حين تصبح الحرب عبثاً: قد تنتصر الجيوش وتنهزم الدول!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 13:17
ليست كل حربٍ تُخاض حرباً تستحق أن تُخاض، وليست كل معركة تُكسب انتصاراً، وليست كل دولة قادرة على تدمير خصمها قادرة على إخضاعه لإرادتها. فالتاريخ مليء بحروب انتصر فيها الأقوى عسكرياً، لكنه خرج منها أضعف سياسياً، وأكثر استنزافاً اقتصادياً، وأقل قدرة على فرض شروطه، فيما تحوّل ما اعتبره نصراً في الميدان إلى هزيمة استراتيجية مؤجلة.
المشكلة أن الحرب تبدأ غالباً بوعدٍ بالنصر، لكنها قد تنتهي بكارثة لا يجرؤ أحد على تسميتها باسمها الحقيقي. وبين البداية والنهاية، تُرفع الشعارات، وتُحشد الجماهير، وتُستعرض الأسلحة، وتُصنع الروايات، ويُقدَّم القتل والدمار باعتبارهما دليلاً على الاقتراب من النصر؛ حتى يصبح السؤال عن جدوى الحرب نوعاً من التشكيك، ومراجعة أهدافها ضرباً من الضعف، والمطالبة بوقفها تنازلاً لا يجوز التفكير فيه.
وهنا تحديداً تبدأ الحرب العبثية: عندما تصبح الحرب أسيرة خطابها، ويصبح صانع القرار عاجزاً عن التراجع، لا لأن التراجع مستحيل، بل لأنه يخشى الاعتراف بأن الطريق الذي اختاره لم يؤدِّ إلى الوجهة التي وعد بها.
ليست كل حرب هادفة.. وليست كل قوة استراتيجية:
ثمة فرق جوهري بين الحرب الهادفة والحرب العبثية. الأولى توظف القوة لتحقيق غاية سياسية واضحة، وتعرف حدودها وكلفتها وشروط إنهائها. أما الثانية، فقد تبدأ بهدف محدد، ثم تتسع أهدافها كلما تعذر تحقيقها، إلى أن يصبح استمرار القتال بديلاً عن الاعتراف بالفشل.
تبدأ الحرب بذريعة إزالة تهديد، ثم يصبح الهدف تغيير النظام. ويبدأ الخطاب بالحديث عن ردع الخصم، ثم ينتقل إلى نزع سلاحه، ثم تدمير قدراته، ثم تغيير سلوكه، ثم فرض الاستسلام الكامل عليه. وفي كل مرحلة، يتراجع الهدف الأصلي أمام هدف جديد، كأنما المطلوب إبقاء الحرب مشتعلة حتى لو فقدت الغاية التي بررت إشعالها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا تحب غرف القرار سماعه: إذا كانت القوة العسكرية الهائلة لم تحقق الهدف المعلن، فهل يعني ذلك أن المطلوب زيادة القوة، أم أن الاستراتيجية نفسها تحتاج إلى مراجعة؟
إن امتلاك أحدث الطائرات والصواريخ، والسيطرة على الأجواء، وتدمير المنشآت، واغتيال القيادات، لا يمنح صاحبه تلقائياً القدرة على فرض تسوية سياسية دائمة. فالتفوق العسكري يستطيع تدمير الأهداف المادية، لكنه لا يضمن التحكم في إرادة المجتمعات، ولا يضمن أن يكون اليوم التالي للحرب أكثر استقراراً من اليوم الذي سبقها.
القوة التي لا تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار قد تكون قوة مدمرة، لكنها ليست بالضرورة قوة منتصرة.
فخ النصر الذي لا ينتهي:
أخطر ما في الحروب الطويلة أن النصر يتحول من هدف إلى شعار، ومن نتيجة ينبغي إثباتها إلى رواية ينبغي حمايتها.
كلما ارتفعت الخسائر، ازداد الضغط لتبريرها. وكلما طال أمد الحرب، أصبح الاعتراف بخطأ الحسابات أكثر كلفة على أصحاب القرار. وهكذا تدخل الدول في فخ الكلفة الغارقة: لأنها دفعت ثمناً باهظاً، تقرر دفع المزيد، لا لأن المزيد سيحقق النصر بالضرورة، بل لأنها لا تريد أن يبدو الثمن السابق بلا مقابل.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في العقل السياسي: قد يستمر القتال لأن إنهاءه أصبح محرجاً، لا لأن استمراره أصبح مفيداً.
تُضحّى بأرواح الجنود والمدنيين، وتُستنزف الموازنات، وتتراجع فرص التنمية، وتتسع دوائر العداء، ثم يُطلب من الناس الصبر لأن النصر بات قريباً. وبعد أشهر أو سنوات، تتغير الأهداف، وتتبدل المصطلحات، ويُعاد تعريف النصر بما يتناسب مع النتائج التي أمكن تحقيقها، لا مع الوعود التي أُطلقت في البداية.
وفي النهاية، قد يخرج الجميع ليعلنوا الانتصار، بينما تكون الوقائع قد أنتجت خسائر أعمق، وتهديدات أكثر تعقيداً، وبيئة إقليمية أشد اضطراباً.
فهل أصبح النصر في بعض الحروب هو أن يستطيع كل طرف إقناع جمهوره بأنه لم يُهزم؟
حين يتحول التدمير إلى غاية:
ثمة وهم استراتيجي خطير يقوم على الاعتقاد بأن تدمير قدرات الخصم يعني بالضرورة إخضاعه، وأن إضعافه عسكرياً يكفي لإنهاء الصراع سياسياً.
لكن الحروب لا تُدار في فراغ. فالخصم الذي يتعرض لضربات قاسية قد يعيد تنظيم صفوفه، أو يغيّر أساليب المواجهة، أو ينقل الصراع إلى ساحات أخرى، أو يبحث عن حلفاء جدد، أو يستثمر الخسائر المدنية في بناء رواية سياسية تعزز التعبئة ضده.
ولا يعني ذلك أن كل ضربة عسكرية تؤدي إلى نتائج عكسية، بل يعني أن نتائج القوة لا تُقاس بحجم الدمار وحده، وإنما بما تنتجه من تغير في سلوك الخصم، وميزان الردع، وشروط التفاوض، واحتمالات الاستقرار.
فقد تُدمّر منشأة، لكن يبقى التهديد قائماً. وقد يُقتل قائد، لكن تستمر المؤسسة التي كان يقودها. وقد تُهزم قوة في ميدان، لكن تتسع دائرة الصراع الذي جاءت الحرب لإنهائه.
والأخطر أن يتحول الانتقام إلى بديل عن الاستراتيجية، وأن يصبح إلحاق الألم بالخصم معياراً للنجاح، حتى عندما لا يقرب ذلك من تحقيق الهدف السياسي.
ليس السؤال كم يستطيع طرف أن يدمّر، بل ماذا يستطيع أن يحقق بعد التدمير، وهل ستكون النتيجة أكثر أمناً واستقراراً أم مجرد جولة جديدة من الحرب؟
الحرب التي تصنع خصمها من جديد:
لا تتوقف نتائج الحرب عند حدود الميدان. فهناك آثار سياسية واقتصادية واجتماعية قد تستمر بعد توقف القصف بسنوات طويلة.
قد تُضعف الحرب دولة، لكنها تدفعها إلى إعادة بناء قدراتها وتغيير عقيدتها الدفاعية. وقد تُحقق رداً عسكرياً ناجحاً، لكنها توسع دائرة الخصومة وتدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط في الصراع. وقد تنجح في فرض كلفة على الخصم، لكنها تفرض على صاحبها كلفة أكبر مما توقع، وتفتح جبهات لم تكن في حساباته.
وهنا لا يعود ممكناً تقييم الحرب من خلال نتائجها المباشرة فقط، بل يجب النظر إلى ما تنتجه من تحولات في موازين القوى، والتحالفات، وأسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الدول المجاورة.
وفي منطقتنا العربية، لا تبقى آثار الحروب محصورة في الدول التي تطلق الصواريخ أو تستقبلها. فالاقتصادات الهشة، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمارات، وحياة المواطنين، كلها قد تصبح جزءاً من فاتورة صراع لم يشاركوا في اتخاذ قرار إشعاله.
ومن هنا، فإن السؤال عن جدوى الحرب ليس ترفاً فكرياً، ولا موقفاً عاطفياً ضد القوة العسكرية، بل واجب سياسي وأخلاقي واقتصادي؛ لأن من حق الشعوب أن تعرف ما الذي يُراد تحقيقه، وما الثمن المتوقع، وما الشروط التي ستنتهي عندها الحرب.
من يملك شجاعة إنهاء الحرب؟
المشكلة ليست في أن تخوض الدول حروباً حين ترى أن مصالحها الحيوية أو أمنها مهددان، بل في أن تفتقر إلى معايير واضحة تحدد متى تحقق أهدافها، ومتى تصبح الكلفة أكبر من العائد، ومتى يكون التفاوض خياراً استراتيجياً لا اعترافاً بالهزيمة.
فالسلام ليس دائماً انتصاراً، كما أن استمرار الحرب ليس دائماً دليلاً على القوة. وقد يكون التفاوض تنازلاً غير مبرر في ظروف معينة، لكنه قد يكون أيضاً الوسيلة الوحيدة لتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي مستدام.
القيادة الاستراتيجية الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ قرار الحرب، وإنما بقدرتها على مراجعة ذلك القرار في ضوء الوقائع، وتقدير البدائل، ومنع تحول الخسائر السابقة إلى التزام مفتوح بخسائر جديدة.
أما القيادة التي تربط هيبتها باستمرار القتال، وتعتبر كل مراجعة هزيمة، فقد تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة حرب لم تعد تعرف كيف تنهيها، لا لأنها تحقق أهدافها، بل لأن إنهاءها يهدد الرواية التي بنت عليها شرعيتها السياسية.
وهذه هي المأساة: أن يصبح إنقاذ صورة القيادة أهم من إنقاذ المجتمع، وأن تتحول كلفة الاعتراف بالخطأ إلى مبرر لارتكاب أخطاء إضافية.
النصر ليس عدد الأهداف المدمرة:
الحرب الهادفة هي التي تخضع فيها القوة للعقل السياسي، وتظل أهدافها قابلة للقياس والمراجعة، ويكون إنهاؤها جزءاً من الاستراتيجية منذ لحظة اتخاذ قرار خوضها.
أما الحرب العبثية، فهي التي يتسع فيها الدمار بينما تضيق الغاية، وتزداد فيها الخسائر بينما تتراجع القدرة على تفسير ما الذي تحقق فعلاً، ويصبح استمرار القتال أسهل من مواجهة الأسئلة الصعبة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن تخسر معركة، بل أن تفقد القدرة على التمييز بين المعركة والحرب، وبين الإنجاز العسكري والمصلحة الوطنية، وبين الصمود الذي يحمي الدولة والعناد الذي يستنزفها.
فالدول لا تُقاس قوتها بما تستطيع تدميره فحسب، وإنما بما تستطيع حمايته وبناءه وتحقيقه بعد انتهاء القتال.
قد تنتصر الجيوش في الميدان، لكن الدول لا تنتصر إلا حين تستطيع تحويل القوة إلى أمن، والخسائر إلى نتائج، والحرب إلى تسوية تحقق الغاية التي بدأت من أجلها.
أما حين تستمر الحرب لأن أحداً لا يجرؤ على إعلان أن أهدافها لم تتحقق، فذلك ليس انتصاراً يتأخر، بل مأزق استراتيجي يتسع، وقد تكون فاتورته أكبر من أن تستطيع الأجيال القادمة تسديدها.
المشكلة أن الحرب تبدأ غالباً بوعدٍ بالنصر، لكنها قد تنتهي بكارثة لا يجرؤ أحد على تسميتها باسمها الحقيقي. وبين البداية والنهاية، تُرفع الشعارات، وتُحشد الجماهير، وتُستعرض الأسلحة، وتُصنع الروايات، ويُقدَّم القتل والدمار باعتبارهما دليلاً على الاقتراب من النصر؛ حتى يصبح السؤال عن جدوى الحرب نوعاً من التشكيك، ومراجعة أهدافها ضرباً من الضعف، والمطالبة بوقفها تنازلاً لا يجوز التفكير فيه.
وهنا تحديداً تبدأ الحرب العبثية: عندما تصبح الحرب أسيرة خطابها، ويصبح صانع القرار عاجزاً عن التراجع، لا لأن التراجع مستحيل، بل لأنه يخشى الاعتراف بأن الطريق الذي اختاره لم يؤدِّ إلى الوجهة التي وعد بها.
ليست كل حرب هادفة.. وليست كل قوة استراتيجية:
تبدأ الحرب بذريعة إزالة تهديد، ثم يصبح الهدف تغيير النظام. ويبدأ الخطاب بالحديث عن ردع الخصم، ثم ينتقل إلى نزع سلاحه، ثم تدمير قدراته، ثم تغيير سلوكه، ثم فرض الاستسلام الكامل عليه. وفي كل مرحلة، يتراجع الهدف الأصلي أمام هدف جديد، كأنما المطلوب إبقاء الحرب مشتعلة حتى لو فقدت الغاية التي بررت إشعالها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا تحب غرف القرار سماعه: إذا كانت القوة العسكرية الهائلة لم تحقق الهدف المعلن، فهل يعني ذلك أن المطلوب زيادة القوة، أم أن الاستراتيجية نفسها تحتاج إلى مراجعة؟
إن امتلاك أحدث الطائرات والصواريخ، والسيطرة على الأجواء، وتدمير المنشآت، واغتيال القيادات، لا يمنح صاحبه تلقائياً القدرة على فرض تسوية سياسية دائمة. فالتفوق العسكري يستطيع تدمير الأهداف المادية، لكنه لا يضمن التحكم في إرادة المجتمعات، ولا يضمن أن يكون اليوم التالي للحرب أكثر استقراراً من اليوم الذي سبقها.
القوة التي لا تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار قد تكون قوة مدمرة، لكنها ليست بالضرورة قوة منتصرة.
فخ النصر الذي لا ينتهي:
أخطر ما في الحروب الطويلة أن النصر يتحول من هدف إلى شعار، ومن نتيجة ينبغي إثباتها إلى رواية ينبغي حمايتها.
كلما ارتفعت الخسائر، ازداد الضغط لتبريرها. وكلما طال أمد الحرب، أصبح الاعتراف بخطأ الحسابات أكثر كلفة على أصحاب القرار. وهكذا تدخل الدول في فخ الكلفة الغارقة: لأنها دفعت ثمناً باهظاً، تقرر دفع المزيد، لا لأن المزيد سيحقق النصر بالضرورة، بل لأنها لا تريد أن يبدو الثمن السابق بلا مقابل.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في العقل السياسي: قد يستمر القتال لأن إنهاءه أصبح محرجاً، لا لأن استمراره أصبح مفيداً.
تُضحّى بأرواح الجنود والمدنيين، وتُستنزف الموازنات، وتتراجع فرص التنمية، وتتسع دوائر العداء، ثم يُطلب من الناس الصبر لأن النصر بات قريباً. وبعد أشهر أو سنوات، تتغير الأهداف، وتتبدل المصطلحات، ويُعاد تعريف النصر بما يتناسب مع النتائج التي أمكن تحقيقها، لا مع الوعود التي أُطلقت في البداية.
وفي النهاية، قد يخرج الجميع ليعلنوا الانتصار، بينما تكون الوقائع قد أنتجت خسائر أعمق، وتهديدات أكثر تعقيداً، وبيئة إقليمية أشد اضطراباً.
فهل أصبح النصر في بعض الحروب هو أن يستطيع كل طرف إقناع جمهوره بأنه لم يُهزم؟
حين يتحول التدمير إلى غاية:
ثمة وهم استراتيجي خطير يقوم على الاعتقاد بأن تدمير قدرات الخصم يعني بالضرورة إخضاعه، وأن إضعافه عسكرياً يكفي لإنهاء الصراع سياسياً.
لكن الحروب لا تُدار في فراغ. فالخصم الذي يتعرض لضربات قاسية قد يعيد تنظيم صفوفه، أو يغيّر أساليب المواجهة، أو ينقل الصراع إلى ساحات أخرى، أو يبحث عن حلفاء جدد، أو يستثمر الخسائر المدنية في بناء رواية سياسية تعزز التعبئة ضده.
ولا يعني ذلك أن كل ضربة عسكرية تؤدي إلى نتائج عكسية، بل يعني أن نتائج القوة لا تُقاس بحجم الدمار وحده، وإنما بما تنتجه من تغير في سلوك الخصم، وميزان الردع، وشروط التفاوض، واحتمالات الاستقرار.
فقد تُدمّر منشأة، لكن يبقى التهديد قائماً. وقد يُقتل قائد، لكن تستمر المؤسسة التي كان يقودها. وقد تُهزم قوة في ميدان، لكن تتسع دائرة الصراع الذي جاءت الحرب لإنهائه.
والأخطر أن يتحول الانتقام إلى بديل عن الاستراتيجية، وأن يصبح إلحاق الألم بالخصم معياراً للنجاح، حتى عندما لا يقرب ذلك من تحقيق الهدف السياسي.
ليس السؤال كم يستطيع طرف أن يدمّر، بل ماذا يستطيع أن يحقق بعد التدمير، وهل ستكون النتيجة أكثر أمناً واستقراراً أم مجرد جولة جديدة من الحرب؟
الحرب التي تصنع خصمها من جديد:
لا تتوقف نتائج الحرب عند حدود الميدان. فهناك آثار سياسية واقتصادية واجتماعية قد تستمر بعد توقف القصف بسنوات طويلة.
قد تُضعف الحرب دولة، لكنها تدفعها إلى إعادة بناء قدراتها وتغيير عقيدتها الدفاعية. وقد تُحقق رداً عسكرياً ناجحاً، لكنها توسع دائرة الخصومة وتدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط في الصراع. وقد تنجح في فرض كلفة على الخصم، لكنها تفرض على صاحبها كلفة أكبر مما توقع، وتفتح جبهات لم تكن في حساباته.
وهنا لا يعود ممكناً تقييم الحرب من خلال نتائجها المباشرة فقط، بل يجب النظر إلى ما تنتجه من تحولات في موازين القوى، والتحالفات، وأسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الدول المجاورة.
وفي منطقتنا العربية، لا تبقى آثار الحروب محصورة في الدول التي تطلق الصواريخ أو تستقبلها. فالاقتصادات الهشة، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمارات، وحياة المواطنين، كلها قد تصبح جزءاً من فاتورة صراع لم يشاركوا في اتخاذ قرار إشعاله.
ومن هنا، فإن السؤال عن جدوى الحرب ليس ترفاً فكرياً، ولا موقفاً عاطفياً ضد القوة العسكرية، بل واجب سياسي وأخلاقي واقتصادي؛ لأن من حق الشعوب أن تعرف ما الذي يُراد تحقيقه، وما الثمن المتوقع، وما الشروط التي ستنتهي عندها الحرب.
من يملك شجاعة إنهاء الحرب؟
المشكلة ليست في أن تخوض الدول حروباً حين ترى أن مصالحها الحيوية أو أمنها مهددان، بل في أن تفتقر إلى معايير واضحة تحدد متى تحقق أهدافها، ومتى تصبح الكلفة أكبر من العائد، ومتى يكون التفاوض خياراً استراتيجياً لا اعترافاً بالهزيمة.
فالسلام ليس دائماً انتصاراً، كما أن استمرار الحرب ليس دائماً دليلاً على القوة. وقد يكون التفاوض تنازلاً غير مبرر في ظروف معينة، لكنه قد يكون أيضاً الوسيلة الوحيدة لتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي مستدام.
القيادة الاستراتيجية الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ قرار الحرب، وإنما بقدرتها على مراجعة ذلك القرار في ضوء الوقائع، وتقدير البدائل، ومنع تحول الخسائر السابقة إلى التزام مفتوح بخسائر جديدة.
أما القيادة التي تربط هيبتها باستمرار القتال، وتعتبر كل مراجعة هزيمة، فقد تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة حرب لم تعد تعرف كيف تنهيها، لا لأنها تحقق أهدافها، بل لأن إنهاءها يهدد الرواية التي بنت عليها شرعيتها السياسية.
وهذه هي المأساة: أن يصبح إنقاذ صورة القيادة أهم من إنقاذ المجتمع، وأن تتحول كلفة الاعتراف بالخطأ إلى مبرر لارتكاب أخطاء إضافية.
النصر ليس عدد الأهداف المدمرة:
الحرب الهادفة هي التي تخضع فيها القوة للعقل السياسي، وتظل أهدافها قابلة للقياس والمراجعة، ويكون إنهاؤها جزءاً من الاستراتيجية منذ لحظة اتخاذ قرار خوضها.
أما الحرب العبثية، فهي التي يتسع فيها الدمار بينما تضيق الغاية، وتزداد فيها الخسائر بينما تتراجع القدرة على تفسير ما الذي تحقق فعلاً، ويصبح استمرار القتال أسهل من مواجهة الأسئلة الصعبة.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن تخسر معركة، بل أن تفقد القدرة على التمييز بين المعركة والحرب، وبين الإنجاز العسكري والمصلحة الوطنية، وبين الصمود الذي يحمي الدولة والعناد الذي يستنزفها.
فالدول لا تُقاس قوتها بما تستطيع تدميره فحسب، وإنما بما تستطيع حمايته وبناءه وتحقيقه بعد انتهاء القتال.
قد تنتصر الجيوش في الميدان، لكن الدول لا تنتصر إلا حين تستطيع تحويل القوة إلى أمن، والخسائر إلى نتائج، والحرب إلى تسوية تحقق الغاية التي بدأت من أجلها.
أما حين تستمر الحرب لأن أحداً لا يجرؤ على إعلان أن أهدافها لم تتحقق، فذلك ليس انتصاراً يتأخر، بل مأزق استراتيجي يتسع، وقد تكون فاتورته أكبر من أن تستطيع الأجيال القادمة تسديدها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 13:17