لماذا تركتم الفلسطيني وحيدا؟

خالد دلال
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/16 الساعة 21:44
تبدأ المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني من ثلاثة مشاهد، لكنها تنتهي جميعا عند سؤال واحد قد لا يرغب العالم المتقاعس عن نصرة المظلوم في سماعه: لماذا تركتم الفلسطيني وحيدا؟!

في المشهد الأول، يتبجح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال زيارته إلى شمال الضفة الغربية قبل أيام، بالسيطرة العسكرية الكاملة على المنطقة، رافضا أي عودة لسكان مخيمات اللاجئين المهجرين. ويأتي ذلك في أعقاب عملية "الجدار الحديدي"، التي بدأت في يناير الماضي، وأسفرت عن تهجير عشرات الآلاف، رغم صدور أمر عن المحكمة العليا الإسرائيلية بوضع جدول زمني لعودتهم. ويترافق ذلك مع تصعيد تهديداته بسحق السلطة الفلسطينية، وتضييق الخناق عليها ماليا، والتعهد بدعم البؤر الاستيطانية وتثبيتها في الضفة الغربية، في استمرار لمخططه الرامي إلى القضاء التام على حل الدولتين، وبالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية نهاية هذا الشهر.

في المشهد الثاني، تنتشر قطعان المستوطنين في الضفة الغربية تحت مرأى قوات الاحتلال وحمايتها، في تصعيد حاد للاعتداءات على الفلسطينيين وأرضهم وممتلكاتهم. تتكرر المشاهد، فيما يجد الفلسطيني نفسه مضطرا إلى الدفاع وحيدا عن أسرته وبيته وأرضه وحقه في الحياة.

أما المشهد الثالث، فهو ركام غزة، حيث تتفاقم المأساة الإنسانية غير المسبوقة، ويواجه الناس قسوة تداعيات الحرب والدمار وانعدام مقومات الحياة. هناك لا تبدو المعاناة خبرا عابرا، بل حياة تُسحق يوما بعد يوم، وأطفال يحرمون من الأمان، وعائلات تبحث عن مكان آمن فلا تجده.

وفي كل ذلك، يبقى الفلسطيني حاضرا في الحسابات السياسية للعالم، لكنه يغيب عن التنفيذ الفعلي لحقه الإنساني في الكرامة والحرية وتقرير المصير.

وأمام هذه المشاهد وغيرها، لم يعد السؤال متعلقا بما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بشعة فحسب، بل بعجز المجتمع الدولي أيضا عن القيام بمسؤولياته. فالمأساة لا تقاس فقط بحجم العنف والقتل الواقع على الضحية، بل بالصمت الذي يحيط بها، وبالمسافة بين ما يعلنه المجتمع الدولي من مبادئ وما يمارسه على أرض الواقع من تخاذل يصل إلى حد النفاق السياسي. فالقانون الدولي الذي لا يحمي الضعيف يفقد معناه، والعدالة التي تتأخر حتى يُدفن المظلوم ليست عدالة، والحياد الذي يتجاهل قيمة حياة الإنسان يصبح مشاركة في الجريمة ذاتها، وإن كانت عن بعد. لقد تُرك الفلسطيني وحيدا لأن الإرادة الدولية باتت مرتهنة للحسابات التي تتقدم على المبادئ، ولأن الضحية يُطلب منها أن تتحلى بالصبر، في أحسن الأحوال، فيما يستمر القاتل في التنكيل بضحاياه!

وهنا تحضر في الذاكرة صورة غسان كنفاني، لا بوصفه صوت اللجوء الفلسطيني فحسب، بل رمزا يذكرنا بأن الفلسطيني هو ذلك الإنسان الذي حُشر بين الاقتلاع من وطنه وانتظار العودة إليه. ويحضر أيضا محمود درويش، شاعر فلسطين، الذي ترك لنا في قصيدته "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" سؤالا يتجاوز المعنى الظاهر إلى حقيقة أن الفلسطيني يُترك وحيدا في مواجهة مصيره، مطالبا بإثبات حقه أمام عالم يعرف الحقيقة، لكنه يواصل التظاهر بأنه لم يسمعها بعد. ويحضر كذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، رمز القضية الفلسطينية في الفكر العالمي، وصاحب كتاب "الاستشراق"، ليعيدنا إلى سؤال حق الفلسطيني في الوجود، وفي رواية حكايته للعالم دون شروط مسبقة.

إن الفلسطيني لا يطلب امتيازا على أحد، بل يسعى إلى ما يطلبه كل إنسان: أن يعيش بأمان، وأن يحمي أسرته، وأن يحتفظ ببيته وأرضه، وأن يعامل بوصفه إنسانا كامل الحقوق، لا استثناء على هامش القانون الدولي.

ولهذا فإن السؤال: لماذا تركتم الفلسطيني وحيدا؟! ليس سؤالا عاطفيا عابرا، ولا اتهاما يقال في لحظة غضب. إنه محاكمة للضمير الإنساني، ومساءلة للسياسة الدولية، ومرآة تكشف التناقض الصارخ بين الشعارات الزائفة والمواقف الحقيقية.

سيواصل الفلسطيني كتابة روايته، لا لأنه اختار المعاناة، بل لأنه يرفض أن يُمحى. وسيظل يطالب بالحياة والكرامة والحرية، لا بوصفها منحة من أحد، بل حقا لا يسقط بالتجاهل، ولا يبدده طول الانتظار!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/16 الساعة 21:44