الإشاعة بين التجريم والتفنيد الحكومي

أ. د. ليث كمال نصراوين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 00:09
شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية تداول معلومات غير صحيحة حول صدور قرار حكومي بزيادة المخصصات المالية لتعليم أبناء الدبلوماسيين الأردنيين في الخارج، سارعت مصادر حكومية إلى نفيها. وقد سبقت هذه الواقعة إشاعات أخرى تتعلق بتأجيل الانتخابات البلدية المقبلة ووقوع حالات متعددة لاختطاف الأطفال، استدعت تدخل الجهات الرسمية لتوضيح الحقائق وتصحيح المعلومات المتداولة بشأنها.

وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة ظاهرة انتشار الإشاعات في المجتمع الأردني، وما تثيره من تساؤلات حول مدى كفاية الحماية القانونية لمواجهتها، وحدود حرية الرأي والتعبير، والمعايير التي ينبغي أن تحكم تدخل الحكومة لنفي الأخبار غير الصحيحة.

فمن الناحية الدستورية، كفلت المادة (15) من الدستور حرية الرأي والتعبير، التي تشمل حق كل أردني في أن يُعبر بحرية عن رأيه في السياسات العامة، وانتقاد القرارات الحكومية، وتداول المعلومات المتعلقة بالشأن العام. إلا أن هذه الحرية لا تعني إباحة نشر الأخبار الكاذبة؛ فهي تمارس ضمن الحدود التي رسمها القانون، ولا تمتد حمايتها إلى اختلاق وقائع غير صحيحة وتقديمها للجمهور باعتبارها حقائق ثابتة، وذلك بنية الإضرار بالمصالح العامة والخاصة التي يحميها القانون.

وفي هذا الإطار، تصدت التشريعات الجزائية لظاهرة نشر الأخبار الكاذبة، وفي مقدمتها قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، الذي عاقب في المادة (15) منه على نشر الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة تتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين. كما أجاز ملاحقة هذه الجرائم من قبل النيابة العامة دون الحاجة إلى تقديم شكوى إذا كانت موجهة إلى إحدى سلطات الدولة أو الهيئات الرسمية أو الإدارات العامة.

ورغم جسامة العقوبات المقررة، فإن استمرار انتشار الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يثير تساؤلات حول فاعلية تطبيق النصوص القانونية وقدرتها على تحقيق الردع المطلوب. فالردع العام والخاص لا يستلزم بالضرورة تشديد العقوبات أو التوسع في التجريم، بقدر ما يتطلب حسن إنفاذ القانون وسرعة الإجراءات القانونية، وصولا إلى إصدار أحكام قضائية بالإدانة متى ثبت ارتكاب الجريمة، بما يعزز مبدأ سيادة القانون ويحد من تكرار هذه الممارسات.

وإلى جانب الحماية القانونية، يبرز دور الحكومة في التصدي للإشاعات وذلك من خلال نفيها وتصحيح المعلومات المتداولة، وهو ما يثير تساؤلا حول المعيار الذي يستوجب التدخل الرسمي عند انتشار أخبار كاذبة أو مضللة من عدمه. فمن جهة، ليس من المنطقي أن تتولى الحكومة الرد على كل خبر غير صحيح، لأن ذلك قد يمنح بعض الإشاعات اهتماما لا تستحقه، ويسهم في توسيع نطاق انتشارها. ومن جهة أخرى، فإن تجاهل الأخبار الكاذبة ذات التأثير الواسع قد يؤدي إلى ترسيخها في أذهان المواطنين وإثارة الشكوك حول معايير النزاهة والشفافية في العمل العام.

ومن هنا، ينبغي أن يستند التدخل الحكومي إلى طبيعة الأخبار المتداولة، ومدى انتشارها، وحجم آثارها المحتملة على المصلحة العامة. فالإشاعات المتعلقة بالأمن الوطني والمساس بالمال العام وحقوق المواطنين تستوجب استجابة رسمية سريعة متى بلغ تأثيرها حدا يستدعي التصحيح. ولا يكفي في هذه الحالات مجرد النفي، بل يجب أن يقترن الرد بتوضيح الوقائع وتقديم المعلومات التي تدحض الإشاعة.

وخلاصة القول، إن مواجهة الإشاعات لا تتطلب بالضرورة تشديد العقوبات أو استحداث نصوص جزائية جديدة، بقدر ما تستلزم التطبيق الفاعل للتشريعات القائمة، مع الحفاظ على الضمانات الدستورية لحرية التعبير. وفي المقابل، فإن مسؤولية الحكومة في نفي الإشاعات ينبغي ألا تتحول إلى التزام بالرد على كل خبر غير صحيح، وإنما ترتبط بمدى انتشار الإشاعة وآثارها على المصلحة العامة. ويبقى توفير المعلومات الصحيحة للرأي العام في الوقت المناسب الوسيلة الأجدى للحد من انتشار الإشاعات وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/13 الساعة 00:09