رداً على حدادين: بنادقنا للوطن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/14 الساعة 22:09
ليس غريباً أن يثير مقال الدكتور طلال الشرفات - أمين عام حزب المحافظين— الذي خاطب فيه دولة الأستاذ عبد الكريم الكباريتي داعياً إياه لكسر جدار الصمت ، وبالمناسبة هو نداء لكل اردني ان هذه الأيام حبلى وهي دعوة لكل ذي لب و جنان من الأردنيين أن يحرسوا الليل كي لا يعبث بنا خفافيش الفساد ومسؤولي العتمة والفاسدين و المتآمرين والاتباع . ليس غريبا ان يثير مقال امين عام حزب المحافظين نقاشاً واسعاً في أوساط المتابعين للمشهد السياسي الوطني. فالكباريتي ، بما يحمل من رمزية وتاريخ، يمثل لدى كثرٍ تساؤلاً مشروعاً عن أسباب غياب القامات الوطنية عن الإدلاء برأيها في لحظات وُصِفت بالدقيقة والحرجة من تاريخ الوطن.
غير أن الغريب، بل والمستفز في الأدبيات السياسية، هو ذلك الرد السريع المُتحامل الذي نشره بسام حدادين تحت عنوان "صمت الكباريتي كلام فصيح"، والذي حاد فيه تماماً عن جوهر القضية ليتحول إلى منصة لإطلاق الاتهامات وبثّ خطاب الكراهية لقوى وطنية مخلصة لم تكن معنية بإنكاء جرح الخروج عن المسار الوطني، ومكافأة الدولة له رغم حجم الخطيئة الوطنيّة - وفتذاك- ولعل مصادرة حق الشخصيات الوطنية في التعبير عن الألم الوطني يشكل حالة فصام فكري تستحق النقاش.
لقد اختار حدادين—كعادته في جلّ اشتباكاته السياسية—أن يمارس دور "حارس بوابة النقاء الفكري والسياسي"، فمنح نفسه صلاحية تصنيف المقالات وتوزيع صكوك العمق والسطحية، متلذذاً بوصف مقال الشرفات بأنه "كلام إنشائي يفتقر للقيمة السياسية والوطنية وترطين لا يقول شيئاً".
وهنا يتوجب الوقوف ملياً أمام هذه الظاهرة التي لم تعد مجرد وجهة نظر، بل نمطاً متكرراً يعكس ضيقاً بالرأي الآخر وعقدة الخطيئة الوطنية التي لا ينساها الأردنيين، ولا مكان لها في أصول الحوار الوطني الرشيد.
إن الهروب إلى نقد "الشكل واللغة" ليس إلا عجزاً عن مقاربة "المضمون".
فالبلاغة واللغة الوجدانية لم تكن يوماً عيباً يتوارى منه الكاتب، بل هي وعاء الفكرة ونبض الشارع. والسياسة في جوهرها ليست مجرد صياغات تكنوقراطية جافة، بل هي موقف ووجدان ومشاعر وطنية صادقة، ولعل عتمة الشعور الذي يرافق حدادين في مسيرته السياسيّة تحاكي حالة الشعور بالإغتراب عن وطن لم يكن حاضراً في الذهن العميق هنا وهناك.
أن نختزل صرخة وطنية تتساءل عن مآلات المشهد بأنها "مجرد استعراض لغوي"، لهو محض هروب من مواجهة الأسئلة المفصلية التي تؤرق الشارع الأردني اليوم. والتي ربما يكون حدادين من اولى الناس للاجابة على مضامينها، وتفحصها بعيداً عن عقدة الذنب التاريخي؛ فالبنادق على ثرى الوطن تكون له لا عليه.
ثم إن المنطق الذي يحاول به حدادين شرعنة الصمت، باعتباره "فصاحة وحكمة"، يضرب في مقتل مفهوم المسؤولية الوطنية. فالشخصيات القيادية الاستثنائية لا تُرجى منها الفصاحة في الصمت والتواري، بل في الجرأة والوضوح وقوة الموقف حين يحتاج الوطن إلى كلمة الحق.
إن تحويل "الانسحاب من الفضاء العام" إلى بطولة وفضيلة سياسية، هو تبرير باطل يغطي على الاستكانة ويشرعن السلبية.
ولعل المفارقة الأكبر تتجلى حين يتحدث حدادين عن الأحزاب والعمل الحزبي والمحافظين والتقدمية، متناسياً أن المتابع للمشهد الوطني يدرك تماماً تحولاته الحادة والتخبطات التنظيمية التي ختم بها مسيرته الحزبية؛ فمن بدأ حياته السياسية في أقصى اليسار يرفع شعارات التغيير والصدام، ليتقلّب بعد ذلك بين المواقع الرسمية والنيابية والوزارية، وصولاً إلى إخفاقه في التعايش الديمقراطي والتنظيمي داخل تجربته الحزبية الأخيرة التي انتهت بخلافات وانفصال عن قيادتها.
إن من يعجز عن احترام قواعد العمل الديمقراطي والديمقراطية الداخلية داخل بيته الحزبي، هو آخر من يحق له إعطاء دروس في أدبيات السياسة أو إعطاء صكوك التقييم للأحزاب الوطنية وتياراتها.
إن ما يحتاجه الفضاء السياسي الأردني اليوم ليس ممارسات "الوصاية الفكرية" ولا النبرة الناجمة عن عقدة الذنب ذات النفس الفردي المدججه بالخوف، بل يحتاج إلى أدب في الحوار، واتساع صدر في قبول الاجتهاد، وشجاعة في مناقشة الأفكار ذاتها لا أشخاصها.
رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، وأدرك أن ثمة من يحتاج للإختباء بعيداً عن المرايا التي تكشف عورات البوح والماضي، وأن اسلوب الهروب الى الأمام لا تلغي الذاكرة الوطنية، ولن يمنح صاحبه عمقاً بل ولوجاً في التيه واستمرار الخطيئة ذاتها دون بنادق.
غير أن الغريب، بل والمستفز في الأدبيات السياسية، هو ذلك الرد السريع المُتحامل الذي نشره بسام حدادين تحت عنوان "صمت الكباريتي كلام فصيح"، والذي حاد فيه تماماً عن جوهر القضية ليتحول إلى منصة لإطلاق الاتهامات وبثّ خطاب الكراهية لقوى وطنية مخلصة لم تكن معنية بإنكاء جرح الخروج عن المسار الوطني، ومكافأة الدولة له رغم حجم الخطيئة الوطنيّة - وفتذاك- ولعل مصادرة حق الشخصيات الوطنية في التعبير عن الألم الوطني يشكل حالة فصام فكري تستحق النقاش.
لقد اختار حدادين—كعادته في جلّ اشتباكاته السياسية—أن يمارس دور "حارس بوابة النقاء الفكري والسياسي"، فمنح نفسه صلاحية تصنيف المقالات وتوزيع صكوك العمق والسطحية، متلذذاً بوصف مقال الشرفات بأنه "كلام إنشائي يفتقر للقيمة السياسية والوطنية وترطين لا يقول شيئاً".
وهنا يتوجب الوقوف ملياً أمام هذه الظاهرة التي لم تعد مجرد وجهة نظر، بل نمطاً متكرراً يعكس ضيقاً بالرأي الآخر وعقدة الخطيئة الوطنية التي لا ينساها الأردنيين، ولا مكان لها في أصول الحوار الوطني الرشيد.
إن الهروب إلى نقد "الشكل واللغة" ليس إلا عجزاً عن مقاربة "المضمون".
فالبلاغة واللغة الوجدانية لم تكن يوماً عيباً يتوارى منه الكاتب، بل هي وعاء الفكرة ونبض الشارع. والسياسة في جوهرها ليست مجرد صياغات تكنوقراطية جافة، بل هي موقف ووجدان ومشاعر وطنية صادقة، ولعل عتمة الشعور الذي يرافق حدادين في مسيرته السياسيّة تحاكي حالة الشعور بالإغتراب عن وطن لم يكن حاضراً في الذهن العميق هنا وهناك.
أن نختزل صرخة وطنية تتساءل عن مآلات المشهد بأنها "مجرد استعراض لغوي"، لهو محض هروب من مواجهة الأسئلة المفصلية التي تؤرق الشارع الأردني اليوم. والتي ربما يكون حدادين من اولى الناس للاجابة على مضامينها، وتفحصها بعيداً عن عقدة الذنب التاريخي؛ فالبنادق على ثرى الوطن تكون له لا عليه.
ثم إن المنطق الذي يحاول به حدادين شرعنة الصمت، باعتباره "فصاحة وحكمة"، يضرب في مقتل مفهوم المسؤولية الوطنية. فالشخصيات القيادية الاستثنائية لا تُرجى منها الفصاحة في الصمت والتواري، بل في الجرأة والوضوح وقوة الموقف حين يحتاج الوطن إلى كلمة الحق.
إن تحويل "الانسحاب من الفضاء العام" إلى بطولة وفضيلة سياسية، هو تبرير باطل يغطي على الاستكانة ويشرعن السلبية.
ولعل المفارقة الأكبر تتجلى حين يتحدث حدادين عن الأحزاب والعمل الحزبي والمحافظين والتقدمية، متناسياً أن المتابع للمشهد الوطني يدرك تماماً تحولاته الحادة والتخبطات التنظيمية التي ختم بها مسيرته الحزبية؛ فمن بدأ حياته السياسية في أقصى اليسار يرفع شعارات التغيير والصدام، ليتقلّب بعد ذلك بين المواقع الرسمية والنيابية والوزارية، وصولاً إلى إخفاقه في التعايش الديمقراطي والتنظيمي داخل تجربته الحزبية الأخيرة التي انتهت بخلافات وانفصال عن قيادتها.
إن من يعجز عن احترام قواعد العمل الديمقراطي والديمقراطية الداخلية داخل بيته الحزبي، هو آخر من يحق له إعطاء دروس في أدبيات السياسة أو إعطاء صكوك التقييم للأحزاب الوطنية وتياراتها.
إن ما يحتاجه الفضاء السياسي الأردني اليوم ليس ممارسات "الوصاية الفكرية" ولا النبرة الناجمة عن عقدة الذنب ذات النفس الفردي المدججه بالخوف، بل يحتاج إلى أدب في الحوار، واتساع صدر في قبول الاجتهاد، وشجاعة في مناقشة الأفكار ذاتها لا أشخاصها.
رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، وأدرك أن ثمة من يحتاج للإختباء بعيداً عن المرايا التي تكشف عورات البوح والماضي، وأن اسلوب الهروب الى الأمام لا تلغي الذاكرة الوطنية، ولن يمنح صاحبه عمقاً بل ولوجاً في التيه واستمرار الخطيئة ذاتها دون بنادق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/14 الساعة 22:09