الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الأردن بين تمويل المشروع وتحمل مخاطره

المحامي هيثم عريفج
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 14:40
حين تتعاقد الدولة مع القطاع الخاص لتنفيذ مشروع بنية تحتية، فإنها ترتب حقوقاً والتزامات قد تمتد لعقود. لذلك، يتجاوز التقييم القانوني سؤال توفير التمويل إلى تحديد سلطة التعاقد، ومسؤولية التنفيذ، وحدود الضمانات، وآثار التعثر. هنا يكتمل اليقين القانوني بعقد يوضح للمستثمر حقوقه، ويحمي استمرارية الخدمة والمال العام.

ينظم قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (19) لسنة 2023 ونظام مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (9) لسنة 2024 هذا المسار. لكن تحديد التشريع المنطبق يسبق تحليل العقد؛ فالمادة (21) من قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (19) لسنة 2023 تستثني من تطبيقه مشروعات سبق توقيع عقودها، أو حصلت على الموافقة النهائية للتوقيع، أو بدأت إجراءات طرح عطاءاتها قبل نفاذه. ولذلك، لا يصح إخضاع جميع المشروعات للقواعد نفسها اعتماداً على تاريخ تشغيلها وحده.

وتجعل المادة (9) من قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (19) لسنة 2023 وزارة الاستثمار المرجعية الرئيسية لإعداد المشروع وطرح عطائه والتنسيق مع الجهة الحكومية المعنية حتى توقيع العقد. وعملياً، يجب التحقق من اختصاص الجهة المتعاقدة واستكمال الموافقات والتفويضات اللازمة، ومن اتساق العقد مع وثائق العطاء والعرض المقبول. فالتوقيع وحده لا يحسم سلامة الإجراءات التي سبقته.

وتبدأ جودة البناء القانوني قبل الطرح، بمراجعة ملكية الأرض وحقوق استخدامها، ومتطلبات الترخيص والبيئة، والقيود القطاعية. وينبغي تحديد هذه المسائل في وثائق المشروع، وربط الالتزامات الجوهرية بمواعيد وشروط واضحة. فإذا كان تسليم الموقع شرطاً لبدء الإنشاء، وجب بيان الجهة المسؤولة عنه وأثر التأخير على البرنامج والكلفة، بدلاً من تركهما لخلاف لاحق.

أما توزيع المخاطر، فهو تحويل الاحتمالات الاقتصادية والفنية إلى التزامات قابلة للتنفيذ. فيحدد العقد من يتحمل عيوب التصميم، وتجاوز كلفة الإنشاء، وتأخر التشغيل، وضعف الطلب، ومخاطر التوريد. ولا يكفي إدراجها تحت عبارة عامة؛ بل ينبغي تعريف الواقعة، ودليل تحققها، وواجب الإشعار بها، ووسائل الحد من ضررها، والأثر المالي أو الزمني المترتب عليها.

إذا تحمل الشريك الخاص مخاطر التشغيل، ينبغي أن يقابل ذلك نطاق واضح لسلطته في الإدارة. وإذا ارتبط تنفيذ التزام بإجراء تتخذه جهة عامة، وجب ضبط مسؤولية توفيره دون افتراض إمكان إعفاء المشروع من المتطلبات القانونية. وتحميل طرف مخاطرة لا يملك إدارتها قد يؤدي إلى رفع السعر أو تعذر التمويل أو نزاع بشأن التعويض.

تحتاج الالتزامات المالية إلى عناية مماثلة. فمن الضروري التمييز بين ما يدفعه المستفيد، وما تلتزم به الجهة العامة، وأي ضمان مستقل يمنح للمشروع. ولا ينبغي أن تفهم مشاركة جهة حكومية باعتبارها ضمانا عاما لجميع الديون أو الإيرادات، بل يجب فحص كل التزام وسنده ونطاقه وشروط استحقاقه. كما ينبغي تقدير التعويضات المحتملة عند التعثر والإنهاء ضمن كلفة المشروع منذ البداية.

في عقود الخدمات الأساسية، ينبغي ترجمة المصلحة العامة إلى معايير تعاقدية: مستوى الخدمة، واستمراريتها، ومواعيد الصيانة، وطرق الفحص، وآليات تلقي الشكاوى.

يمكن تنظيم الخصومات أو الجزاءات عند تدني الأداء وفق القانون والعقد، مع تمييز إخلال المشغل عن التعطل الناشئ عن أسباب يتحملها الطرف العام. فالمقابل المالي يجب أن يرتبط بالتزام محدد يمكن التحقق من تنفيذه.

تبرز دقة الصياغة عند تغير القانون أو وقوع ظروف استثنائية. فهذه الوقائع تختلف عن تقلبات السوق المعتادة أو أخطاء الإدارة. ومن المناسب تحديد شروط طلب المعالجة، وإثبات العلاقة بين الحدث والخسارة، وواجب تخفيف الضرر، وما إذا كانت المعالجة تمديداً للمدة أو تعديلاً مالياً أو إنهاءً. ولا ينبغي صياغة هذه البنود بما يوحي بتجميد سلطة الدولة التنظيمية.

للتعديل حدود قانونية صريحة؛ إذ تستلزم المادة (19) من قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (19) لسنة 2023 موافقة مجلس الوزراء الخطية المسبقة على التعديلات المتعلقة بالمخرجات أو السعر أو المدة أو التنازل عن الحقوق التي تؤثر في توزيع المخاطر. ومن ثم، لا تكفي التسوية التجارية بين الطرفين إذا كانت تستلزم هذه الموافقة، كما ينبغي فحص أثرها على الأسس التي قامت عليها المنافسة.

عند الإنهاء، يجب التمييز بين إخلال الشريك الخاص وإخلال الجهة العامة والوقائع الأخرى المقررة قانوناً أو تعاقداً، وتحديد إجراءات الإشعار والمعالجة والتعويض وتسليم الأصول. ويمكن تنظيم حقوق الممولين في معالجة التعثر أو اقتراح مشغل بديل ضمن الضوابط والموافقات اللازمة، دون افتراض وجود حق تلقائي لهم في الحلول محل شركة المشروع.

تكتمل الحماية بآلية واضحة للنزاع، تحدد نطاق المطالبات ومراحل تسويتها والمواعيد والجهة المختصة، مع التحقق من صحة أي اتفاق للتحكيم وإمكان تنفيذ الحكم. كما تعزز المادة (20) من قانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم (19) لسنة 2023 نزاهة القرار بأحكام تتعلق بتعارض المصالح والإفصاح والسرية.

لتطوير التطبيق، أقترح إرفاق وثائق الطرح بمصفوفة للمخاطر، ومراجعة قانونية للأرض والتراخيص والالتزامات المالية، وخطة لإدارة العقد بعد توقيعه. فنجاح الشراكة يتطلب قدرة مستمرة على قياس الأداء وتوثيق المطالبات وضبط التعديلات، بما يحقق عائداً مشروعاً للمستثمر وخدمة ميسورة للمواطن والتزامات تستطيع الدولة الوفاء بها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 14:40