النظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية بين تطوير العدالة الرقمية وضمانات المحاكمة العادلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 14:21
مدار الساعة - إعداد: مركز إحقاق للدراسات القانونية -يمثل تطوير التشريعات الناظمة لاستخدام الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية أحد المتطلبات الأساسية لتحديث منظومة العدالة، لا سيما في ظل التحول الرقمي الذي تشهده الإدارة العامة، وما يفرضه من ضرورة إعادة النظر في وسائل تقديم الخدمات القضائية وإدارة الدعاوى وتبادل المستندات وإجراء التبليغات وعقد الجلسات.
وفي هذا السياق، جاء النظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم (79) لسنة 2026، تعديلاً للنظام الأصلي رقم (95) لسنة 2018، متضمناً مجموعة من الأحكام التي توسع نطاق استخدام التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، وتعيد تنظيم بعض متطلبات إيداع المستندات التنفيذية، وتستحدث عنوان البريد الرقمي، وتقرر حجية قانونية للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل.
وإذ يرحب مركز إحقاق للدراسات القانونية بالاتجاه نحو تحديث الإجراءات القضائية وتوظيف التكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى العدالة، فإنه يرى أن تقييم هذا التعديل لا ينبغي أن يقتصر على قياس مدى إدخال الوسائل الرقمية إلى العمل القضائي، وإنما يجب أن يمتد إلى بحث مدى إسهامه في تسريع الفصل في الدعاوى، وخفض الكلفة الإجرائية، وتعزيز موثوقية التبليغات، وضمان حقوق الدفاع، وصون سرية البيانات القضائية.
وانطلاقاً من ذلك، يقدم المركز هذه المطالعة القانونية لبيان أبرز مستجدات النظام المعدل، وتحديد قيمتها المضافة، واستعراض المسائل التي تستحق مزيداً من التنظيم والمعالجة.
أولاً: استحداث عنوان البريد الرقمي وأثره في التبليغات القضائية:
استحدث النظام المعدل تعريفاً لعنوان البريد الرقمي باعتباره عنواناً رقمياً مخصصاً للشخص ومرتبطاً بهويته الرقمية المثبتة على التطبيقات الإلكترونية المعتمدة من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ويستخدم لتلقي التبليغات والإشعارات الإلكترونية ومرفقاتها وفقاً لأحكام القانون والنظام.
كما أضاف عنوان البريد الرقمي إلى وسائل التبليغ القضائي المعتمدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز موثوقية تحديد المخاطب بالتبليغ وتطوير وسائل التواصل بين المحاكم وأطراف الدعاوى.
ويرى المركز أن هذه الإضافة تمثل قيمة مضافة مهمة، بالنظر إلى أن ربط العنوان الرقمي بالهوية الرقمية يمكن أن يسهم في الحد من الأخطاء المتعلقة بتحديد هوية المرسل إليه، وتعزيز موثوقية بيانات التبليغ، وتقليل الاعتماد على وسائل اتصال قد تتغير أو يصعب التحقق من ارتباطها بالشخص المعني.
غير أن نجاح هذه الوسيلة يتطلب تنظيماً واضحاً لآليات إنشاء العنوان الرقمي وتفعيله وتحديثه، والتحقق من استمرار ارتباطه بصاحبه، وتوثيق إرسال التبليغات وإتاحتها، ومعالجة حالات تعذر الدخول إلى العنوان أو وقوع الأعطال التقنية.
وفي هذا الصدد، فإن مجرد تسجيل إرسال التبليغ في النظام الإلكتروني لا ينبغي أن يحول دون التحقق من المنازعات الجدية المتعلقة بصحة الإجراء أو إمكان الوصول إلى محتواه، وفقاً للقواعد القانونية واجبة التطبيق.
ومن ثم، يوصي المركز بأن تتضمن التعليمات التنفيذية ضمانات واضحة تحدد الأدلة الإلكترونية المعتمدة لإثبات التبليغ، وآلية التعامل مع الأعطال التقنية، وأثرها في المواعيد الإجرائية، بما يمنع أن يتحول التطور التقني إلى سبب للمساس بحق الدفاع أو ترتيب آثار إجرائية على شخص لم تتح له فرصة حقيقية لممارسة حقوقه.
ثانياً: تخفيف متطلبات تقديم أصول المستندات:
من أبرز التعديلات التي تضمنها النظام المعدل إعادة تنظيم أحكام إيداع السندات التنفيذية، وإلغاء الحكم الوارد في النظام الأصلي الذي كان يلزم أطراف الدعوى بتقديم أصول الأوراق المودعة إلكترونياً إلى المحكمة عند أول جلسة تلي الإجراء، تحت طائلة بطلان ذلك الإجراء.
كما أجاز النظام المعدل لرئيس التنفيذ إعفاء المؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة من تقديم أصول السندات التنفيذية في الحالات المحددة فيه، شريطة إرفاق شهادة تتضمن الإقرار بمطابقة الصورة للأصل، ووجود الأصل لدى الجهة، والتعهد بتسليمه عند الطلب أو عند انتهاء التنفيذ.
ويرى المركز أن هذا التعديل يعالج جانباً مهماً من الأعباء الإجرائية المرتبطة بالمعاملات الورقية، ويحد من احتمالات تعطيل الإجراءات بسبب عدم تقديم الأصل في الموعد المحدد، كما يتيح الاستفادة من الرقمنة في تقليل تداول المستندات المادية.
ومع ذلك، فإن تخفيف متطلبات تقديم الأصول لا يعني الاستغناء عن التحقق من صحة المستندات عند قيام منازعة جدية بشأنها. فالموازنة المطلوبة هي بين تسهيل الإجراءات والمحافظة على موثوقية المستندات التي تستند إليها المطالبات القضائية والتنفيذية.
كما يرى المركز أن قصر الإعفاء الخاص بتقديم الأصول على المؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة، وفقاً للنص المعدل، يستدعي دراسة مدى الحاجة إلى وضع معايير موضوعية يمكن تطبيقها على فئات أخرى من الجهات، متى توافرت ضمانات كافية للتحقق من صحة المستندات وحفظ أصولها، دون الإخلال بمتطلبات التنفيذ أو حقوق أطرافه.
ثالثاً: توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية:
يمثل تعديل المادة (9) من النظام الأصلي أحد أبرز التحولات التي جاء بها النظام المعدل.
فبعد أن كان النظام الأصلي ينظم سماع الشهود باستخدام الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة ضمن حالات محددة، أجاز النظام المعدل للمحكمة أن تقرر، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد أطراف الدعوى، عقد جلسات المحاكمة أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات الدعوى باستعمال الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة المعتمدة من وزارة العدل.
كما قرر أن تكون لهذه الجلسات والإجراءات الآثار القانونية ذاتها المترتبة على الحضور الوجاهي، مع إلزام المحكمة بالتحقق من شخصية الأشخاص الذين تستمع إليهم، والتثبت من عدم وجود مؤثرات على إرادتهم، والتحقق من فاعلية الوسائل الإلكترونية، وتدوين وسائل التحقق المستخدمة في محضر الجلسة الإلكتروني، وحفظ السجلات والوثائق والمحاضر والأحكام بما يضمن سلامتها وإمكان الرجوع إليها.
ويعتبر المركز أن توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية يمثل قيمة مضافة جوهرية، لما يمكن أن يحققه من تقليل نفقات الانتقال، والحد من التأجيلات المرتبطة بالحضور، وتسهيل مشاركة الأشخاص الذين يتعذر عليهم الوصول إلى المحكمة، وتعزيز استمرارية العمل القضائي.
إلا أن توسيع نطاق السلطة التقديرية للمحكمة في استخدام هذه الوسائل يقتضي، في المقابل، توفير ضمانات كافية تضمن عدم تأثر حقوق الخصوم بطبيعة الوسيلة المستخدمة.
فالمحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد تمكين الشخص من الظهور على الشاشة، وإنما تتطلب ضمان قدرته على متابعة إجراءات الدعوى، والتواصل الفعال مع محاميه، ومناقشة البينات والشهادات، وممارسة حقوقه الإجرائية دون عوائق تقنية أو واقعية.
كما أن التحقق من هوية الشاهد ومشاهدة المكان الموجود فيه لا يكفيان، في جميع الأحوال، لضمان عدم تعرضه للتلقين أو التأثير الخارجي، الأمر الذي يستدعي وضع ضوابط عملية تمكّن المحكمة من التحقق من ظروف أداء الشهادة بحسب طبيعة القضية والإجراء.
وبناءً عليه، يوصي المركز بوضع معايير إجرائية واضحة لاستخدام المحاكمة عن بُعد، تتيح للمحكمة تقدير مدى ملاءمتها لطبيعة الدعوى، وتضمن معالجة الاعتراضات الجدية على استخدامها، وتوفر بديلاً مناسباً عند تعذر المشاركة الإلكترونية أو تأثيرها في ممارسة حقوق الدفاع.
رابعاً: الحجية القانونية للسجلات والمستندات الإلكترونية:
استحدث النظام المعدل مادة جديدة تقضي بالمحافظة على أمن البيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية وسريتها وفقاً للتشريعات ذات العلاقة، كما قررت أن تكون للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من خلال أنظمة وزارة العدل الإلكترونية الحجية القانونية ذاتها المقررة للمحررات الخطية.
ويمثل هذا الحكم خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة في البيئة القضائية الرقمية، وتوفير أساس قانوني أوضح للاعتماد على السجلات والمستندات الإلكترونية في الإجراءات القضائية، والحد من الحاجة إلى تحويلها إلى مستندات ورقية لمجرد الاستناد إليها.
غير أن المركز يؤكد ضرورة التمييز بين الحجية القانونية للمستند الإلكتروني وبين صحة مضمونه وسلامة مصدره وإمكان نسبته إلى الشخص المعني به.
فمنح المستند الإلكتروني الحجية القانونية لا ينبغي أن يفهم على أنه حصانة مطلقة من الطعن، أو إعفاء من التحقق من أصالته وسلامته، أو منع للخصوم من مناقشة البيانات التي يتضمنها وفقاً للقواعد القانونية واجبة التطبيق.
وتزداد أهمية ذلك في ظل احتمالات الخطأ التقني أو التعديل غير المشروع أو فقدان البيانات أو تعذر التحقق من مصدر المستند.
وعليه، يرى المركز أهمية تعزيز الضمانات الفنية المصاحبة لهذه الحجية، من خلال توثيق مصدر السجلات وتاريخ إنشائها واستخراجها، وضمان سلامتها من التعديل غير المصرح به، وتوفير سجل إلكتروني للعمليات التي تجرى عليها، وتمكين المحكمة من التحقق من أصالتها عند قيام منازعة جدية بشأنها.
كما ينبغي مراعاة نطاق الحكم الذي أورده النظام المعدل، إذ ربط الحجية المقررة فيه بالبيانات والمستندات والسجلات المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل الإلكترونية، دون أن يعني ذلك أن جميع البيانات الإلكترونية الصادرة عن أي جهة تتمتع تلقائياً بالحكم ذاته بموجب هذه المادة.
خامساً: الربط البيني وتطوير التحقق من البيانات:
وسع النظام المعدل وسائل التحقق من صحة عناوين أطراف الدعاوى والطلبات والشهود، ومن صحة إجراءات التبليغ القضائي، من خلال الاستفادة من أنظمة وزارة العدل الإلكترونية والربط البيني مع قواعد بيانات الجهات الرسمية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، إلى جانب اعتماد عنوان البريد الرقمي.
ويرى المركز أن هذا التوجه يمكن أن يعزز دقة البيانات المستخدمة في الإجراءات القضائية، ويحد من الاعتماد على المعلومات المقدمة من الأطراف وحدها، ويساعد في تقليل الأخطاء المرتبطة بالعناوين والبيانات التي تؤثر في صحة التبليغات وسلامة الإجراءات.
لكن التوسع في الربط الإلكتروني يقتضي تحديد نطاق الوصول إلى البيانات وصلاحيات الاطلاع عليها، وتوثيق عمليات الاستعلام، وضمان اقتصار استخدامها على الأغراض المشروعة المرتبطة بالإجراءات القضائية.
فكفاءة التحقق الإلكتروني ينبغي ألا تتحقق على حساب حماية البيانات الشخصية أو توسيع الاطلاع عليها دون ضرورة قانونية.
ومن هنا، فإن المركز يدعو إلى أن يقترن تطوير الربط البيني بضوابط واضحة لحوكمة البيانات، وتحديد المسؤوليات عن الوصول غير المصرح به أو إساءة الاستخدام، وتطبيق التدابير الفنية والتنظيمية اللازمة لحماية المعلومات المتبادلة.
سادساً: الأمن السيبراني وحماية البيانات القضائية:
أدخل النظام المعدل رئيس وحدة الأمن السيبراني ضمن عضوية اللجنة المختصة بالوسائل الإلكترونية في وزارة العدل، إلى جانب إعادة تشكيل اللجنة برئاسة أمين عام الوزارة للشؤون القضائية، وإدراج مديرية التخطيط وتطوير الأداء المؤسسي ووحدة الاتصال مع شركات ومنصات التواصل الاجتماعي ضمن تشكيلها.
ويعكس هذا التعديل إدراكاً لأهمية الجوانب التقنية والمؤسسية في إدارة الإجراءات القضائية الإلكترونية، وعدم اقتصار المسألة على توفير التطبيقات والأنظمة وحدها.
ومع ذلك، فإن إدراج الأمن السيبراني ضمن التشكيل الإداري لا يغني عن وضع التزامات تشغيلية واضحة تتعلق بحماية الملفات القضائية، وتحديد صلاحيات المستخدمين، ومراقبة الدخول إلى الأنظمة، والنسخ الاحتياطي، واستعادة البيانات، والتعامل مع الاختراقات والحوادث التقنية.
كما أن حذف عبارة «مرة كل ثلاثة أشهر و» من حكم اجتماعات اللجنة في النظام الأصلي يستدعي الانتباه إلى ضرورة ضمان استمرار المتابعة المؤسسية وعدم ترك دورية الاجتماعات والتقييم دون آلية كافية تضمن انتظامها.
ويرى المركز أهمية ربط عمل اللجنة بمؤشرات أداء واضحة، وإعداد تقارير دورية عن كفاءة الأنظمة الإلكترونية ومواطن الخلل والمخاطر التقنية، ومدى الالتزام بضوابط حماية البيانات، مع مراعاة السرية التي تقتضيها طبيعة الملفات القضائية.
سابعاً: القيمة المضافة للتعديل وحدودها:
من خلال المقارنة بين النظام الأصلي رقم (95) لسنة 2018 والنظام المعدل رقم (79) لسنة 2026، يخلص المركز إلى أن التعديل يتضمن قيمة مضافة حقيقية في عدد من الجوانب، أهمها:
1. توسيع نطاق الإجراءات الإلكترونية: من تنظيم بعض الإجراءات المحددة إلى إتاحة عقد جلسات المحاكمة واتخاذ إجراءات الدعوى عن بُعد ضمن نطاق أوسع.
2. تطوير منظومة التبليغ القضائي: من خلال استحداث عنوان البريد الرقمي المرتبط بالهوية الرقمية، وتعزيز وسائل التحقق من صحة العناوين والإجراءات.
3. تخفيف الأعباء الورقية: عبر إعادة تنظيم متطلبات تقديم الأصول وإلغاء الحكم الذي كان يرتب البطلان على عدم تقديمها في الموعد المحدد وفق النظام الأصلي.
4. تعزيز الحجية القانونية للسجلات الرقمية: بإقرار الحجية القانونية للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل.
5. تطوير الحوكمة التقنية: من خلال إدخال اختصاصات الأمن السيبراني والتخطيط وتطوير الأداء المؤسسي ضمن اللجنة المختصة.
ومع ذلك، فإن القيمة المضافة التشريعية لا تقاس بعدد الأحكام المستحدثة أو الوسائل الإلكترونية المعتمدة فحسب، وإنما بمدى انعكاسها على جودة العدالة وسرعة الفصل في الدعاوى وتيسير الوصول إلى القضاء وضمان الحقوق الإجرائية.
وفي هذا الإطار، يلاحظ المركز أن النص المعدل لم يحدد، بذاته، مؤشرات كمية لقياس أثر هذه التعديلات، كما لم يفصل في جميع المسائل المتعلقة بالأعطال التقنية، وضمانات الوصول الفعلي إلى التبليغات، ومعايير اختيار المحاكمة الإلكترونية، والضمانات الفنية اللازمة للتحقق من سلامة السجلات الرقمية.
ولا يعني ذلك أن هذه المسائل تخلو من أي تنظيم في التشريعات الأخرى، وإنما يعني أن النظام المعدل، وفق النص محل الدراسة، لا يتضمن تفصيلاً كاملاً لها.
ثامناً: توصيات مركز إحقاق للدراسات القانونية:
بناءً على ما تقدم، يوصي المركز بما يلي:
أولاً: إصدار تعليمات تنفيذية واضحة لتنظيم عنوان البريد الرقمي، وآليات تفعيله وتحديثه والتحقق من ارتباطه بصاحبه، وتحديد الأدلة المعتمدة لإثبات إجراء التبليغ ومعالجة حالات تعذر الوصول إليه.
ثانياً: وضع ضوابط لاستخدام المحاكمة عن بُعد، تراعي طبيعة الدعوى والإجراء، وتضمن حق الدفاع والمناقشة الفعالة للبينات والشهادات، وتتيح معالجة الاعتراضات الجدية على استخدام الوسائل الإلكترونية.
ثالثاً: تطوير قواعد التحقق من أصالة السجلات والمستندات الإلكترونية وسلامتها، وضمان إمكان مراجعتها والطعن فيها وفقاً للقواعد القانونية ذات العلاقة.
رابعاً: تعزيز الحماية التقنية للبيانات القضائية، وتحديد صلاحيات الوصول إليها، ووضع إجراءات للتعامل مع حوادث الاختراق أو الفقد أو التعطل، وضمان استمرارية العمل القضائي واستعادة البيانات.
خامساً: اعتماد مؤشرات أداء لقياس أثر النظام المعدل، تشمل مدة التقاضي، وكلفة الإجراءات، ونسب نجاح التبليغات، والتأجيلات الناتجة عن الأعطال التقنية، والشكاوى المتعلقة باستخدام الأنظمة الإلكترونية.
سادساً: ضمان انتظام المتابعة المؤسسية لعمل اللجنة المختصة بالوسائل الإلكترونية، وربط تقييم أدائها بمدى تحقيق أهداف التطوير الرقمي وتحسين جودة الخدمة القضائية.
سابعاً: مراعاة مبدأ المساواة في الوصول إلى العدالة، وتوفير البدائل المناسبة للأشخاص الذين يتعذر عليهم استخدام الوسائل الإلكترونية، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عائق أمام ممارسة الحقوق الإجرائية.
وفي الختام، يؤكد مركز إحقاق للدراسات القانونية أن النظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم (79) لسنة 2026 يمثل خطوة مهمة في مسار تحديث الإجراءات القضائية الأردنية، لما تضمنه من توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية، واستحداث عنوان البريد الرقمي، وتخفيف بعض المتطلبات الورقية، وتعزيز الحجية القانونية للسجلات الإلكترونية، وإدخال اعتبارات الأمن السيبراني ضمن منظومة الإشراف المؤسسي.
غير أن التحول إلى العدالة الرقمية لا يكتمل بمجرد رقمنة الإجراءات أو منح السجلات الإلكترونية حجية قانونية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تضمن موثوقية التبليغات، وسلامة الأدلة، وسرية البيانات، والمساواة بين الخصوم، وفاعلية حق الدفاع.
فالغاية النهائية من التطوير التشريعي والتقني ليست جعل القضاء أكثر اعتماداً على التكنولوجيا فحسب، وإنما جعل العدالة أكثر سرعة وكفاءة ويسراً، مع المحافظة على ضماناتها الأساسية.
ومن هنا، فإن نجاح النظام المعدل ينبغي أن يقاس بقدرته على تحقيق معادلة متوازنة بين كفاءة الإجراء الإلكتروني وضمانات المحاكمة العادلة؛ لأن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل وسيلة لخدمة العدالة وليست بديلاً عن مبادئها وضماناتها.
وفي هذا السياق، جاء النظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم (79) لسنة 2026، تعديلاً للنظام الأصلي رقم (95) لسنة 2018، متضمناً مجموعة من الأحكام التي توسع نطاق استخدام التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، وتعيد تنظيم بعض متطلبات إيداع المستندات التنفيذية، وتستحدث عنوان البريد الرقمي، وتقرر حجية قانونية للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل.
وإذ يرحب مركز إحقاق للدراسات القانونية بالاتجاه نحو تحديث الإجراءات القضائية وتوظيف التكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى العدالة، فإنه يرى أن تقييم هذا التعديل لا ينبغي أن يقتصر على قياس مدى إدخال الوسائل الرقمية إلى العمل القضائي، وإنما يجب أن يمتد إلى بحث مدى إسهامه في تسريع الفصل في الدعاوى، وخفض الكلفة الإجرائية، وتعزيز موثوقية التبليغات، وضمان حقوق الدفاع، وصون سرية البيانات القضائية.
وانطلاقاً من ذلك، يقدم المركز هذه المطالعة القانونية لبيان أبرز مستجدات النظام المعدل، وتحديد قيمتها المضافة، واستعراض المسائل التي تستحق مزيداً من التنظيم والمعالجة.
أولاً: استحداث عنوان البريد الرقمي وأثره في التبليغات القضائية:
استحدث النظام المعدل تعريفاً لعنوان البريد الرقمي باعتباره عنواناً رقمياً مخصصاً للشخص ومرتبطاً بهويته الرقمية المثبتة على التطبيقات الإلكترونية المعتمدة من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ويستخدم لتلقي التبليغات والإشعارات الإلكترونية ومرفقاتها وفقاً لأحكام القانون والنظام.
كما أضاف عنوان البريد الرقمي إلى وسائل التبليغ القضائي المعتمدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز موثوقية تحديد المخاطب بالتبليغ وتطوير وسائل التواصل بين المحاكم وأطراف الدعاوى.
ويرى المركز أن هذه الإضافة تمثل قيمة مضافة مهمة، بالنظر إلى أن ربط العنوان الرقمي بالهوية الرقمية يمكن أن يسهم في الحد من الأخطاء المتعلقة بتحديد هوية المرسل إليه، وتعزيز موثوقية بيانات التبليغ، وتقليل الاعتماد على وسائل اتصال قد تتغير أو يصعب التحقق من ارتباطها بالشخص المعني.
غير أن نجاح هذه الوسيلة يتطلب تنظيماً واضحاً لآليات إنشاء العنوان الرقمي وتفعيله وتحديثه، والتحقق من استمرار ارتباطه بصاحبه، وتوثيق إرسال التبليغات وإتاحتها، ومعالجة حالات تعذر الدخول إلى العنوان أو وقوع الأعطال التقنية.
وفي هذا الصدد، فإن مجرد تسجيل إرسال التبليغ في النظام الإلكتروني لا ينبغي أن يحول دون التحقق من المنازعات الجدية المتعلقة بصحة الإجراء أو إمكان الوصول إلى محتواه، وفقاً للقواعد القانونية واجبة التطبيق.
ومن ثم، يوصي المركز بأن تتضمن التعليمات التنفيذية ضمانات واضحة تحدد الأدلة الإلكترونية المعتمدة لإثبات التبليغ، وآلية التعامل مع الأعطال التقنية، وأثرها في المواعيد الإجرائية، بما يمنع أن يتحول التطور التقني إلى سبب للمساس بحق الدفاع أو ترتيب آثار إجرائية على شخص لم تتح له فرصة حقيقية لممارسة حقوقه.
ثانياً: تخفيف متطلبات تقديم أصول المستندات:
من أبرز التعديلات التي تضمنها النظام المعدل إعادة تنظيم أحكام إيداع السندات التنفيذية، وإلغاء الحكم الوارد في النظام الأصلي الذي كان يلزم أطراف الدعوى بتقديم أصول الأوراق المودعة إلكترونياً إلى المحكمة عند أول جلسة تلي الإجراء، تحت طائلة بطلان ذلك الإجراء.
كما أجاز النظام المعدل لرئيس التنفيذ إعفاء المؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة من تقديم أصول السندات التنفيذية في الحالات المحددة فيه، شريطة إرفاق شهادة تتضمن الإقرار بمطابقة الصورة للأصل، ووجود الأصل لدى الجهة، والتعهد بتسليمه عند الطلب أو عند انتهاء التنفيذ.
ويرى المركز أن هذا التعديل يعالج جانباً مهماً من الأعباء الإجرائية المرتبطة بالمعاملات الورقية، ويحد من احتمالات تعطيل الإجراءات بسبب عدم تقديم الأصل في الموعد المحدد، كما يتيح الاستفادة من الرقمنة في تقليل تداول المستندات المادية.
ومع ذلك، فإن تخفيف متطلبات تقديم الأصول لا يعني الاستغناء عن التحقق من صحة المستندات عند قيام منازعة جدية بشأنها. فالموازنة المطلوبة هي بين تسهيل الإجراءات والمحافظة على موثوقية المستندات التي تستند إليها المطالبات القضائية والتنفيذية.
كما يرى المركز أن قصر الإعفاء الخاص بتقديم الأصول على المؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة، وفقاً للنص المعدل، يستدعي دراسة مدى الحاجة إلى وضع معايير موضوعية يمكن تطبيقها على فئات أخرى من الجهات، متى توافرت ضمانات كافية للتحقق من صحة المستندات وحفظ أصولها، دون الإخلال بمتطلبات التنفيذ أو حقوق أطرافه.
ثالثاً: توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية:
يمثل تعديل المادة (9) من النظام الأصلي أحد أبرز التحولات التي جاء بها النظام المعدل.
فبعد أن كان النظام الأصلي ينظم سماع الشهود باستخدام الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة ضمن حالات محددة، أجاز النظام المعدل للمحكمة أن تقرر، من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب أحد أطراف الدعوى، عقد جلسات المحاكمة أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات الدعوى باستعمال الوسائل الإلكترونية المرئية والمسموعة المعتمدة من وزارة العدل.
كما قرر أن تكون لهذه الجلسات والإجراءات الآثار القانونية ذاتها المترتبة على الحضور الوجاهي، مع إلزام المحكمة بالتحقق من شخصية الأشخاص الذين تستمع إليهم، والتثبت من عدم وجود مؤثرات على إرادتهم، والتحقق من فاعلية الوسائل الإلكترونية، وتدوين وسائل التحقق المستخدمة في محضر الجلسة الإلكتروني، وحفظ السجلات والوثائق والمحاضر والأحكام بما يضمن سلامتها وإمكان الرجوع إليها.
ويعتبر المركز أن توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية يمثل قيمة مضافة جوهرية، لما يمكن أن يحققه من تقليل نفقات الانتقال، والحد من التأجيلات المرتبطة بالحضور، وتسهيل مشاركة الأشخاص الذين يتعذر عليهم الوصول إلى المحكمة، وتعزيز استمرارية العمل القضائي.
إلا أن توسيع نطاق السلطة التقديرية للمحكمة في استخدام هذه الوسائل يقتضي، في المقابل، توفير ضمانات كافية تضمن عدم تأثر حقوق الخصوم بطبيعة الوسيلة المستخدمة.
فالمحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد تمكين الشخص من الظهور على الشاشة، وإنما تتطلب ضمان قدرته على متابعة إجراءات الدعوى، والتواصل الفعال مع محاميه، ومناقشة البينات والشهادات، وممارسة حقوقه الإجرائية دون عوائق تقنية أو واقعية.
كما أن التحقق من هوية الشاهد ومشاهدة المكان الموجود فيه لا يكفيان، في جميع الأحوال، لضمان عدم تعرضه للتلقين أو التأثير الخارجي، الأمر الذي يستدعي وضع ضوابط عملية تمكّن المحكمة من التحقق من ظروف أداء الشهادة بحسب طبيعة القضية والإجراء.
وبناءً عليه، يوصي المركز بوضع معايير إجرائية واضحة لاستخدام المحاكمة عن بُعد، تتيح للمحكمة تقدير مدى ملاءمتها لطبيعة الدعوى، وتضمن معالجة الاعتراضات الجدية على استخدامها، وتوفر بديلاً مناسباً عند تعذر المشاركة الإلكترونية أو تأثيرها في ممارسة حقوق الدفاع.
رابعاً: الحجية القانونية للسجلات والمستندات الإلكترونية:
استحدث النظام المعدل مادة جديدة تقضي بالمحافظة على أمن البيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية وسريتها وفقاً للتشريعات ذات العلاقة، كما قررت أن تكون للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من خلال أنظمة وزارة العدل الإلكترونية الحجية القانونية ذاتها المقررة للمحررات الخطية.
ويمثل هذا الحكم خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة في البيئة القضائية الرقمية، وتوفير أساس قانوني أوضح للاعتماد على السجلات والمستندات الإلكترونية في الإجراءات القضائية، والحد من الحاجة إلى تحويلها إلى مستندات ورقية لمجرد الاستناد إليها.
غير أن المركز يؤكد ضرورة التمييز بين الحجية القانونية للمستند الإلكتروني وبين صحة مضمونه وسلامة مصدره وإمكان نسبته إلى الشخص المعني به.
فمنح المستند الإلكتروني الحجية القانونية لا ينبغي أن يفهم على أنه حصانة مطلقة من الطعن، أو إعفاء من التحقق من أصالته وسلامته، أو منع للخصوم من مناقشة البيانات التي يتضمنها وفقاً للقواعد القانونية واجبة التطبيق.
وتزداد أهمية ذلك في ظل احتمالات الخطأ التقني أو التعديل غير المشروع أو فقدان البيانات أو تعذر التحقق من مصدر المستند.
وعليه، يرى المركز أهمية تعزيز الضمانات الفنية المصاحبة لهذه الحجية، من خلال توثيق مصدر السجلات وتاريخ إنشائها واستخراجها، وضمان سلامتها من التعديل غير المصرح به، وتوفير سجل إلكتروني للعمليات التي تجرى عليها، وتمكين المحكمة من التحقق من أصالتها عند قيام منازعة جدية بشأنها.
كما ينبغي مراعاة نطاق الحكم الذي أورده النظام المعدل، إذ ربط الحجية المقررة فيه بالبيانات والمستندات والسجلات المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل الإلكترونية، دون أن يعني ذلك أن جميع البيانات الإلكترونية الصادرة عن أي جهة تتمتع تلقائياً بالحكم ذاته بموجب هذه المادة.
خامساً: الربط البيني وتطوير التحقق من البيانات:
وسع النظام المعدل وسائل التحقق من صحة عناوين أطراف الدعاوى والطلبات والشهود، ومن صحة إجراءات التبليغ القضائي، من خلال الاستفادة من أنظمة وزارة العدل الإلكترونية والربط البيني مع قواعد بيانات الجهات الرسمية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، إلى جانب اعتماد عنوان البريد الرقمي.
ويرى المركز أن هذا التوجه يمكن أن يعزز دقة البيانات المستخدمة في الإجراءات القضائية، ويحد من الاعتماد على المعلومات المقدمة من الأطراف وحدها، ويساعد في تقليل الأخطاء المرتبطة بالعناوين والبيانات التي تؤثر في صحة التبليغات وسلامة الإجراءات.
لكن التوسع في الربط الإلكتروني يقتضي تحديد نطاق الوصول إلى البيانات وصلاحيات الاطلاع عليها، وتوثيق عمليات الاستعلام، وضمان اقتصار استخدامها على الأغراض المشروعة المرتبطة بالإجراءات القضائية.
فكفاءة التحقق الإلكتروني ينبغي ألا تتحقق على حساب حماية البيانات الشخصية أو توسيع الاطلاع عليها دون ضرورة قانونية.
ومن هنا، فإن المركز يدعو إلى أن يقترن تطوير الربط البيني بضوابط واضحة لحوكمة البيانات، وتحديد المسؤوليات عن الوصول غير المصرح به أو إساءة الاستخدام، وتطبيق التدابير الفنية والتنظيمية اللازمة لحماية المعلومات المتبادلة.
سادساً: الأمن السيبراني وحماية البيانات القضائية:
أدخل النظام المعدل رئيس وحدة الأمن السيبراني ضمن عضوية اللجنة المختصة بالوسائل الإلكترونية في وزارة العدل، إلى جانب إعادة تشكيل اللجنة برئاسة أمين عام الوزارة للشؤون القضائية، وإدراج مديرية التخطيط وتطوير الأداء المؤسسي ووحدة الاتصال مع شركات ومنصات التواصل الاجتماعي ضمن تشكيلها.
ويعكس هذا التعديل إدراكاً لأهمية الجوانب التقنية والمؤسسية في إدارة الإجراءات القضائية الإلكترونية، وعدم اقتصار المسألة على توفير التطبيقات والأنظمة وحدها.
ومع ذلك، فإن إدراج الأمن السيبراني ضمن التشكيل الإداري لا يغني عن وضع التزامات تشغيلية واضحة تتعلق بحماية الملفات القضائية، وتحديد صلاحيات المستخدمين، ومراقبة الدخول إلى الأنظمة، والنسخ الاحتياطي، واستعادة البيانات، والتعامل مع الاختراقات والحوادث التقنية.
كما أن حذف عبارة «مرة كل ثلاثة أشهر و» من حكم اجتماعات اللجنة في النظام الأصلي يستدعي الانتباه إلى ضرورة ضمان استمرار المتابعة المؤسسية وعدم ترك دورية الاجتماعات والتقييم دون آلية كافية تضمن انتظامها.
ويرى المركز أهمية ربط عمل اللجنة بمؤشرات أداء واضحة، وإعداد تقارير دورية عن كفاءة الأنظمة الإلكترونية ومواطن الخلل والمخاطر التقنية، ومدى الالتزام بضوابط حماية البيانات، مع مراعاة السرية التي تقتضيها طبيعة الملفات القضائية.
سابعاً: القيمة المضافة للتعديل وحدودها:
من خلال المقارنة بين النظام الأصلي رقم (95) لسنة 2018 والنظام المعدل رقم (79) لسنة 2026، يخلص المركز إلى أن التعديل يتضمن قيمة مضافة حقيقية في عدد من الجوانب، أهمها:
1. توسيع نطاق الإجراءات الإلكترونية: من تنظيم بعض الإجراءات المحددة إلى إتاحة عقد جلسات المحاكمة واتخاذ إجراءات الدعوى عن بُعد ضمن نطاق أوسع.
2. تطوير منظومة التبليغ القضائي: من خلال استحداث عنوان البريد الرقمي المرتبط بالهوية الرقمية، وتعزيز وسائل التحقق من صحة العناوين والإجراءات.
3. تخفيف الأعباء الورقية: عبر إعادة تنظيم متطلبات تقديم الأصول وإلغاء الحكم الذي كان يرتب البطلان على عدم تقديمها في الموعد المحدد وفق النظام الأصلي.
4. تعزيز الحجية القانونية للسجلات الرقمية: بإقرار الحجية القانونية للبيانات والمستندات والسجلات الإلكترونية المحفوظة أو المستخرجة من أنظمة وزارة العدل.
5. تطوير الحوكمة التقنية: من خلال إدخال اختصاصات الأمن السيبراني والتخطيط وتطوير الأداء المؤسسي ضمن اللجنة المختصة.
ومع ذلك، فإن القيمة المضافة التشريعية لا تقاس بعدد الأحكام المستحدثة أو الوسائل الإلكترونية المعتمدة فحسب، وإنما بمدى انعكاسها على جودة العدالة وسرعة الفصل في الدعاوى وتيسير الوصول إلى القضاء وضمان الحقوق الإجرائية.
وفي هذا الإطار، يلاحظ المركز أن النص المعدل لم يحدد، بذاته، مؤشرات كمية لقياس أثر هذه التعديلات، كما لم يفصل في جميع المسائل المتعلقة بالأعطال التقنية، وضمانات الوصول الفعلي إلى التبليغات، ومعايير اختيار المحاكمة الإلكترونية، والضمانات الفنية اللازمة للتحقق من سلامة السجلات الرقمية.
ولا يعني ذلك أن هذه المسائل تخلو من أي تنظيم في التشريعات الأخرى، وإنما يعني أن النظام المعدل، وفق النص محل الدراسة، لا يتضمن تفصيلاً كاملاً لها.
ثامناً: توصيات مركز إحقاق للدراسات القانونية:
بناءً على ما تقدم، يوصي المركز بما يلي:
أولاً: إصدار تعليمات تنفيذية واضحة لتنظيم عنوان البريد الرقمي، وآليات تفعيله وتحديثه والتحقق من ارتباطه بصاحبه، وتحديد الأدلة المعتمدة لإثبات إجراء التبليغ ومعالجة حالات تعذر الوصول إليه.
ثانياً: وضع ضوابط لاستخدام المحاكمة عن بُعد، تراعي طبيعة الدعوى والإجراء، وتضمن حق الدفاع والمناقشة الفعالة للبينات والشهادات، وتتيح معالجة الاعتراضات الجدية على استخدام الوسائل الإلكترونية.
ثالثاً: تطوير قواعد التحقق من أصالة السجلات والمستندات الإلكترونية وسلامتها، وضمان إمكان مراجعتها والطعن فيها وفقاً للقواعد القانونية ذات العلاقة.
رابعاً: تعزيز الحماية التقنية للبيانات القضائية، وتحديد صلاحيات الوصول إليها، ووضع إجراءات للتعامل مع حوادث الاختراق أو الفقد أو التعطل، وضمان استمرارية العمل القضائي واستعادة البيانات.
خامساً: اعتماد مؤشرات أداء لقياس أثر النظام المعدل، تشمل مدة التقاضي، وكلفة الإجراءات، ونسب نجاح التبليغات، والتأجيلات الناتجة عن الأعطال التقنية، والشكاوى المتعلقة باستخدام الأنظمة الإلكترونية.
سادساً: ضمان انتظام المتابعة المؤسسية لعمل اللجنة المختصة بالوسائل الإلكترونية، وربط تقييم أدائها بمدى تحقيق أهداف التطوير الرقمي وتحسين جودة الخدمة القضائية.
سابعاً: مراعاة مبدأ المساواة في الوصول إلى العدالة، وتوفير البدائل المناسبة للأشخاص الذين يتعذر عليهم استخدام الوسائل الإلكترونية، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عائق أمام ممارسة الحقوق الإجرائية.
وفي الختام، يؤكد مركز إحقاق للدراسات القانونية أن النظام المعدل لنظام استعمال الوسائل الإلكترونية في الإجراءات القضائية المدنية رقم (79) لسنة 2026 يمثل خطوة مهمة في مسار تحديث الإجراءات القضائية الأردنية، لما تضمنه من توسيع نطاق المحاكمة الإلكترونية، واستحداث عنوان البريد الرقمي، وتخفيف بعض المتطلبات الورقية، وتعزيز الحجية القانونية للسجلات الإلكترونية، وإدخال اعتبارات الأمن السيبراني ضمن منظومة الإشراف المؤسسي.
غير أن التحول إلى العدالة الرقمية لا يكتمل بمجرد رقمنة الإجراءات أو منح السجلات الإلكترونية حجية قانونية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تضمن موثوقية التبليغات، وسلامة الأدلة، وسرية البيانات، والمساواة بين الخصوم، وفاعلية حق الدفاع.
فالغاية النهائية من التطوير التشريعي والتقني ليست جعل القضاء أكثر اعتماداً على التكنولوجيا فحسب، وإنما جعل العدالة أكثر سرعة وكفاءة ويسراً، مع المحافظة على ضماناتها الأساسية.
ومن هنا، فإن نجاح النظام المعدل ينبغي أن يقاس بقدرته على تحقيق معادلة متوازنة بين كفاءة الإجراء الإلكتروني وضمانات المحاكمة العادلة؛ لأن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل وسيلة لخدمة العدالة وليست بديلاً عن مبادئها وضماناتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 14:21