فرنسا بين الهجرة وأجنحة الإسلام السياسي: من أزمة الاندماج إلى اختبار سيادة الدولة

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 18:17
أخطأت فرنسا حين تعاملت طويلاً مع الهجرة باعتبارها ملفاً اجتماعياً واقتصادياً يمكن إدارته بالسكن والعمل والتعليم، من دون أن تمنح الأبعاد السياسية والهووية الاهتمام نفسه. فالهجرة لا تنقل الأفراد وحدهم، بل تنتقل معها ثقافات وتجارب سياسية وانتماءات فكرية وصراعات نشأت في مجتمعات مختلفة. وهذه حقيقة لا تجعل المهاجر موضع اتهام، لكنها تفرض على الدولة أن تفهم طبيعة التحولات التي تحدث داخل مجتمعها، وألا تخلط بين احترام التعددية والتغاضي عن محاولات إقامة سلطات اجتماعية موازية للقانون.

والمسألة الأكثر حساسية أن بعض أجنحة الإسلام السياسي تنظر إلى المجتمعات الأوروبية باعتبارها فضاءً يمكن العمل داخله من خلال المؤسسات المدنية والجمعيات والشبكات الاجتماعية، وليس بالضرورة من خلال الأحزاب السياسية المباشرة. فالنفوذ هنا لا يُقاس بعدد المقاعد البرلمانية، وإنما بالقدرة على التأثير في الخطاب الديني، والتمثيل المجتمعي، والعلاقة مع السلطات المحلية. لكن وجود مؤسسة إسلامية أو جمعية للمهاجرين لا يشكل بذاته دليلاً على انتمائها إلى مشروع سياسي منظم؛ فذلك يحتاج إلى إثبات روابط وأفعال محددة.

وأرى أن الخلل يبدأ عندما تفشل الدولة في التمييز بين المهاجر الذي يسعى إلى بناء حياة مستقرة داخل المجتمع الفرنسي، والتنظيم الأيديولوجي الذي يسعى إلى توظيف بعض مشكلات الاندماج لتوسيع نفوذه. فالأول صاحب حقوق وواجبات، أما الثاني فهو فاعل سياسي ينبغي تقييم نشاطه وفق القانون، بصرف النظر عن مرجعيته الدينية. والخلط بينهما لا يضعف العدالة فحسب، بل قد يمنح التنظيمات الأكثر تشدداً فرصة لاحتكار الحديث باسم فئات واسعة لا تمثلها بالضرورة.

وهنا تحديداً تبرز مسألة أجنحة الإسلام السياسي. فليست جميع الحركات ذات المرجعية الإسلامية متشابهة في أهدافها أو وسائلها. بعضها يعمل سياسياً بصورة علنية، وبعضها يركز على النشاط الدعوي والاجتماعي، فيما تتبنى جماعات أخرى العنف أو تبرره. والخطأ التحليلي هو التعامل معها كتنظيم واحد، كما أن الخطأ المقابل هو تجاهل احتمالات وجود علاقات فكرية أو تنظيمية أو مالية بين مؤسسات تبدو مستقلة.

وقد أعاد التقرير الرسمي الفرنسي الصادر في أيار 2025 هذه القضية إلى الواجهة، عندما حذر من استراتيجية تأثير محلية نسبها إلى شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، عبر مؤسسات دينية وتعليمية وجمعيات أهلية. غير أن التقرير نفسه لم يقدم دليلاً حديثاً على سعي جمعية «مسلمو فرنسا» إلى إقامة دولة إسلامية أو فرض الشريعة. وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن التقدير الأمني لا يتحول تلقائياً إلى حقيقة قضائية، ولا يجوز أن تصبح الصلة الفكرية بديلاً عن إثبات المسؤولية القانونية.

ما يستحق القراءة الأعمق هو العلاقة بين أزمات الاندماج وقدرة التنظيمات الأيديولوجية على استثمارها. فالمهاجر الذي يواجه صعوبة في العمل أو التعليم أو الحصول على فرص متكافئة قد يبحث عن شبكات اجتماعية توفر له المساندة والانتماء. وهذه حاجة إنسانية طبيعية. لكن التنظيم السياسي الذي يستغل هذه الحاجة يستطيع، في بعض الحالات، تحويل العلاقة الخدمية إلى ولاء سياسي، والتمثيل الاجتماعي إلى قدرة على التفاوض باسم جماعة أوسع.

وهذا لا يعني أن المهاجرين يشكلون قاعدة تلقائية للإسلام السياسي. فالمجتمعات المسلمة في فرنسا شديدة التنوع، وتضم مواطنين فرنسيين منذ أجيال، ومهاجرين حديثين، وعلمانيين ومحافظين، وأفراداً لا يرتبطون بأي نشاط سياسي أو ديني منظم. بل إن اختزالهم في كتلة واحدة يخدم من يسعى إلى احتكار تمثيلهم أكثر مما يخدم الدولة الفرنسية.

ومن الناحية السياسية، أرى أن أحد أخطر أوجه المسألة هو انتقال التنافس من المجال الوطني إلى المستوى البلدي. فالنفوذ المحلي قد يكون أكثر استدامة من الحضور الحزبي العلني؛ لأن علاقته بالمجتمع تقوم على احتياجات يومية ومؤسسات قائمة. وعندما تتحول جمعية أو مؤسسة إلى وسيط دائم بين السكان والسلطات، تبرز ضرورة السؤال عن مصادر تمويلها، وطبيعة إدارتها، ومدى استقلال قرارها. وهي أسئلة يجب أن تُطرح على جميع المؤسسات التي تمارس نفوذاً عاماً، لا على المؤسسات الإسلامية وحدها.

ولذلك اكتسب مشروع القانون الفرنسي لمكافحة ما يسمى "التغلغل الإسلامي" أهمية خاصة. فقد أقره مجلس الشيوخ في 5 أيار 2026 وأحاله إلى الجمعية الوطنية، مستهدفاً تعزيز الوسائل القانونية لمواجهة محاولات التأثير المنظم في التعليم والرياضة والعمل الجمعياتي. ومع ذلك، رأت لجنة القوانين في مجلس الشيوخ أن بعض الصياغات المقترحة كانت واسعة إلى درجة قد تشمل جهات معارضة تحترم مبادئ الجمهورية، وهو ما دفعها إلى تعديلها.

وهنا أصل إلى المسألة التي أعتبرها جوهر الصراع الفرنسي: لا يمكن معالجة إخفاقات سياسة الهجرة بتوسيع مفهوم الخطر الأمني، كما لا يمكن حماية التعددية بالسماح لأي تنظيم بفرض قواعده على المواطنين خارج إطار القانون.

إن فرنسا بحاجة إلى سياسة تميز بين ثلاثة مستويات مترابطة: تنظيم الهجرة وفق احتياجات الدولة وقدرتها على الاستيعاب، وضمان اندماج القادمين الجدد في المؤسسات والقواعد المدنية المشتركة، ومحاسبة التنظيمات التي تثبت ممارستها نشاطاً غير مشروع، أياً كانت مرجعيتها. والخلط بين هذه المستويات يجعل المهاجر يدفع ثمن تصرفات تنظيم لا ينتمي إليه، ويمنح التنظيم فرصة للاختباء خلف مظالم حقيقية أو متصورة.

ولعل أكثر ما ينبغي أن يقلق باريس ليس وجود تيارات إسلامية سياسية داخل مجتمع ديمقراطي، وإنما احتمال نشوء مناطق نفوذ اجتماعي تصبح فيها سلطة الجماعة أقوى من قدرة الفرد على ممارسة حقوقه بحرية. فإذا تعرض شخص لضغط بسبب معتقده أو اختياراته الشخصية أو رفضه الامتثال لتوجيهات دينية أو سياسية، فإن حماية حريته تصبح مسؤولية مباشرة للدولة. وهذا المبدأ لا يتعلق بالإسلام وحده، بل بكل سلطة اجتماعية تسعى إلى فرض وصايتها على الأفراد.

أما تحويل كل مظاهر التدين المحافظ إلى دليل على مشروع سياسي، فلن يوفر لفرنسا فهماً أدق للتهديدات. على العكس، سيجعل المؤسسات أقل قدرة على التمييز بين المخالفات الفعلية والممارسات المشروعة، وقد يدفع النقاش نحو مواجهة هووية لا تنتهي.

في تقديري، لا تبدأ أزمة الدولة عندما يدخل المهاجر حدودها، بل عندما تعجز مؤسساتها عن ضمان أن يبقى القانون المرجعية المشتركة للجميع. ولا تكمن قوة التنظيم السياسي في عدد من يتحدث باسمهم، وإنما في المساحة التي يستطيع أن ينتزعها من سلطة المؤسسات ومن حرية الأفراد.

فرنسا ليست مطالبة بأن تختار بين حماية المهاجرين وحماية جمهوريتها. فالمسؤوليتان متلازمتان. أما الامتحان الحقيقي، فهو قدرتها على مواجهة أي مشروع يثبت سعيه إلى فرض سلطة موازية، من دون تحويل ملايين المواطنين والمقيمين إلى متهمين بسبب أصولهم أو دينهم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 18:17