الائتلافات الحزبية الصعبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 08:04
عندما يبلغ العمل الحزبي في دولةٍ ما مستويات متقدمة من النضج السياسي، ويصبح تشكيل الحكومات من رحم الأحزاب عرفًا راسخًا وممارسةً ديمقراطية مستقرة، قد تواجه الأحزاب أحيانًا معضلة الحصول على الأغلبية البرلمانية المطلقة، أي ما يزيد على 50% من المقاعد، بما يمكّنها من تشكيل الحكومة منفردة. وهنا تجد نفسها مضطرة إلى الدخول في ائتلافات حزبية مع أحزاب أخرى لا تتطابق بالضرورة معها في الفكر أو التوجه السياسي أو السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا، في حد ذاته، ليس عيبًا في الممارسة الديمقراطية، بل قد يكون ضرورة تفرضها نتائج الانتخابات ومتطلبات تشكيل الحكومات. لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تشكيل الائتلافات، وإنما في مدى قدرتها على الاستمرار، وفي عمق التباينات الفكرية والسياسية والاقتصادية بين أطرافها، وفي قدرتها على بناء أرضية مشتركة لإدارة الدولة واتخاذ القرارات المصيرية.
فالاختلاف بين الأحزاب لا يقتصر دائمًا على البرامج الانتخابية أو الأولويات المرحلية، بل قد يمتد إلى فهم مفهوم الدولة، ودور الحكومة في الاقتصاد، وطبيعة العلاقة بين الحريات العامة والخاصة، وحدود تدخل الدولة في حياة المجتمع، وأولويات الاستثمار والإنفاق العام، فضلًا عن القضايا المجتمعية والتشريعات الجدلية التي تتطلب توافقات سياسية راسخة، لا مجرد تسويات مؤقتة.
وهنا أستحضر مقولتي التي أعبّر بها عن هذه المعضلة:
«الأصعب هو المصاهرة السياسية بين الشامي والمغربي».
والمقصود هنا ليس اختلاف الجغرافيا، بل التباين في المدارس الفكرية والسياسية، حين يجلس المحافظ والتقدمي الليبرالي حول طاولة مجلس الوزراء، لمناقشة مشاريع قوانين تتصل بالحريات العامة والخاصة، أو حين يجلس صاحب الفكر الرأسمالي إلى جانب من يتبنى الفكر اليساري الاشتراكي، لبحث آليات تمويل المشاريع الاقتصادية الوطنية، وأدوات الاستثمار، ودور القطاعين العام والخاص في قيادة النمو الاقتصادي.
ففي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن يتفق الشركاء على توزيع الحقائب الوزارية أو تقاسم المسؤوليات؛ إذ إن نجاح الائتلاف يتطلب تفاهمًا حقيقيًا حول فلسفة الحكم، وأولويات الدولة، والخيارات الاقتصادية والاجتماعية، والقرارات التي سترسم مستقبل الأجيال القادمة.
ومع ذلك، فإن العقول النيرة في العمل الحزبي والسياسي تدرك أن الاختلاف ليس مبررًا للتعطيل، وأن التباين الفكري لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على حساب المصلحة الوطنية. فالحكمة السياسية تقتضي تقليص فجوات الاختلاف، وتوسيع مساحات التفاهم، والبحث عن القواسم المشتركة، دون التفريط بالثوابت الفكرية أو التنصل من البرامج التي منحت الأحزاب ثقة الناخبين.
وهنا تبرز أهمية أن تكون الأحزاب مستقلة في قرارها، ومتماسكة في بنيتها الفكرية، وشفافة في مصادر تمويلها، وقادرة على التعبير عن مصالح المجتمع الوطني، بعيدًا عن أي ارتهان لمصالح خارجية أو حسابات ضيقة. فعندما تكون المصلحة الوطنية هي المرجعية العليا لجميع أطراف الائتلاف، تصبح التسويات السياسية وسيلةً لإدارة الاختلاف، لا أداةً لطمس الهوية الحزبية أو الالتفاف على إرادة الناخبين.
أما إذا وصلت الخلافات إلى مرحلة تستحيل معها إدارة الدولة بفاعلية، أو تعذّر التوافق على القضايا الجوهرية التي تشكّل أساس البرنامج الحكومي، فإن الإصرار على استمرار الائتلاف يتحول من ممارسة سياسية إلى عبء على الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وعندها، ينبغي اللجوء إلى الآليات الدستورية المتاحة للخروج من الأزمة، بما في ذلك الدعوة إلى انتخابات مبكرة متى توافرت شروطها الدستورية، مع تحمّل الأحزاب مسؤوليتها السياسية والأخلاقية أمام المواطنين، وتوضيح أسباب تعثّر التوافق، والإفصاح عن الخلافات الجوهرية التي حالت دون الاستمرار في الحكم المشترك.
فمن حق المواطن أن يعرف لماذا تعذّر على الأحزاب التي طلبت ثقته أن تتفق على إدارة الدولة، وما القضايا التي اختلفت حولها، وأين انتهت حدود التفاهم بينها. ومن واجب كل حزب أن يشرح موقفه بوضوح، وأن يضع الناخب أمام الحقائق، حتى يتمكن من إعادة تقييم قراره الانتخابي على أساس من الوعي والمعرفة، لا وفق الشعارات أو الحسابات الشخصية.
إن الائتلافات الحزبية ليست غاية في ذاتها، وليست مجرد معادلة حسابية لتجميع المقاعد البرلمانية؛ بل هي شراكة في المسؤولية، واختبار لنضج الفكر السياسي، وقدرة الأحزاب على التوفيق بين هويتها الفكرية ومتطلبات إدارة الدولة.
وفي النهاية، فإن الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الأحزاب على تشكيل الحكومات، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف، واحترام إرادة الناخبين، وتحمل المسؤولية عند الفشل، وصون استقرار الدولة ومصالح المجتمع.
فالأوطان لا تُدار بتطابق الأفكار، ولا تُبنى بإلغاء الاختلاف، وإنما تُدار بعقول تدرك أن المصلحة الوطنية أكبر من الأحزاب، وأن المسؤولية تجاه المستقبل أسمى من الحسابات السياسية الآنية.
وهذا، في حد ذاته، ليس عيبًا في الممارسة الديمقراطية، بل قد يكون ضرورة تفرضها نتائج الانتخابات ومتطلبات تشكيل الحكومات. لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تشكيل الائتلافات، وإنما في مدى قدرتها على الاستمرار، وفي عمق التباينات الفكرية والسياسية والاقتصادية بين أطرافها، وفي قدرتها على بناء أرضية مشتركة لإدارة الدولة واتخاذ القرارات المصيرية.
فالاختلاف بين الأحزاب لا يقتصر دائمًا على البرامج الانتخابية أو الأولويات المرحلية، بل قد يمتد إلى فهم مفهوم الدولة، ودور الحكومة في الاقتصاد، وطبيعة العلاقة بين الحريات العامة والخاصة، وحدود تدخل الدولة في حياة المجتمع، وأولويات الاستثمار والإنفاق العام، فضلًا عن القضايا المجتمعية والتشريعات الجدلية التي تتطلب توافقات سياسية راسخة، لا مجرد تسويات مؤقتة.
وهنا أستحضر مقولتي التي أعبّر بها عن هذه المعضلة:
«الأصعب هو المصاهرة السياسية بين الشامي والمغربي».
والمقصود هنا ليس اختلاف الجغرافيا، بل التباين في المدارس الفكرية والسياسية، حين يجلس المحافظ والتقدمي الليبرالي حول طاولة مجلس الوزراء، لمناقشة مشاريع قوانين تتصل بالحريات العامة والخاصة، أو حين يجلس صاحب الفكر الرأسمالي إلى جانب من يتبنى الفكر اليساري الاشتراكي، لبحث آليات تمويل المشاريع الاقتصادية الوطنية، وأدوات الاستثمار، ودور القطاعين العام والخاص في قيادة النمو الاقتصادي.
ففي مثل هذه الحالات، لا يكفي أن يتفق الشركاء على توزيع الحقائب الوزارية أو تقاسم المسؤوليات؛ إذ إن نجاح الائتلاف يتطلب تفاهمًا حقيقيًا حول فلسفة الحكم، وأولويات الدولة، والخيارات الاقتصادية والاجتماعية، والقرارات التي سترسم مستقبل الأجيال القادمة.
ومع ذلك، فإن العقول النيرة في العمل الحزبي والسياسي تدرك أن الاختلاف ليس مبررًا للتعطيل، وأن التباين الفكري لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على حساب المصلحة الوطنية. فالحكمة السياسية تقتضي تقليص فجوات الاختلاف، وتوسيع مساحات التفاهم، والبحث عن القواسم المشتركة، دون التفريط بالثوابت الفكرية أو التنصل من البرامج التي منحت الأحزاب ثقة الناخبين.
وهنا تبرز أهمية أن تكون الأحزاب مستقلة في قرارها، ومتماسكة في بنيتها الفكرية، وشفافة في مصادر تمويلها، وقادرة على التعبير عن مصالح المجتمع الوطني، بعيدًا عن أي ارتهان لمصالح خارجية أو حسابات ضيقة. فعندما تكون المصلحة الوطنية هي المرجعية العليا لجميع أطراف الائتلاف، تصبح التسويات السياسية وسيلةً لإدارة الاختلاف، لا أداةً لطمس الهوية الحزبية أو الالتفاف على إرادة الناخبين.
أما إذا وصلت الخلافات إلى مرحلة تستحيل معها إدارة الدولة بفاعلية، أو تعذّر التوافق على القضايا الجوهرية التي تشكّل أساس البرنامج الحكومي، فإن الإصرار على استمرار الائتلاف يتحول من ممارسة سياسية إلى عبء على الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وعندها، ينبغي اللجوء إلى الآليات الدستورية المتاحة للخروج من الأزمة، بما في ذلك الدعوة إلى انتخابات مبكرة متى توافرت شروطها الدستورية، مع تحمّل الأحزاب مسؤوليتها السياسية والأخلاقية أمام المواطنين، وتوضيح أسباب تعثّر التوافق، والإفصاح عن الخلافات الجوهرية التي حالت دون الاستمرار في الحكم المشترك.
فمن حق المواطن أن يعرف لماذا تعذّر على الأحزاب التي طلبت ثقته أن تتفق على إدارة الدولة، وما القضايا التي اختلفت حولها، وأين انتهت حدود التفاهم بينها. ومن واجب كل حزب أن يشرح موقفه بوضوح، وأن يضع الناخب أمام الحقائق، حتى يتمكن من إعادة تقييم قراره الانتخابي على أساس من الوعي والمعرفة، لا وفق الشعارات أو الحسابات الشخصية.
إن الائتلافات الحزبية ليست غاية في ذاتها، وليست مجرد معادلة حسابية لتجميع المقاعد البرلمانية؛ بل هي شراكة في المسؤولية، واختبار لنضج الفكر السياسي، وقدرة الأحزاب على التوفيق بين هويتها الفكرية ومتطلبات إدارة الدولة.
وفي النهاية، فإن الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرة الأحزاب على تشكيل الحكومات، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف، واحترام إرادة الناخبين، وتحمل المسؤولية عند الفشل، وصون استقرار الدولة ومصالح المجتمع.
فالأوطان لا تُدار بتطابق الأفكار، ولا تُبنى بإلغاء الاختلاف، وإنما تُدار بعقول تدرك أن المصلحة الوطنية أكبر من الأحزاب، وأن المسؤولية تجاه المستقبل أسمى من الحسابات السياسية الآنية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 08:04