الدرون الأوكراني غربي الانتاج والتوجيه

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/20 الساعة 18:43
من يتابع الحرب الأوكرانية شيوعا ، ومن الطرفين الأوكراني و الغربي ، و الروسي في المقابل ، لا بد له أن يعود لأسبابها الحقيقية ، و جذورها ، و إلا لن يتمكن من فهم مجرياتها ، و لن يستطيع أن يصطف إلى جانب عدالة التاريخ وسطها . و أوكرانيا كانت جزءا من تاريخ المنظومة السوفيتية كما نعرف ، و من كيان و جبروت الاتحاد السوفيتي 1922- 1991 ، وتصنف أوكرانيا بالنسبة لروسيا على أن تاريخها روسي الأصل ، و بأنها دولة مستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و تقع في أطراف روسيا من جهة الجنوب .

و بأنه كان بإمكان الحرب من جهتها أن لا تبدأ لو لم تتحرش بالسيادة الروسية ليس بواسطة الاقتراب من الاتحاد الأوروبي ، و الذي هو المشروع لها اقتصاديا إن قبلها ، وهو الذي توافق عليه روسيا شريطة الحياد سياسيا ، و عسكريا ،ولو لم تدعو حلف ( الناتو ) المعادي لروسيا للاقتراب من حدوده الجنوبية ، و حتى الدخول إلى وسطه عضوا فاعلا ، و مناهضا لروسيا ، و هو الذي ترفضه روسيا اليوم وغدا . و لو أنها أعادت طوعا لروسيا ما منحته لها من قرم و دونباس .

وفي المقابل ، لقد سبقت روسيا أوكرانيا في حدسها ، ففي عام 2000 عرضت دخول( الناتو) للجم الحرب الباردة و سباق التسلح ، و قوبلت خطوتها بصمت أمريكي و غربي ، و الهدف الروسي وقتها واضح هو لحماية سيادتها ، بينما هدف الغرب للانقضاض على أوكرانيا ، و على كل دولة مستقلة عن الاتحاد السوفيتي تتحرك عبر استقلالها تجاه الغرب لكسبها في صفوفه و ( الناتو ). و تحرك الغرب فعلا عبر باريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ، و الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن ، و استخبارات الغرب مجتمعة لاختراق انقلاب ( كييف ) غير الشرعي عام 2014 ، و الذي هدف لاجتثاث الوجود الروسي من أوكرانيا و استبداله بحضور للناتو ، و كانت موسكو له بالمرصاد من خلال احباط الانقلاب عبر إعادة ضم القرم لروسيا بقوة صناديق الاقتراع ، و نشر صناديق الاقتراع في الدونباس ، و بنتيجة لصالح الانضمام لروسيا و جواز سفرها ،ومن ثم تحريك العملية الروسية الخاصة التحريرية ، الدفاعية ، الاستباقية بتاريخ 24 شباط 2022 بقرار رئاسي جماعي روسي ، و برلماني ، و من قبل مجلس الاعيان ، وشحه رئيس روسيا الاتحادية بتوقيعه دفاعا عن سيادة روسيا العظمى .

وقبل ذلك صبرت روسيا على نظام كييف بعد شنه حربا على المكون الأوكراني و الروسي استمرت ثماني سنوات ، سقط خلالها الاف الضحايا ، و عرضت السلام عليه مرارا بواسطة اتفاقية ( مينسك ) ، و لاحقا عبر أنقرة و اسطنبول ، وكان دائما يصغي للغرب و يهرب من السلام تجاه الحرب .

وبعد مرور 4 سنوات و أكثر على بدء العملية الدفاعية العسكرية الروسية ، و رغم حشد الغرب لخمسين دولة من دول الناتو مع نظام ( كييف ) بقيادة الرئيس فلاديمير زيلنسكي المنتهية ولايته منذ عام 2024 ، تمكنت روسيا الان وعبر جيشها من تحرير 30% من الاراضي الأوكرانية – الروسية الأصل ، و بهدف الوصول لمنطقة نهر الدنيبر و الوقوف على أبواب العاصمة ( كييف ) ، و ربما لاحقا لاقتحام العاصمة إن تقرر ذلك في موسكو .

و لم يتمكن التحالف الغربي حول (كييف ) العاصمة من تحرير شبر واحد مما حررته روسيا ، و يواصل توجيه المسيرات – الدرون بطريقة غير مباشرة عبر ( كييف ) لتحقيق أكثر من هدف مثل تحريض الشعب الروسي على نظامه السياسي ، و هو الذي لم ولن يحصل ، و لن ينجح ، و لإلحاق الأذى بالمواطنين الروس ، و حتى بالسكان الأوكران داخل روسيا ، وهو عمل مدان يصل لدرجة الإرهاب .

ليس هدف الغرب عبر العاصمة الأوكرانية بريئا ، و لا يهدف لتحقيق السيادة لأوكرانيا بطبيعة الحال ، و لو رغبت ( كييف ) بالمحافظة على سيادتها لما مارست ادارة الظهر لموسكو على مستوى سوء الجوار ، و التطاول على اللغة الروسية ، و على النسيج الديني المشترك ، و حتى على المسارين الاجتماعي ، و الاقتصادي ، بينما هي غرب أوكرانيا بأمس الحاجة للغاز الروسي ، و للطاقة الكهربائية الروسية ، و للمصادر الطبيعية الروسية النادرة ، لكن هيهات ؟ إنها مؤامرة الغرب على روسيا و أوكرانيا معا ، و على كل الوجود السلافي كذلك .

أكبر مؤشر على أن الغرب جبان ، هو عدم مقدرته على توجيه الدرون – المسيرات مباشرة تجاه المدن الروسية ، و في مقدمتها موسكو العاصمة ، و سانك بيتر بيرغ ، و فقط لأنه يعرف مسبقا الجواب الروسي النووي ، الساحق ، و الان نشاهد كيف انقلب السحر على الساحر عندما بدأ الخراب ، و الفوضى ، و سرقة المحلات التجارية – الماركات مرتفعة الثمن ينخر عواصم الغرب المتأمرة على روسيا .

و يقابل هذه المعادلة موقف روسي صلب من أزمة إيران وعلاقتها بأمريكا و إسرائيل ، و رغم أن روسيا تقيم علاقات استراتيجية جيوبولوتيكية مع الولايات المتحدة و إسرائيل إلا أنها ، أي روسيا تتخذ موقفا مختلفا ، فنراها تساند إيران و تنصفها ، و تعترف لها بأحقية التخصيب النووي ، و حتى امتلاك القنبلة النووية بإعتبارها دولة مستقلة معترف بها في الأمم المتحدة و مجلس الأمن . وما يتعلق بقضية مضيق هرمز ، فإن لروسيا موقفا واضحا يتمثل بضرورة التمسك بالحوار و الذهاب إلى السلام ، و الجميع يعرف بأن محراك شر أزمات العالم هي إسرائيل ، و ليس غيرها ، و هي التي تورط أمريكا بالأزمات .

ما يهمنا هنا ، هو أن أمريكا – ترامب قائدة حلف ( الناتو ) انشطرت ليس عن نظام زيلينسكي فقط بعد اتهامه برفض السلام ، و بيع السلاح الأمريكي في الأسواق الخارجية ، و منها كما هو معلوم لنا في الأسواق الأفريقية ، بل وعن جسم الناتو - ( الاتحاد الأوروبي ) ، و اعلانه بأنه لولم تزور الانتخابات الرئاسية السابقة ، و أصبح رئيسا لأمريكا وقتها و ليس جو بايدن ، لما وقعت الحرب الأوكرانية أصلا ، و لما سقط الشهداء فيها .

و الان ، و بعد هيجان العواصم ، و المدن الأوروبية بسبب غلاء الأسعار ، و في مقدمتها أسعار المحروقات ، و بسبب أزمة مضيق " هرمز " ، انتشرت شرارة الفوضى إلى العاصمة الأمريكية واشنطن عبر توسيع الاحتجاجات هناك ضد سياسات أمريكا الخارجية ، و تعالت الأصوات المنادية في الغرب لوقف تزويد العاصمة ( كييف ) بالسلاح و المال ومن بينها اليس فايدل الاقتصادية ، و غرب أوكرانيا الخاسر للحرب لامحالة ، و المنهزم فيها إلى جانب الغرب . و روسيا و كما هو معلوم ، و كما يتحدث التاريخ العميق و المعاصر لم تخسر حربا لم تبدأها ، و مثلي هنا حرب نابليون بونابارت ، و الحرب العالمية الأولى ، و الحرب العالمية الثانية مع النازية الألمانية بقيادة أودلف هتلر ، و في أفغانستان ، و في الحرب الأوكرانية الحالية . ولن تسمح لنظام ( كييف) التقاط أنفاسه ليجمع السلاح من جديد بحجة الحاجة لإجراء انتخابات رئاسية كما صرح سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي .

و أخيرا و ليس أخرا ، فإن روسيا باقية عظمى ، و متفوقة في السلاح النووي و قوة النار ، و ميزان دولي ، ولا يستطيع أحدا تصور العالم ، وكما قال الرئيس بوتين نفسه من دون روسيا ، الأكثر تمسكا بالقانون الدولي ، و المطلوب في المقابل من أمريكا تهذيب قواعدها العسكرية وسط العرب لكي لا تكون مهمتها مهاجمة إيران أو حماية إسرائيل ، و للحديث بقية .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/20 الساعة 18:43