باحثون أستراليون يحللون كؤوساً جنائزية من طبقة فحل: هذا ما كشفه البعيثران

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 16:53
مدار الساعة - كشفت دراسة أثرية حديثة أن سكان مدينة بيلا القديمة، المعروفة حاليًا بطبقة فحل في شمال وادي الأردن، استخدموا قبل نحو ثلاثة آلاف عام خلطات من الزيوت والنباتات العطرية في طقوس جنائزية، احتوت بعضها على مواد مستوردة من مناطق بعيدة قد تصل إلى الهند وإيران والقوقاز والأناضول والبلقان.

وتوصل الباحثون إلى هذه النتائج بعد تحليل بقايا عضوية محفوظة داخل سبعة كؤوس خزفية عُثر عليها في القبر رقم 89 في بيلا، الذي يعود إلى الفترة الانتقالية بين أواخر العصر الحديدي الأول وبدايات العصر الحديدي الثاني، نحو 1000 إلى 900 قبل الميلاد.

وأظهرت التحليلات وجود زيوت نباتية ومواد عطرية محلية ومستوردات نادرة، من أبرزها مادة "البيبيرين" الموجودة في الفلفل الأسود، إلى جانب مركبات مرتبطة بأنواع من الشيح الأردني، ما يثير احتمال احتواء بعض طقوس الدفن على عناصر مؤثرة في الوعي.

وأعد الدراسة باحثون من جامعة سيدني ومركز سيدني لقياس الطيف الكتلي، هم برودنس شيفز، وكانغ يو بينغ، وستيفن بورك، مدير مشروع بيلا، وبن كروسيت، المدير المشارك للمركز.

* قبر جماعي لم يتعرض للنهب



اكتُشف القبر رقم 89 عام 1987، وكان قبرًا جماعيًا لم يتعرض للعبث أو النهب، وهي ميزة أتاحت للباحثين دراسة محتوياته في سياقها الأصلي.

وضم القبر رفات ما لا يقل عن 82 شخصًا وأكثر من 200 قطعة جنائزية، بينها 90 قطعة خزفية. وكانت رفات معظم المدفونين مختلطة، إلا أن أربعة أفراد ظلوا في أوضاع تشريحية مترابطة إلى حد كبير، وارتبطوا بقطع جنائزية محددة.

وعُثر داخل القبر على 21 كأسًا خزفية قائمة على قواعد، كانت ثاني أكثر أنواع الخزف انتشارًا بعد المصابيح، كما كانت القطع الخزفية الوحيدة المزخرفة في القبر.

وتضمنت زخارفها طلاءً أحمر حول الحواف، وعلامات على القواعد والسيقان، وخطوطًا سميكة على الأوعية. وحملت جميع الكؤوس آثار احتراق على حوافها أو أسطحها الداخلية، ما يدعم الاعتقاد بأنها استُخدمت لحرق خلطات زيتية وعطرية خلال الطقوس الجنائزية.

واحتوى القبر أيضًا على عدد محدود من القطع التي يمكن ربطها بالنخبة الاجتماعية، منها لوحة أثاث عاجية منحوتة على هيئة عجل، أُعيد استخدامها حلية صدرية، وخنجر مصنوع من معدنين وحزام برونزي دُمرا عمدًا قبل وضعهما في القبر.

وعلى الرغم من وجود هذه القطع المميزة، لم يعثر الباحثون على خزفيات مستوردة، إذ كانت المجموعة الخزفية كلها محلية الصنع وغير مزخرفة في معظمها، وهو ما كان يمكن أن يعطي انطباعًا أوليًا بأن مجتمع بيلا آنذاك كان معزولًا عن شبكات التجارة الخارجية.

* طريقة تحليل غير مسبوقة للكؤوس



أُخضعت سبعة من الكؤوس المحفوظة في المجموعة الأثرية بجامعة سيدني لتحليل غير مستهدف باستخدام تقنية كروماتوغرافيا السوائل المقترنة بقياس الطيف الكتلي "LC-MS".

وتتميز هذه التقنية بحساسيتها وقدرتها على كشف نطاق واسع من الدهون والمنتجات الطبيعية، بخلاف الدراسات السابقة التي اعتمدت في الغالب على كروماتوغرافيا الغاز وركزت بصورة أساسية على الأحماض الدهنية.

ولتجنب إتلاف زخارف الكؤوس، أدخل الباحثون مثقابًا صغيرًا عبر الساق المجوفة لكل كأس، وأخذوا نحو غرامين من النسيج الخزفي من الجانب السفلي للوعاء.

واختير هذا الموضع لأن الكؤوس منخفضة الحرق وشديدة المسامية، ما يعني أن الخلطات الزيتية المحروقة داخلها يُرجح أنها تسربت إلى النسيج الخزفي. كما أن الجانب السفلي كان أقل تعرضًا للمس البشري بعد اكتشاف القطع، الأمر الذي خفض احتمال تلوث العينات.

وخضعت العينات بعد ذلك لعمليات استخلاص وفصل وتحليل دقيق، مع استبعاد المركبات التي يمكن أن تكون ناتجة من التلوث أو الخلفية المختبرية.

* زيوت نباتية قاعدة لحرق العطور



أظهرت النتائج وجود مؤشرات حيوية للزيوت والدهون النباتية في جميع الكؤوس، وبخاصة مركبات ثنائي أسيل الغليسيرول وإستيوليدات ثلاثي أسيل الغليسيرول وثلاثي أسيل الغليسيرول المؤكسد.

وأشار الباحثون إلى أن إستيوليدات ثلاثي أسيل الغليسيرول توجد بوفرة في زيوت البذور، ما يرجح استخدام الزيوت النباتية قاعدة لحرق أو تبخير مركبات عطرية أخرى داخل الكؤوس.

كما عُثر على كميات كبيرة من الستيرولات النباتية الموجودة عادة في الزيوت والحبوب والبذور والمكسرات والبقوليات والفواكه.

وكُشفت كذلك مركبات من فئة السفينغوزينات والسيراميدات، التي توجد في الحبوب والأرز والقمح والصويا والسبانخ، وإن كان بعضها يوجد أيضًا في منتجات حيوانية مثل الجلد.

ولم يعثر الباحثون على إسترات الشمع، ما يجعل استخدام شمع النحل في هذه الكؤوس أقل احتمالًا، على خلاف ما أظهرته قطع خزفية طقسية وجنائزية اكتُشفت في مواقع أخرى بالمنطقة.

* آثار بشرية في كأسين



كشف التحليل وجود مشتق من أحماض الصفراء، هو حمض الديوكسيكوليك المؤستر، في الكأسين 112025 و112076.

ويرجح الباحثون أن مصدر المادة بشري، بسبب موضع الكأسين تحت رأسي فردين دُفنا في القبر. وكان رأس أحدهما وفكه موضوعين مباشرة على الكأس.

ولذلك لا يفسر الباحثون الحمض الصفراوي بوصفه جزءًا مؤكدًا من الخلطة الطقسية، بل يرجحون انتقاله إلى الكأس من رفات الشخص المرتبط بها.

* فلفل أسود من الهند



كان أبرز اكتشاف في الدراسة العثور على مادة البيبيرين، وهي المركب الرئيس المسؤول عن الطعم الحار في الفلفل الأسود.

ويرجع أصل الفلفل الأسود إلى جبال الغات الغربية الممتدة بمحاذاة ساحل مالابار في الهند. ويُعرف استخدامه في السياقات الجنائزية المصرية القديمة، إذ عُثر على حبات فلفل أسود داخل منخري مومياء الفرعون رمسيس الثاني.

وظهر البيبيرين في كأسين، أحدهما بتركيز مرتفع والآخر بتركيز أضعف. ويرى الباحثون أن وجوده في بيلا قد يشكل دليلًا على استمرار جانب من شبكات "طريق التوابل" بين شبه القارة الهندية والشرق الأدنى خلال بدايات العصر الحديدي.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن الفترة التي أعقبت انهيار ممالك ومدن العصر البرونزي نحو عام 1150 قبل الميلاد وُصفت طويلًا بأنها "عصر مظلم"، يُعتقد أن التجارة البعيدة تراجعت فيه بشدة.

لكن العثور على البيبيرين يشير إلى أن الطرق التجارية القديمة لم تنقطع تمامًا، وإن تقلص حجم السلع المتدفقة عبرها.

* مركبات قادمة من إيران والقوقاز والأناضول



حدد التحليل مركبات أخرى غريبة عن البيئة الطبيعية لجنوب بلاد الشام.

ومن بينها مركب موجود في الزيت العطري لنبات "Telekia speciosa"، وهو نبات مزهر معمر ينتشر من منطقة بحر إيجة إلى الأناضول والقوقاز.

كما عُثر على حمض يمكن أن يكون مصدره نبات الناردين الطبي، المنتشر من أوروبا إلى شمال البحر المتوسط، أو العصفر الإيراني، الذي يمتد نطاقه الطبيعي من القوقاز إلى إيران.

وتشير هذه النتائج، بحسب الدراسة، إلى أن بيلا ربما تلقت مواد عطرية من مناطق لم تكن تُدرج عادة ضمن شبكة اتصالاتها التجارية في بدايات العصر الحديدي، مثل البلقان والقوقاز وإيران.

ولا يعني ذلك بالضرورة وصول التجار من تلك المناطق مباشرة إلى بيلا، إذ يمكن أن تكون المواد انتقلت عبر سلسلة من الوسطاء والأسواق الإقليمية.

* الشيح الأردني واحتمال الطقوس المؤثرة في الوعي



وجد الباحثون في الكؤوس مركبات ترتبط بأنواع مختلفة من الشيح المتوطنة في بلاد الشام، ومنها الشيح المعروف محليًا باسم "البعيثران"، الذي ينمو في صحراء جنوب الأردن ووادي عربة، ويُستخدم في الطب الشعبي الأردني.

وظهرت مركبات مرتبطة بالشيح في جميع الكؤوس تقريبًا. ولأن بعض أنواع الشيح معروفة بخصائصها المؤثرة في الجهاز العصبي عند استخدامها بتركيزات أو طرق معينة، يرى الباحثون أن وجودها قد يشير إلى عنصر مؤثر في الوعي ضمن الطقوس الجنائزية.

لكن الدراسة لا تجزم بأن المشاركين في مراسم الدفن كانوا يتعاطون مواد مهلوسة، ولا تثبت أن الكؤوس استُخدمت لإحداث الهلوسة بصورة متعمدة.

فالتحليل حدد مركبات يُحتمل أن تكون مصادرها أنواعًا من الشيح، بينما يظل تحديد النبات الأصلي وطريقة استعماله ودرجة تأثيره افتراضيًا.

وقد تكون الكؤوس استُخدمت لحرق مواد عطرية تخلق روائح أو أجواء طقسية، وربما أدت الأبخرة في بعض الحالات إلى تأثيرات نفسية أو حسية.

* خلطات خاصة لأفراد من النخبة



أظهر تحليل المكونات الرئيسية أن ثلاثة كؤوس، أرقامها 112062 و112025 و112076، كانت الأكثر اختلافًا عن بقية المجموعة.

وكان كل كأس منها مرتبطًا بفرد معين في القبر، ويُعتقد أن هؤلاء كانوا من آخر من دُفنوا فيه.

وتميز الكأس 112062 بأنه أكبر من بقية الكؤوس، واحتوى على كميات أعلى من الدهون وعلى ثلاثة مركبات مستوردة، بينها تركيز مرتفع من البيبيرين. كما ارتبط بفرد وُضعت معه قطع جنائزية توصف بأنها نخبوية.

أما الكأس 112025 فاحتوى على البيبيرين بتركيز أقل ومركب عطري غريب آخر، وارتبط أيضًا بفرد دُفن مع قطع نخبوية.

واحتوى الكأس 112076 على مركب مستورد واحد ومجموعة من المواد المحلية، وكان هو الآخر مرتبطًا بفرد ترافق دفنه مع قطع مميزة.

ويطرح ذلك احتمال إعداد خلطات عطرية مختلفة لأشخاص معينين، وفق مكانتهم الاجتماعية أو هويتهم أو الدور الذي كانوا يؤدونه في المجتمع.

وقد يكون استخدام البيبيرين والمواد المستوردة النادرة في دفن أشخاص محددين مؤشرًا على مكانتهم، ولا سيما أن الفلفل الأسود ارتبط بالدفن الملكي في مصر القديمة.

ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن العلاقة بين محتويات الكؤوس والمكانة الاجتماعية تحتاج إلى مزيد من البحث، وستكون موضوعًا لدراسة لاحقة.

* ثقافة محلية وليست مجرد تقليد مستورد



لم تقتصر الخلطات على مواد أجنبية باهظة الثمن، بل احتوت على مركبات نباتية محلية بتراكيب مختلفة من كأس إلى آخر.

ويقول الباحثون إن ذلك يعني أن النباتات المحلية لم تكن مجرد مواد رخيصة أضيفت لزيادة حجم المستوردات، وإنما كانت تتمتع بقيمة طقسية ودينية مستقلة.

وتعكس النتائج، وفق الدراسة، ثقافة محلية قوية استمرت في بيلا بعد انهيار العصر البرونزي، لكنها ظلت متأثرة بتقاليد النخبة المصرية وبشبكات التجارة الأقدم.

ومن المرجح أن المواد العطرية كانت تُخلط بالزيوت النباتية ثم تحرق ببطء داخل الكؤوس، لإطلاق الروائح والأبخرة خلال مراسم الدفن.

* بيلا لم تكن معزولة



تتحدى النتائج الصورة التقليدية لبيلا خلال بدايات العصر الحديدي بوصفها مستوطنة ريفية معزولة تتعافى ببطء من دمار أواخر العصر البرونزي.

فغياب الأواني المستوردة من القبر لم يكن دليلًا على غياب السلع الأجنبية. وقد كانت المواد العضوية، مثل التوابل والزيوت والنباتات العطرية، تنتقل من دون أن تترك وراءها أوعية مستوردة يمكن لعلماء الآثار التعرف إليها بسهولة.

وتشير الدراسة إلى أن تدفق السلع الأجنبية عبر بيلا تقلص مقارنة بالعصر البرونزي، لكنه لم يتوقف. وربما أسهم استمرار هذه الصلات التجارية في انتعاش المدينة وازدهارها مجددًا خلال المراحل اللاحقة من العصر الحديدي الثاني.

* نتائج مهمة لكنها غير نهائية



شدد الباحثون على أن تحديد المصادر النباتية للمركبات المكتشفة يظل احتماليًا، لأن المركب الكيميائي الواحد قد يوجد أحيانًا في أكثر من نبات.

كما أن المواد التي نجت داخل الخزف ليست بالضرورة جميع المواد التي كانت موجودة أصلًا في الخلطات، إذ يمكن أن تكون مركبات أخرى قد تحللت أو اختفت خلال ثلاثة آلاف عام.

وبذلك لا تثبت الدراسة بصورة قاطعة الوصفة الكاملة المستخدمة في كل كأس، لكنها تقدم نافذة نادرة على طقوس لم توثقها نصوص أو نقوش أو تماثيل معاصرة.

وتبرز الدراسة أهمية التقنيات الكيميائية الحديثة في الكشف عن جوانب من الحياة الدينية والاجتماعية لا تستطيع طرق التنقيب التقليدية وحدها الوصول إليها، كما تكشف أن القبر رقم 89 لا يسجل ممارسات الدفن فحسب، بل يحتفظ أيضًا بأدلة على التراتب الاجتماعي والمعرفة بالنباتات وشبكات التجارة التي ربطت الأردن القديم بمناطق بعيدة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 16:53