أمن المنطقة لا يحتمل أنصاف الحلول: من احتواء أذرع إيران إلى تأمين شرايين الطاقة

مأمون المساد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 07:53
لم يعد تهديد الممرات المائية وخطوط إمداد الطاقة أزمة يمكن احتواؤها بالبيانات الدبلوماسية أو تأجيلها إلى جولة تفاوض جديدة، بل اختباراً لقدرة المنطقة والمجتمع الدولي على حماية الاستقرار الاقتصادي والأمن الإقليمي من الابتزاز المسلح.

فعندما تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط، وتمسي حركة الطاقة رهينة الجماعات المسلحة، تمتد كلفة التردد إلى الأسواق والاقتصادات وحياة الشعوب ،

لذلك، لم يعد التعامل مع جماعة أنصار الله الحوثية وسائر الأذرع المرتبطة بإيران شأناً يمنياً أو خليجياً فحسب، بل قضية أمن إقليمي تتصل بسيادة الدول وحماية مصالحها وممراتها التجارية، فامتلاك هذه الجماعات صواريخ ومسيّرات وقدرتها على تهديد الملاحة يضع المنطقة أمام خيارين: استعادة الدول زمام المبادرة ضمن إطار قانوني وأمني واضح، أو البقاء رهينة دورات التصعيد والاستنزاف.

إن إنهاء قدرة الجماعات المسلحة على تهديد الدول والممرات الحيوية مصلحة إقليمية مشتركة، شريطة أن يتركز الهدف على حماية الدول والمجتمعات، وتفكيك القدرات المستخدمة في الاعتداءات، ومنع توظيف السلاح خارج مؤسسات الدولة. فالمشكلة ليست في الخلافات السياسية، بل في تحويل السلاح إلى أداة لفرض الإرادة وجعل أمن الملاحة والطاقة جزءاً من معادلات الضغط الإقليمي، ويتطلب ذلك الانتقال من إدارة الأزمة إلى منع تكرارها. فالحزم لا يعني الانجرار إلى حرب مفتوحة، والحسم لا يعني استخدام القوة بلا حساب، بل وضوح الأهداف، وتحديد الخطوط الحمراء، وربط التحرك السياسي والأمني بنتائج قابلة للقياس، مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً أمام من يلتزم بقواعد الدولة والقانون الدولي.

تتضح خطورة المشهد حين يوضع أمن الطاقة في قلب المعادلة. فالمضائق البحرية شرايين للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب مستمر في حركة السفن وناقلات النفط والغاز يرفع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة، ويؤثر في سلاسل التوريد وأسعار السلع والخدمات، خصوصاً في الاقتصادات الأقل قدرة على تحمل الأزمات.

كما تدفع المخاطر الشركات إلى تغيير المسارات، وتزيد زمن النقل وكلفته، وترفع عدم اليقين لدى المستثمرين. وهكذا تتحول قدرة جماعة مسلحة على تعطيل الملاحة إلى عبء اقتصادي تتحمله دول وشعوب لا علاقة لها بالصراع، فيما تتراجع فرص التنمية ويصبح الاستقرار رهينة التطورات الأمنية.

لهذا، فإن تأمين المضائق والممرات البحرية مصلحة دولية مشتركة، وقد تكون كلفة منظومة منسقة للردع وحماية الملاحة والدفاع عن السفن أقل من كلفة اضطراب طويل الأمد، بما يشمله من ارتفاع التأمين، وتحويل المسارات، وتقلب الأسواق وتعطل الإمدادات. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات، وتنسيق الجهود البحرية، وتأمين السفن التجارية، ورفع جاهزية الاستجابة، إلى جانب تحرك دبلوماسي يمنع تحويل الممرات الدولية إلى أدوات للمساومة، مع التمييز بين حق الدول في الدفاع عن نفسها واستخدام القوة بما يتجاوز الضرورة والتناسب أو يهدد المدنيين.

اعتقد انه كلما تأخر بناء ترتيبات أمنية مستدامة، اتسعت مساحة المناورة أمام الجماعات المسلحة، وأصبح التصعيد وسيلة لتحسين مواقعها التفاوضية ، وفي المقابل، قد تمنح الردود المتسرعة والأهداف غير المحددة الصراع عمراً أطول وتفتح جبهات جديدة. لذلك، المطلوب حزم استراتيجي لا انفعال لحظي، وحسم للتهديد ضمن أهداف واضحة، لا إعلان حرب بلا أفق سياسي.

وينبغي أن تقوم أي مقاربة سعودية أو عربية أو دولية على حماية السيادة، وصيانة حرية الملاحة، ومنع استهداف الدول والمنشآت المدنية، ووقف تدفق الدعم العسكري، مع توفير مسار سياسي جاد يعيد للدول احتكار السلاح والقرار، كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج مترابط، ما يستدعي رؤية إقليمية تجمع بين الردع والدبلوماسية وتحمي المصالح المشروعة وتتجنب حرباً واسعة.

والخلاصة أن المنطقة لا تستطيع تحمل الاستنزاف إلى ما لا نهاية، والعالم لا يستطيع التعامل مع أمن الطاقة كتفصيل في صراعات الشرق الأوسط. إن إنهاء قدرة الجماعات المسلحة على تهديد الدول والممرات هدف مشروع ضمن القانون الدولي، وتأمين المضائق استثمار في الاستقرار العالمي. ولن يقاس النجاح بحجم القوة المستخدمة، بل بقدرتها على وقف الاعتداءات، وضمان حرية الملاحة، وتقليص فرص تجدد الصراع.

فلا سيادة مكتملة مع سلاح خارج الدولة، ولا استقرار إقليمياً مع تهديد دائم للممرات الحيوية، ولا أمن للطاقة في ظل قابلية التجارة العالمية للابتزاز المسلح. وبين الحزم والحرب المفتوحة مسافة تصنعها الاستراتيجية الرشيدة، وينبغي لدول المنطقة وشركائها تثبيتها قبل أن تتحول كلفة التأخر إلى أزمة يدفع ثمنها الجميع.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 07:53