الأردن في مجلس حقوق الإنسان: 171 صوتاً لتعزيز دبلوماسية الملك.. والإصلاح الداخلي ضمانة للمصداقية الدولية

أ.د. محمد تركي بني سلامة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 11:25
ليس انتخاب الأردن لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2027–2029، وحصوله على 171 صوتاً، مجرد إنجاز دبلوماسي يستحق الإشادة، بل فرصة استراتيجية ثمينة لتعزيز مكانة الدولة الأردنية، وتوسيع قدرتها على التأثير في القرارات الدولية، وتوفير رافعة سياسية وقانونية إضافية لدعم جهود جلالة الملك عبدالله الثاني، صانع القرار الأول في السياسة الخارجية الأردنية، ولا سيما في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والتصدي للانتهاكات الإسرائيلية.

لقد أثبت الملك عبدالله الثاني، من خلال مواقفه وتحركاته الدولية، أن الدبلوماسية الأردنية قادرة على الحضور والتأثير بما يتجاوز الإمكانات المادية للدولة، مستندة إلى الاعتدال والمصداقية والشرعية الدولية. وتأتي عضوية مجلس حقوق الإنسان لتمنح هذه الدبلوماسية منصة إضافية لحشد التأييد الدولي، وتوسيع التحالفات، ومساءلة إسرائيل عن انتهاكاتها، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

غير أن الفرص الدبلوماسية الكبرى لا تتحول تلقائياً إلى مكاسب سياسية. فنجاح الأردن في استثمار هذه العضوية يتطلب إدراك حقيقة أساسية: إن قوة الموقف الأردني في الدفاع عن حقوق الإنسان خارجياً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصداقية التزامه بهذه الحقوق داخلياً. فلا يجوز أن نمنح الآخرين فرصة اتهام الأردن بازدواجية المعايير، أو التشكيك في صدقية خطابه الحقوقي، بينما يقود جلالة الملك جهوداً دبلوماسية متواصلة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.

وهنا تبرز ضرورة مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023، الذي أثار انتقادات حقوقية محلية ودولية بسبب اتساع بعض نصوصه، وغموض بعض مفاهيمه، وارتفاع الغرامات والعقوبات المرتبطة بالنشر والتعبير الإلكتروني. ولا خلاف على ضرورة مكافحة الابتزاز والاحتيال والتشهير والاعتداء على الخصوصية، لكن حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتقييد حرية الرأي أو تجريم النقد السلمي المشروع.

إن تعديل هذا القانون لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل أصبح ضرورة سياسية ودبلوماسية لحماية المصلحة الوطنية وتعزيز قدرة الأردن على الدفاع عن مواقفه في المحافل الدولية. فكيف يمكن للدبلوماسية الأردنية أن تطالب المجتمع الدولي بحماية حرية التعبير وحقوق الفلسطينيين، بينما تواجه انتقادات بشأن القيود المفروضة على التعبير في الداخل، بما في ذلك التعبير السلمي عن التضامن مع فلسطين؟

وليس المقصود مساواة القصور التشريعي الداخلي بالانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، وإنما التأكيد أن اتساق المبادئ يمنح الأردن قوة أخلاقية وسياسية إضافية، ويغلق أبواب التشكيك في مصداقيته.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من الحكومة ومجلس الأمة المبادرة إلى مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، وإزالة النصوص الفضفاضة، وضمان التناسب بين المخالفات والعقوبات، وحماية النقد المشروع، والحد من العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير السلمي. فالدولة القوية لا تخشى النقد المسؤول، وإنما تستفيد منه لتصحيح الاختلالات وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

كما أن المركز الوطني لحقوق الإنسان مطالب بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية ووضوحاً في الدفاع عن الحريات العامة، وتقديم توصيات تشريعية محددة، ومتابعة تنفيذها، وعدم الاكتفاء بإصدار التقارير والبيانات. فاستقلال المؤسسات الحقوقية وقوة أدائها يشكلان رصيداً وطنياً يدعم الدبلوماسية الأردنية، لا عبئاً عليها.

وعلى الصعيد الخارجي، ينبغي تحويل عضوية الأردن في المجلس إلى برنامج عمل دبلوماسي متكامل، يساند التحركات الملكية من خلال توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وحشد التأييد للتحقيق والمساءلة، وتعزيز التنسيق مع الدول الصديقة والمنظمات الدولية، وتوظيف الخبرات القانونية والأكاديمية الأردنية في خدمة القضية الفلسطينية.

إن هذه العضوية تمثل فرصة لتعظيم المكاسب السياسية والدبلوماسية للأردن، وتعزيز قدرته على مواجهة محاولات تهجير الفلسطينيين، والدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة على جدول الأعمال الدولي.

والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى عقلاء الدولة واضحة: إن الإصلاح الحقوقي الداخلي ليس تنازلاً للخارج، بل استثمار في قوة الدولة ومصداقيتها، ودعم مباشر للجهود التي يقودها الملك عبدالله الثاني دفاعاً عن الأردن وفلسطين.

فالأردن لا يحتاج إلى تجميل صورته بقدر حاجته إلى تعزيز حقيقة ما يمثله من اعتدال وعدالة واحترام للقانون. والـ171 صوتاً ليست نهاية الإنجاز، بل بداية مسؤولية تاريخية تقتضي تحويل الثقة الدولية إلى نفوذ دبلوماسي وإصلاح وطني.

فلنمنح الدبلوماسية الملكية ما تستحقه من إسناد داخلي، ولنحصّن الموقف الأردني من اتهامات ازدواجية المعايير؛ لأن الأردن الأكثر احتراماً لحقوق مواطنيه هو الأردن الأكثر قدرة على الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، والأقوى حجةً والأرفع صوتاً في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 11:25