الأحزاب السياسية والانتخابات البلدية المقبلة

رضوان مصطفى النعسان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 19:58
تشكّل انتخابات المجالس البلدية المقبلة، التي تشمل 104 بلديات في مختلف أنحاء المملكة، محطة مهمة في مسيرة الأحزاب السياسية الأردنية، واختبارا حقيقيا لقدرتها على الانتقال من العمل السياسي والبرلماني إلى ميدان التنمية المحلية، وترجمة برامجها وأفكارها إلى مشاريع عملية تلبي احتياجات المواطنين وتلامس أولوياتهم اليومية.

ويأتي هذا الاستحقاق في سياق مسار التحديث السياسي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ويهدف إلى تعزيز الحياة الحزبية، وتوسيع المشاركة السياسية، وترسيخ العمل البرامجي والمؤسسي، بما يسهم في بناء أحزاب فاعلة وقادرة على تحمل المسؤولية الوطنية، والمشاركة في صنع القرار، وتقديم حلول واقعية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

ومن هنا، فإن الانتخابات البلدية المقبلة تمثل فرصة للأحزاب لترجمة الرؤى الملكية في التحديث السياسي إلى ممارسة عملية على أرض الواقع، من خلال إعداد برامج انتخابية واضحة، واختيار مرشحين يمتلكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المواطنين، بعيدا عن الاكتفاء بالشعارات العامة أو الوعود التي يصعب تنفيذها.

ووفقا للمعطيات المتعلقة بالمشهد الحزبي، استقر عدد الأحزاب الأردنية عند 30 حزبا، بعد مراحل من الاندماج وإعادة التنظيم وحل بعض الكيانات، الأمر الذي يضع هذه الأحزاب أمام مسؤولية مضاعفة لإثبات حضورها في الميدان، وتعزيز ثقة المواطنين بجدوى العمل الحزبي، وقدرته على إحداث تغيير ملموس في واقع الخدمات والتنمية المحلية.

وتواجه الأحزاب السياسية في هذا الاستحقاق مجموعة من التحديات الرئيسية، يأتي في مقدمتها ضرورة فهم متطلبات الإدارة المحلية، وتقديم برامج تنموية تستند إلى احتياجات كل بلدية وإمكاناتها الفعلية، مع التركيز على تحسين الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة الإنفاق، واستثمار الموارد المتاحة، وتشجيع المشاريع الإنتاجية والاستثمارية التي تسهم في توفير فرص العمل.

كما تبرز أهمية اختيار مرشحين يمتلكون الخبرة الإدارية والفنية والقدرة على إعداد الخطط ومتابعة تنفيذها، بحيث تكون الكفاءة والنزاهة وخدمة المجتمع معايير أساسية في عملية الاختيار، إلى جانب القدرة على العمل بروح الفريق والتعاون مع المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بتمويل الحملات الانتخابية، إذ يتطلب الأمر من الأحزاب وضع خطط مالية واقعية وشفافة، وتوفير الدعم التنظيمي والإعلامي للمرشحين، ضمن الأطر القانونية الناظمة للعملية الانتخابية. ومن المتوقع أن تؤثر الإمكانات المالية والتنظيمية في قدرة الأحزاب على الوصول إلى الناخبين، ما يستدعي تعزيز العمل التطوعي، وتوسيع المشاركة الشعبية، والاعتماد على التواصل المباشر والبرامج المقنعة بدلا من الإنفاق وحده.

ويتمثل التحدي الثالث في بناء التحالفات وكسب ثقة الناخبين، خصوصا في المجتمعات المحلية التي تتداخل فيها الاعتبارات الحزبية والعشائرية والاجتماعية. فنجاح الأحزاب لن يتحقق بمجرد تقديم مرشحين يحملون أسماءها، بل بقدرتها على تقديم أشخاص يحظون بالقبول المجتمعي، ويمتلكون سجلا من العمل العام، ويقدمون برامج تستجيب لاحتياجات المواطنين الفعلية.

ومن الطبيعي أن تتفاوت فرص الأحزاب في المنافسة تبعا لانتشارها الجغرافي، وقوة تنظيمها، وقدرتها على استقطاب الكفاءات، وبناء التحالفات، وتوفير الموارد اللازمة. غير أن هذه الفرص لا ينبغي أن تقاس بالقدرة المالية أو الحضور الإعلامي وحدهما، وإنما بمدى واقعية البرامج الانتخابية، ووضوح الأولويات، وقدرة المرشحين على الالتزام بوعودهم ومتابعة تنفيذها.

إن جوهر التحديث السياسي لا يقتصر على زيادة المشاركة الحزبية في الانتخابات، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على البرامج والمساءلة والشفافية، بحيث يصبح الحزب وسيلة فاعلة لخدمة المواطن، وتتحول الانتخابات من منافسة على المواقع إلى تنافس على تقديم الأفضل للمجتمع.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة أن تتضمن البرامج الانتخابية للأحزاب خططا عملية لمعالجة البطالة والفقر وغلاء المعيشة، وتعزيز الاستثمار المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الشباب والمرأة، وتحسين خدمات النقل والنظافة والطرق والإنارة، وتطوير الحدائق والمرافق العامة، وتعزيز التحول الرقمي في الخدمات البلدية، مع مراعاة خصوصية كل منطقة وأولوياتها.

كما ينبغي أن تتضمن هذه البرامج مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز، وأولويات زمنية للتنفيذ، وتقديرات واقعية للكلفة ومصادر التمويل، بما يمكّن المواطنين من متابعة أداء المجالس المنتخبة ومحاسبتها على أساس ما تحقق فعليا، لا على أساس الوعود والشعارات.

ولا بد للأحزاب أن تدرك أن التنمية المحلية مسؤولية تشاركية لا تستطيع البلديات النهوض بها منفردة، بل تتطلب التنسيق مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات والجمعيات التعاونية ومؤسسات المجتمع المدني، وصولا إلى بناء شراكات منتجة تسهم في استثمار المزايا الاقتصادية والسياحية والزراعية لكل محافظة ولواء وبلدة.

وعلى مستوى المحافظات والألوية، ومنها لواء بني عبيد، تبرز الحاجة إلى برامج انتخابية تنطلق من الواقع المحلي، وتحدد أولويات المواطنين بوضوح، وتستثمر الطاقات الشبابية والكفاءات الوطنية، وتدعم المبادرات الإنتاجية، وتعمل على استقطاب الاستثمارات التي توفر فرص العمل وتحد من البطالة، بما يعزز التنمية المتوازنة ويخفف الضغط عن المراكز الحضرية الكبرى.

وفي المحصلة، فإن نجاح الأحزاب الثلاثين في الانتخابات البلدية المقبلة لن يقاس بعدد المرشحين الذين تدفع بهم إلى المنافسة، ولا بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على تقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ، واختيار مرشحين أكفاء، وكسب ثقة المواطنين، وتحويل المجالس البلدية إلى مؤسسات تنموية فاعلة تستجيب لاحتياجات الناس وتعمل من أجل مستقبل أفضل.

إن المرحلة المقبلة تتطلب من الأحزاب ترجمة الرؤى الملكية في التحديث السياسي إلى إنجازات ملموسة، وتعزيز ثقافة المشاركة والمسؤولية الوطنية، وتقديم نموذج حزبي يقوم على العمل المؤسسي والشفافية والمساءلة وخدمة المجتمع. فالمواطن ينتظر حلولا حقيقية لمشكلاته، وفرص عمل لأبنائه، وخدمات أفضل في بلدته، وتنمية يشعر بأثرها في حياته اليومية.

حفظ الله الأردن عزيزا آمنا مستقرا، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ووفقه الله وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، لما فيه خير الوطن والمواطن.

والله ولي التوفيق، ونسأل الله أن يوفق الجميع لخدمة الأردن وقيادته الهاشمية وشعبه الوفي...
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 19:58