الفصل الثاني من سردية مدينة الزرقاء: إنسان العصر الحجري.. أول زرقاوي سكن هذه الأرض

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 14:23
مدار الساعة - كتب: الصحفي رفاد العياصره -قبل أن يكون هناك اسم اسمه الزرقاء

تعال نرجع بالزمن. ليس 100 سنة. ولا 1000 سنة.

تعال نرجع 7000 سنة قبل الميلاد.

في هذا الوقت، لم يكن هناك شيء اسمه الأردن، ولا عمان، ولا تاريخ مكتوب. كانت الأرض كلها برية. كانت الصحراء أوسع، والغابة أخطر، والإنسان أضعف.

في هذا الزمن السحيق، كان العالم كله يبحث عن شيء واحد فقط: الماء.

ومن وجد الماء، وجد الحياة.

وهنا، في هذا الوادي الذي نسميه اليوم الزرقاء، كان هناك نهر يجري. نهر صغير لكنه دائم. لا يجف في الصيف. لا يخون.

فماذا فعل الإنسان؟

جاء.

جاء وسكن. وبنى. وصاد. وترك لنا أثره.

هذا الفصل هو تحية لأول زرقاوي. أول إنسان اختار الزرقاء لتكون بيته، قبل الحضارات، وقبل الملوك، وقبل الكتابة. تحية لرجل لا نعرف اسمه، لكنه ترك فأسه شاهداً عليه.

قبل الحضارات، قبل الكتابة.

هذه الجملة ليست شعراً، هي حقيقة علمية.

عندما نقول حضارة، نحن نفكر في الفراعنة والرومان. لكن قبلهم بآلاف السنين، كان هناك حضارة أخرى، حضارة لا تبني أهرامات، بل تصنع سكيناً من حجر ليذبح غزالاً.

هذه هي حضارة العصر الحجري. وهي أول حضارة وطأت أرض الزرقاء.

في مناطق قصر الحلابات والبويضة والأزرق وجدت أدوات حجرية تعود لـ 7000 سنة قبل الميلاد.

تخيل معي عالم الآثار وهو يحفر في صحراء الحلابات، قرب القصر الروماني الشهير. وفجأة، تحت التراب الروماني، وتحت التراب الأموي، يجد طبقة أقدم. يجد حجراً مشذباً على شكل سكين.

هذا الحجر ليس صدفة. هذا صنع إنسان.

وجدوا في البويضة (شمال شرق الزرقاء) مئات الفؤوس الحجرية. ووجدوا في الأزرق مطاحن حجرية لطحن الحبوب. عمرها 9000 سنة.

ماذا يعني هذا؟

يعني أن الزرقاء كانت مأهولة قبل أن يبني المصريون هرمهم الأول بـ 4000 سنة. قبل أن يخترع السومريون الكتابة بـ 3500 سنة.

الزرقاء لم تكن صحراء فارغة كما نظن. كانت ورشة عمل. كانت مصنعاً للأدوات الحجرية.

أول زرقاوي كان ذكياً. كان يعرف كيف يكسر حجر الصوان ليصنع منه سكيناً حادة تقطع اللحم. كان يعرف كيف يشعل النار. كان يعرف كيف يصطاد.

هذا ليس إنساناً بدائياً، هذا مهندس عصره.

المستوطنات في عين غزال القريبة من الزرقاء (8300 ق.م) تثبت أن منطقة الزرقاء كانت غابة وسافانا مليئة بالغزلان، يسكنها صيادون.

وهنا المفاجأة الأجمل.

اليوم إذا ذهبت إلى عين غزال (بين الزرقاء وعمان)، سترى مصانع وسيارات. لكن قبل 8300 سنة قبل الميلاد، كانت عين غزال جنة.

أثبتت الحفريات أن منطقة الزرقاء وعين غزال كانت غابة. غابة حقيقية فيها أشجار بلوط وبطم، وفيها سافانا (سهول عشبية) مليئة بالغزلان والماعز البري والخنازير البرية.

ووجدوا في عين غزال قرية كاملة. بيوت من الطين والحجر، فيها غرف، وفيها مقابر، وفيها أهم اكتشاف في تاريخ الأردن: تماثيل عين غزال.

تماثيل بشرية طولها متر، عيونها واسعة، عمرها 8300 سنة. هي أقدم تماثيل بشرية في العالم. أقدم من تماثيل اليونان بـ 7000 سنة.

من صنعها؟ صيادون كانوا يسكنون على نهر الزرقاء.

تخيل: أول فنان في تاريخ البشرية، أول إنسان فكر أن يصنع وجهاً لإنسان من الطين، كان يسكن في الزرقاء. كان يصطاد غزالاً في الصباح، وفي المساء يجلس ويصنع تمثالاً.

هذا فخر لا تملكه مدينة في العالم. أول فن، أول قرية، أول زراعة قمح، كلها بدأت هنا، على ضفاف سيل الزرقاء.

أول حضارة منظمة: حضارة غسولية في خربة الجاموس.

وبعد آلاف السنين من الصيادين، جاء وقت الحضارة المنظمة.

في منطقة خربة الجاموس، جنوب شرق الزرقاء، وجد علماء الآثار بقايا حضارة اسمها "الحضارة الغسولية" (نسبة إلى تليلات الغسول في الأغوار)، عمرها 4000 سنة قبل الميلاد.

ما معنى حضارة منظمة؟

يعني لم يعودوا صيادين يتنقلون، بل أصبحوا مزارعين مستقرين. بنوا بيوتاً مستطيلة، خزنوا الحبوب في جرار، صنعوا فخاراً ملوناً، وصنعوا نحاساً.

خربة الجاموس كانت قرية غسولية كبيرة تطل على نهر الزرقاء، تعيش على زراعة القمح والشعير الذي ينمو على ضفاف النهر.

هم أول من روض النهر. أول من حفر قناة صغيرة من سيل الزرقاء ليسقي حقله. أول مهندس ري في تاريخ الزرقاء.

---

لماذا نحب هذا الفصل؟*

هذا الفصل يعلمنا درساً عظيماً:

الزرقاء لم تبدأ سنة 1902. الزرقاء بدأت بإنسان حجري سنة 7000 قبل الميلاد.

الذي جاء من ,مناطق قبل 120 سنة، جاء إلى أرض كانت مأهولة قبل 9000 سنة. جاء ليكمل الحكاية، لا ليبدأها.

أول زرقاوي لم يكن له اسم، لكنه ترك لنا رسالة من حجر: "هذه الأرض طيبة، من سكنها لا يجوع، ومن شرب ماءها لا يظمأ".

واليوم، بعد 9000 سنة، لا يزال أهل الزرقاء يشربون من نفس النبع، ويسكنون على نفس التلة، ويحملون نفس الصفة: صيادون أقوياء، لا يخافون الصحراء.

تحية لأول زرقاوي. أنت الأصل، ونحن الفروع.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 14:23