تلاع العلي وخلدا والجبيهة - عمّان الجديدة

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 16:42
مدار الساعة - كتب الصحفي رفاد العياصرة:

*من كتاب: سردية عمّان*

*الفصل الثامن: تلاع العلي وخلدا والجبيهة - عمّان الجديدة*

إذا كانت عمّان القديمة قد نبتت بين الجبال، فإن عمّان الجديدة قد هربت من الجبال.

بعد التسعينيات، ضاقت عمّان على نفسها. ضاق وسط البلد، وضاق جبل الحسين واللويبدة، فقرر الأردني أن يتمدد نحو الغرب، نحو السماء، نحو الحلم.

هناك، وُلدت عمّان أخرى. عمّان لا تشبه ما قبلها. عمّان بلا درج وبلا تعب. هذه هي عمّان التي تمددت بعد التسعينات. ليست جبالاً شاهقة بل تلالاً حنونة، سهلة، منبسطة، كأنها خُلقت لتقول للمواطن: تعال، استرح، لقد تعبت من صعود الجبال.

*أولاً: سكنها موظفو الدولة والمغتربون العائدون من الخليج.*

هذه التلال لم تسكنها الطبقة البرجوازية ولا التجار أول مرة، بل سكنها من بنى الدولة حجراً حجراً.

موظف الدولة، الرجل الذي أفنى عمره في الوزارات، براتب مستور وحلم مستور أكبر، باع قطعة أرض في قريته وجاء ليبني هنا بيت العمر.

والمغترب الأردني العائد من الخليج، الذي قضى عشرين سنة في السعودية والكويت والإمارات، يعدّ الريال والدينار، ويحرم نفسه من كل شيء، عاد ليضع تحويشة العمر في لبنة واحدة في تلاع العلي أو خلدا. عاد ليقول: أريد أن يدرس أبنائي هنا، وأريد أن أموت هنا.

ولهذا، تجد بيوتها تحمل نكهة الاغتراب والوفاء معاً. بيتٌ بُني بعرق الكويت، وبيتٌ بُني بقرض الإسكان، وكلاهما بُني بحب الأردن.

*ثانياً: أعرافها: "الفيلا بدل الحوش"، كل بيت له سور.*

هنا تغير العُرف العمّاني كلياً، وهنا تكمن عبقريتها.

في جبل النصر كان العُرف هو "الباب المفتوح"، أما هنا فالعُرف الجديد هو "الفيلا بدل الحوش". تحولنا من ثقافة الحوش المشترك الذي يجمع العائلة كلها، إلى ثقافة الفيلا المستقلة التي تجمع العائلة الصغيرة فقط.

وكل بيت له سور. ليس سوراً للعداوة، بل سورٌ للخصوصية التي تعلمها الأردني من سفره واحتكاكه بالعالم. سور صغير، أنيق، عليه وردة، وداخله حديقة صغيرة وسيارتان.

هو سور يحفظ الاستقلالية، لكنه لا يمنع الجار من أن يطرق الباب إذا احتاج خبزاً أو ملحاً. بقي الأردني أردنياً، حتى لو سكن في فيلا بسور.

*ثالثاً: حياتها: مدارس خاصة، مولات، زحمة الجامعة الأردنية.*

وهنا وُلدت الحياة الجديدة لعمّان.

حياة لا تبدأ من المسجد أو من سوق الخضار، بل تبدأ من المدرسة الخاصة والمول.

ففي الصباح، تتحول تلاع العلي وخلدا إلى خلية نحل من باصات المدارس الخاصة الصفراء، التي تحمل أبناء الطبقة الوسطى الذين يريد آباؤهم لهم تعليماً أفضل.

وفي المساء، تتحول إلى زحمة المولات. سيتي مول، وتاج مول، وأماكن يلتقي فيها كل الأردنيين، ليس للتسوق فقط، بل للرؤية، للتنزه، ليشعر المواطن أنه يعيش حياة عصرية.

أما القلب النابض لكل هذا فهو "زحمة الجامعة الأردنية". تلك الزحمة التي نلعنها كل يوم، هي في الحقيقة شريان الحياة. هي التي جعلت لخلدا والجبيهة قيمة، وهي التي جعلت شقة الطالب المغترب تساوي ذهباً.

*الخاتمة: هي عمّان التي تحاول أن تكون حديثة وتنسى أنها جبلية.*

وهنا يكمن جمالها ومأساتها في آن واحد.

هي عمّان التي تلبس الجينز والبدلة، وتحاول أن تكون دبي الصغيرة، بكل ما فيها من كافيهات ومولات ومدارس أجنبية، لكنها تنسى، وفجأة في أول شتوة، أن أصلها جبلي.

تنسى أنها كانت تلالاً من التراب الأحمر، فتغرق شوارعها، وتتذكر تواضعها.

إنها عمّان الجديدة، ليست الأصيلة جداً كعمّان الشرق، ولا الصاخبة جداً كعبدون، بل هي عمّان الوسط، عمّان الحلم الأردني البسيط: فيلا صغيرة بسور، ومدرسة خاصة للأولاد، وسيارة مقسطة، وحياة مستورة.. وهذا بحد ذاته إنجاز عظيم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 16:42