سردية مدينة الزرقاء: الآشوريون والبابليون والفرس - عندما أصبحت الزرقاء طريقاً للجيوش
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 22:29
مدار الساعة - كتب: رفاد العياصرة - لم تكن الزرقاء يوماً مدينة على الهامش. هي وادٍ وطريق، وممر إجباري بين الصحراء والجبل، بين الشمال والجنوب. وعندما سقطت مملكة العمونيين التي كانت عاصمتها عمّان، انكشف هذا الممر. لم يعد هناك سور يحميه. فأصبح من يومها - ولمئات السنين - طريق الجيوش، طريق الغزاة القادمين من الشرق لضرب الشام ومصر.
1- الآشوريون: أول من داس الوادي بحديد الجنازير
عندما صعد الآشوريون من العراق، كانت دمشق هي العقبة الكبرى أمامهم. دمشق كانت مملكة آرامية قوية تسيطر على جنوب الشام.
يقول التاريخ أن الملك الآشوري العظيم تغلاث فلاسر الثالث سنة 732 ق.م سحق دمشق وقتل ملكها رصين وسبى أهلها. كيف وصل إليها؟
لم يكن هناك طريق غير طريق الملك القديم الذي يمر بمحاذاة وادي الزرقاء. جيش آشور الجرار، بعرباته وآلاف جنوده، كان ينزل من ربة عمون (عمّان) إلى وادي الزرقاء، يشرب من نهرها، ثم يصعد إلى حوران ليحاصر دمشق من الجنوب.
لهذا كان وادي الزرقاء شريان إمداد. كل حصار لدمشق مرّ من هنا. المؤرخون يقولون: "من يملك الزرقاء، يملك مفتاح حصار دمشق".
2- البابليون: نبوخذنصر يعبر الوادي إلى مصر
بعد أن سقطت آشور، جاء دور أشدّ وأقسى: نبوخذنصر الثاني، ملك بابل العظيم، باني الجنائن المعلقة.
نبوخذنصر لم يكن يريد دمشق فقط، كان يريد مصر. وفي سنة 605 ق.م انتصر في معركة كركميش على المصريين، وأصبح سيد الشام كله.
في طريقه لمعاقبة مصر، كان لا بد أن يعبر من هنا. عبر وادي الزرقاء - يبوق القديم - بجيوشه. تخيل المشهد: آلاف الجنود البابليين بلباسهم المميز، وخيولهم، يقطعون الوادي الضيق متجهين جنوباً ثم غرباً نحو غزة وسيناء.
هو لم يستقر في الزرقاء، هو عبرها. لكن عبوره ترك رعباً في الذاكرة. فقد كان البابليون معروفين بأنهم لا يدمرون المدن التي تستسلم، بل يفرضون الجزية، ومن يتمرد يسحق. والزرقاء كانت تشهد كل ذلك وهي صامتة.
3- الفرس الأخمينيون: من طريق حرب إلى طريق بريد
جاء الفرس وغيروا اللعبة تماماً. لم يعودوا يريدون الزرقاء كطريق حرب فقط، بل كطريق إدارة.
الملك الفارسي العظيم داريوس الأول في القرن الخامس قبل الميلاد بنى أعظم إنجاز في العالم القديم: الطريق الملكي الفارسي. طريق طوله 2700 كيلومتر يربط بين شوش في إيران وسارد في تركيا، وله فرع أسطوري يربط بابل بمصر.
هذا الفرع كان يمر من الزرقاء.
الفرس فعلوا شيئاً لم يفعله أحد قبلهم:
جعلوا الزرقاء محطة بريد ملكي. ماذا يعني هذا؟
كان عندهم نظام اسمه البيريدازيش - الرسل السريعون. المؤرخ هيرودوت قال عنهم: "لا ثلج ولا مطر ولا حرارة ولا ظلام الليل يمنعهم من إنجاز مهمتهم بأقصى سرعة".
كل 20-25 كيلومتر كان هناك خان ومحطة فيها خيول جديدة ورسول جديد. الرسالة تخرج من بابل وتصل مصر في 7 أيام فقط! وهذا رقم خيالي في ذلك الزمن.
وكانت الزرقاء إحدى هذه المحطات.
والدليل المادي موجود حتى اليوم: تل البيرة في الزرقاء. التنقيبات فيه وجدت فخار فارسي وأختام إدارية أخمينية، تثبت أن المكان لم يكن قرية عابرة، بل كان مركزاً إدارياً وبريدياً تابعاً للإمبراطورية الفارسية.
باختصار، تحولت الزرقاء في العهد الفارسي من ساحة تعبرها الجيوش وتشرب من مائها، إلى عقدة مواصلات منظمة، تربط الشرق بالغرب، وبابل بمصر.
منذ ذلك اليوم، وإلى اليوم، بقي قدر الزرقاء نفسه: ليست مدينة معزولة، بل هي الطريق نفسه.
1- الآشوريون: أول من داس الوادي بحديد الجنازير
عندما صعد الآشوريون من العراق، كانت دمشق هي العقبة الكبرى أمامهم. دمشق كانت مملكة آرامية قوية تسيطر على جنوب الشام.
يقول التاريخ أن الملك الآشوري العظيم تغلاث فلاسر الثالث سنة 732 ق.م سحق دمشق وقتل ملكها رصين وسبى أهلها. كيف وصل إليها؟
لم يكن هناك طريق غير طريق الملك القديم الذي يمر بمحاذاة وادي الزرقاء. جيش آشور الجرار، بعرباته وآلاف جنوده، كان ينزل من ربة عمون (عمّان) إلى وادي الزرقاء، يشرب من نهرها، ثم يصعد إلى حوران ليحاصر دمشق من الجنوب.
لهذا كان وادي الزرقاء شريان إمداد. كل حصار لدمشق مرّ من هنا. المؤرخون يقولون: "من يملك الزرقاء، يملك مفتاح حصار دمشق".
2- البابليون: نبوخذنصر يعبر الوادي إلى مصر
بعد أن سقطت آشور، جاء دور أشدّ وأقسى: نبوخذنصر الثاني، ملك بابل العظيم، باني الجنائن المعلقة.
نبوخذنصر لم يكن يريد دمشق فقط، كان يريد مصر. وفي سنة 605 ق.م انتصر في معركة كركميش على المصريين، وأصبح سيد الشام كله.
في طريقه لمعاقبة مصر، كان لا بد أن يعبر من هنا. عبر وادي الزرقاء - يبوق القديم - بجيوشه. تخيل المشهد: آلاف الجنود البابليين بلباسهم المميز، وخيولهم، يقطعون الوادي الضيق متجهين جنوباً ثم غرباً نحو غزة وسيناء.
هو لم يستقر في الزرقاء، هو عبرها. لكن عبوره ترك رعباً في الذاكرة. فقد كان البابليون معروفين بأنهم لا يدمرون المدن التي تستسلم، بل يفرضون الجزية، ومن يتمرد يسحق. والزرقاء كانت تشهد كل ذلك وهي صامتة.
3- الفرس الأخمينيون: من طريق حرب إلى طريق بريد
جاء الفرس وغيروا اللعبة تماماً. لم يعودوا يريدون الزرقاء كطريق حرب فقط، بل كطريق إدارة.
الملك الفارسي العظيم داريوس الأول في القرن الخامس قبل الميلاد بنى أعظم إنجاز في العالم القديم: الطريق الملكي الفارسي. طريق طوله 2700 كيلومتر يربط بين شوش في إيران وسارد في تركيا، وله فرع أسطوري يربط بابل بمصر.
هذا الفرع كان يمر من الزرقاء.
الفرس فعلوا شيئاً لم يفعله أحد قبلهم:
جعلوا الزرقاء محطة بريد ملكي. ماذا يعني هذا؟
كان عندهم نظام اسمه البيريدازيش - الرسل السريعون. المؤرخ هيرودوت قال عنهم: "لا ثلج ولا مطر ولا حرارة ولا ظلام الليل يمنعهم من إنجاز مهمتهم بأقصى سرعة".
كل 20-25 كيلومتر كان هناك خان ومحطة فيها خيول جديدة ورسول جديد. الرسالة تخرج من بابل وتصل مصر في 7 أيام فقط! وهذا رقم خيالي في ذلك الزمن.
وكانت الزرقاء إحدى هذه المحطات.
والدليل المادي موجود حتى اليوم: تل البيرة في الزرقاء. التنقيبات فيه وجدت فخار فارسي وأختام إدارية أخمينية، تثبت أن المكان لم يكن قرية عابرة، بل كان مركزاً إدارياً وبريدياً تابعاً للإمبراطورية الفارسية.
باختصار، تحولت الزرقاء في العهد الفارسي من ساحة تعبرها الجيوش وتشرب من مائها، إلى عقدة مواصلات منظمة، تربط الشرق بالغرب، وبابل بمصر.
منذ ذلك اليوم، وإلى اليوم، بقي قدر الزرقاء نفسه: ليست مدينة معزولة، بل هي الطريق نفسه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 22:29