الأحزاب الأردنية أمام الاختبار.. من الإصلاح إلى صناعة المستقبل

م. عبد الله الفاعوري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 20:25
إن الحياة لتحمل في ثناياها الانكسارات والتحديات والخيبات، كما تحمل الأفراح والمسرات، لكننا نستمد دومًا شعلة الأمل من موروثنا الديني الذي يبث ومضات الخير وشعلات الإصلاح في رسالته المساندة لبني البشر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فنحمل في محيّانا مباسم الحياة الكريمة، ونمضي يدًا بيد نحو غدٍ مشرق، تشرق فيه روح الفرح والخيرية.

وها نحن، بعد بضع سنوات من جدولة الحياة الحزبية وإطلاق العنان لأحزاب مرخصة تحمل نواة أحزاب برامجية واعدة، واضحة المعالم، تنشد معزوفة الإصلاح على سيمفونية التقدم.

أحزاب بلغ عددها 29 حزبًا، ترسم أيديولوجيات فكرية متنوعة، تخاطب عقول الشارع العام لتمثيله في البيئة السياسية، وإشراكه في عملية الإصلاح، ورفع مستوى المشاركة الشعبية. إن هذه التشكيلة الحزبية التي وصلنا إليها جاءت بعد إجراء أول انتخابات نيابية وفق المسار الحزبي عام 2024، حيث تشكّل البرلمان من عشرة أحزاب، فيما لا تمتلك بقية الأحزاب مقاعد برلمانية، لكنها تسعى إلى سلوك المسار السياسي ضمن الأطر القانونية، والقيام بالعديد من الأنشطة التي تستهدف خدمة الشعب والتقرب منه، لنيل ثقته في الانتخابات المقبلة.

إن البيئة الخصبة لتمايز الأحزاب وتقدمها تتمثل في التحديات المختلفة التي تتبلور من خلالها أفكار الأحزاب وأدوارها، في سبيل بناء الدعم وتحقيق الحضور والتميز. فنحن أمام استحقاق انتخابي محلي بلدي يمثّل تحديًا لكل الأحزاب على الصعيد الداخلي، أما التحدي الأكبر والأصعب، فهو ما يجري في الإقليم منذ بضع سنوات، منذ طوفان الأقصى وما تبعه من حروب وتغيرات على مستوى الإقليم بأكمله؛ بدءًا من غزة، مرورًا بالضفة الغربية ولبنان وسوريا، وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز، وكذلك الصراع بين السعودية واليمن وما يرتبط به من تطورات في مضيق باب المندب.

إن الأحزاب اليوم هي أداة السياسة المنشودة، بعد ضمانات ملكية وحماية دستورية تطلق العنان للأفكار التي تمطر زخات من الرؤى والمبادرات، لرسم برامج تطال جميع القطاعات الاقتصادية والصناعية والمالية والأمن الغذائي، في رحلة محفوفة بالمخاطر، نحو محاولة استعادة ثقة المواطن بالحكومات التي ستأتي باختياره مستقبلًا، لتكون حكومات برلمانية تعزز الاستقرار والاستمرارية في تنفيذ برامجها ضمن مدد زمنية محددة.

ولنا في الحزب البلشفي الروسي مثال ودرس في دور الأحزاب ومسارات تطورها، مع اختلاف الأوضاع والأحوال؛ إذ عمل لينين على نشر الوعي والأفكار الجامعة، ثم أسس مجلة «إيسكرا» (الشرارة) لتكون منبرًا لنشر أفكار التيار الثوري، وكانت تنشر الوعي والمقالات سرًا. ثم انقسم الحزب إلى البلشفيك والمنشفيك، حتى اندلعت الثورة الروسية التي قادت إلى انتصار البلاشفة، ووصولهم إلى الحكم، ومساهمتهم في إحداث تحولات كبيرة في الدولة، فضلًا عن محاولاتهم التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية، ولا سيما العلاقات مع اليابان والصين في ظل الحروب والتنافس بين القوى الكبرى.

فإننا اليوم ننتظر من أحزابنا الأردنية أن تسهم في حمل رسائل منظومة الإصلاح الملكية، وأن تسعى إلى إنجاح الانتخابات البلدية والمحلية من خلال المشاركة الحزبية الفاعلة، ونشر الوعي والتثقيف بين الناس. كما لا بد لجميع الأحزاب من انتهاج نهج يقوم على نشر الأفكار والمبادرات الجامعة، تأكيدًا لأهمية الوحدة والتعاضد في القضايا الوطنية والإقليمية، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل بقوة وصلابة مع مطامع الكيان الغاشم التوسعية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 20:25