثور على أي تطابق.
على مدار ثلاثة عقود، واصل محققو مكتب عمدة مقاطعة ماديسون تتبع الخيوط واستجواب مئات الأشخاص في محاولة للوصول إلى الجاني، وبدو وكأن القضية في طريقها لتنضم إلى قائمة تضم أكثر من 250 ألف جريمة قتل لم تُحل في الولايات المتحدة الأمريكية.
غير أن المحققين لجأوا العام الماضي إلى نهج مبتكر تتمثل في إرسال الأدلة الجينية إلى شركة "وثترام" (Othram) ومقرها هيوستن، والتي توظف تقنيات الحمض النووي المتقدمة للمساعدة في كشف ملابسات القضايا الباردة والحالية، مستلهمين ذلك من تقنيات علم الأنساب الجيني التحقيقي التي أسهمت سابقاً في تحديد هُوية سفاح الولاية الذهبية جوزيف جيمس دي أنجيلو في عام 2018 بفضل بيانات الأقارب على منصات تجارية.
على عكس اختبارات الحمض النووي الجنائية التقليدية التي تعتمد على المقارنة المباشرة، يتيح علم الأنساب الجيني التحقيقي التعرف على الأقارب الجينيين البعيدين للأشخاص مجهولي الهُوية.
ورغم عدم توفر ملف الحمض النووي للمشتبه به نفسه، فإن الملفات التي قدمها أقاربه البعيدون مكّنت الشركة من تحديد هُوية أحد أفراد العائلة الذكور، وهو الخيط الذي وصفه الكابتن تيم لورانس من مكتب عمدة مقاطعة ماديسون بأنه المفتاح الذي فتح القضية على مصراعيها وقاد المحققين مباشرة إلى ألبرت "بُدي" زيغلر البالغ من العمر 70 عاماً، والذي اعترف وفقاً للشرطة بارتكاب الجريمة ووُجهت إليه التهم في شهر مايو من هذا العام.
وعلق ويس سبيرينو، نجل الضحية، خلال مؤتمر صحفي قائلاً: "لقد حصلت أخيّاً على شعور بالارتياح وعرفت من ارتكب هذه الفعلة".
تُعد التقنية التي قادت المحققين إلى زيغلر ثورة حقيقية في حل القضايا الجنائية، وأثبتت نجاحاً كبيراً في التعامل مع الرفات البشرية مجهولة الهُوية وتحديد المشتبه بهم في التحقيقات الطويلة.
وتؤكد شركة "وثترام" أنها أسهمت في حل آلاف القضايا، حيث يشبه الرئيس التنفيذي للشركة ديفيد ميتلمان علم الأنساب الجيني بنظام التحديد الجغرافي (GPS)، موضحاً أن ملف الحمض النووي بمثابة الإشارة التي توضح الموضع، بينما يتطلب فهم المكان الاستعانة بسجلات عامة ونعي و بيانات تعداد سكاني لبناء خارطة تربط بين شجرات العائلات المختلفة.
ومع ذلك، يؤكد ميتلمان أن تكنولوجيا الحمض النووي تتطلب بالضرورة خطوات تحقيقية ميدانية لا غنى عنها.
ولا يقتصر دور التكنولوجيا الحديثة على علم الستينات والجينات، إذ تواجه فرق التحقيق تحديات كبرى تتمثل في الكم الهائل من الأدلة المتراكمة. وفي قضية سبيرينو، أدرك المحققون أن الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدتهم في غربلة آلاف المستندات؛ حيث استخدموا منصة تُدعى "سنترلاين إيه آي" (Centerline AI) التابعة لشركة "سنتر سكوير" الفلوريدية لتحليل أكثر من 2,000 صفحة من السجلات وتحديد الأدلة المناسبة للفحص الجيني.
وأوضح الكابتن لورانس أن الذكاء الاصطناعي ساهم في إعادة بناء التسلسل الزمني وتنظيم معلومات الشهود والتفاعل مع النظام كبرنامج محادثة آلي، كما ساعد المحققين في صياغة أسئلة أثناء التحقيق مع زيغلر لتقييم مدى صدقه، مشدداً في الوقت ذاته على أن التكنولوجيا تظل رهن كفاءة المحقق الذي يتعين عليه ميدانياً ملاحقة الأشخاص والتحدث إليهم.
وفي السياق ذاته، يمتلك علم الأنساب الجيني التحقيقي محاذير ومحددات، إذ يشير ميتلمان إلى عجزه عن حل كافة القضايا في غياب عينات الحمض النووي، رغم تفوقه الهائل مقارنة بالاعتماد على التطابق العشوائي في قواعد البيانات.
وعلى الرغم من حرص شركات مثل "وثترام" على استخدام منصات الأنساب التي تتيح موافقة المستخدمين المسبقة، تظل هناك هواجس أخلاقية تتعلق بالخصوصية تطرحها البروفيسورة دينيس سينديركومبي كورت من كينغز كوليدج لندن، نظراً لعدم حصول الأقارب الجينيين بالضرورة على إذن مسبق.
كما يشكل نقص التمويل عقبة إضافية تُدار أحياناً عبر التبرعات أو التمويل الجماعي، بينما تدرس الحكومة البريطانية إمكانية تبني هذه التقنيات بعد انتشارها في دول مثل السويد والدنمارك وأستراليا، مستفيدة من كفاءة قواعد بياناتها الحالية التي تمنح فرصة تجاوز 65% للتعرف على هوية الجناة متى توفرت عينة صحيحة في مسرح الجريمة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 15:21