الأجندة الخضراء الغائبة عن العمل الحزبي الأردني
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 14:10
وصل مسار التحديث السياسي في الأردن إلى مرحلة أصبح فيها الاختبار المقبل أكثر تعقيداً من مجرد تأسيس الأحزاب أو خوض الانتخابات أو الفوز بالمقاعد النيابية. فالسؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت الأحزاب قادرة على بناء قدرات مؤسسية تمكنها من فهم التحديات الوطنية، وصياغة سياسات موثوقة، والمساهمة بفاعلية في صناعة القرار الوطني.
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الأحزاب الأردنية أكثر تنظيماً وحضوراً. فقد باتت المكاتب السياسية والمجالس المركزية والكتل النيابية والأطر الشبابية والنسائية جزءاً مألوفاً من العمل الحزبي، كما عززت انتخابات 2024 دور الأحزاب في الحياة السياسية. غير أن التنظيم وحده لا يصنع الكفاءة في مجال السياسات. فقد ينجح الحزب في حشد المؤيدين والفوز بالمقاعد، لكنه يظل يفتقر إلى العمق الفني اللازم للتعامل مع قطاعات وطنية معقدة.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في ملفات المياه والطاقة والتغير المناخي والتعدين والتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر. فهذه لم تعد ملفات بيئية ثانوية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني والنمو الاقتصادي وفرص العمل والاستثمار والأمن الغذائي والمالية العامة والسياسة الخارجية.
ويشكل قطاع المياه المثال الأوضح. فلا يكفي أن يدعو الحزب إلى تحسين إدارة المياه أو خفض الفاقد، بل يجب أن يوضح كيف يمكن تحقيق ذلك، وما الكلفة، ومن الجهة المسؤولة، وما الإطار الزمني الواقعي، وكيف ستقاس النتائج. كما يجب أن يمتلك مواقف واضحة تجاه حماية المياه الجوفية والتحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة وإدارة الطلب والاستدامة المالية للقطاع.
وينطبق الأمر نفسه على الطاقة. فمجرد دعم الطاقة المتجددة لم يعد كافياً. الأحزاب بحاجة إلى مواقف مدروسة من استقرار الشبكة الكهربائية، وتخزين الطاقة، وأمن التزود، والتعرفة، والغاز الطبيعي، والربط الإقليمي، وتنافسية الصناعة، والجدوى الاقتصادية للهيدروجين الأخضر.
أما التعدين، فيستحق اهتماماً سياسياً أكبر. فلا ينبغي أن يقتصر النقاش على استخراج الفوسفات والبوتاس والسيليكا والنحاس وغيرها من الموارد الطبيعية، بل يجب أن ينتقل إلى كيفية استخدامها في بناء صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل. والحزب الحديث يجب أن يميز بين تصدير المواد الخام وبين بناء سلاسل قيمة وطنية تحتفظ بجزء أكبر من العائد الاقتصادي داخل الأردن.
ولهذا تحتاج الأحزاب إلى الانتقال من اللجان التقليدية إلى هياكل دائمة لصناعة السياسات. وبدلاً من إنشاء لجنة بيئة عامة أخرى، يمكن تأسيس مجالس للموارد والاستدامة والأمن الاقتصادي، تضم فرقاً متخصصة في المياه والطاقة والمناخ والتعدين والمعادن الحرجة والتمويل الأخضر والاقتصاد الدائري والهيدروجين.
وينبغي أن يكون دور هذه المجالس عملياً. فعليها أن تنتج أوراق سياسات، ومقترحات تشريعية، وبدائل محسوبة الكلفة، وتقييمات قطاعية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. كما يجب أن تتشاور مع المؤسسات الحكومية والجامعات والنقابات المهنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والخبراء المستقلين، بهدف خلق عمل سياساتي مستمر بين الانتخابات، لا مجرد وعود عامة قبيل الاقتراع.
كما ينبغي للأحزاب أن تنفتح أكثر على الخبرات من خارج عضويتها. فالأردن يملك مهندسين واقتصاديين وأكاديميين ومسؤولين سابقين ورواد أعمال ومتخصصين يمكنهم المساهمة في صياغة السياسات الوطنية من دون أن يكونوا أعضاء حزبيين. والحزب القوي هو الذي يبني شبكات استشارية تسمح لهذه الخبرات بالتأثير في مواقفه وبرامجه.
أما مشاركة الشباب فتحتاج إلى إعادة تصميم. فكثير من الشباب الأردني يهتم بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وريادة الأعمال والابتكار المناخي والشركات الناشئة أكثر من اهتمامه باللغة السياسية التقليدية. ولذلك ينبغي أن تدعوهم الأحزاب إلى حل المشكلات الوطنية لا إلى حضور الاجتماعات فقط. ويمكن لمسابقات جامعية حول فاقد المياه أو تخزين الطاقة أو إدارة النفايات أو البنية التحتية الذكية أو التكيف المناخي أن تساعد في اكتشاف قيادات سياسية وفنية جديدة.
ويحتاج تمكين المرأة إلى التطور ذاته. فالتمثيل مهم، لكن التمكين الحقيقي يعني وضع النساء في مواقع قيادية في ملفات المياه والطاقة والمناخ والتمويل والسياسات الاقتصادية. ولا ينبغي قياس المشاركة بعدد العضوات فقط، بل بعدد النساء اللواتي يقدن ملفات مؤثرة ويسهمن في صناعة القرار.
ومن الخطوات المهمة أيضاً إنشاء مدارس داخلية للسياسات العامة. فالأحزاب بحاجة إلى كوادر قادرة على قراءة الموازنات، وتقييم المشاريع الكبرى، وفهم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإجراء تقييمات الأثر التنظيمي، وصياغة التشريعات، وتحليل مخاطر التنفيذ. وهذه مهارات أساسية لرفع كفاءة العمل النيابي والرقابي والمساهمة الجادة في النقاش الوطني.
ومن شأن ذلك أن يرفع أيضاً مستوى المنافسة السياسية. فبدلاً من التنافس بالشعارات والشخصيات، يمكن تقييم الأحزاب على أساس جودة الحلول: أي حزب يملك أفضل خطة للأمن المائي؟ ومن يقدم الاستراتيجية الأكثر واقعية للطاقة؟ ومن يفهم سلاسل القيمة التعدينية؟ ومن لديه برنامج جاد للوظائف الخضراء والمرونة المناخية؟
لقد حقق الأردن تقدماً مهماً في بناء الهياكل الحزبية، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على بناء القدرة على صناعة السياسات. فالحزب الذي يستثمر اليوم في المعرفة والخبراء والشباب والمرأة وتطوير السياسات القطاعية سيكون أكثر قدرة على أداء دوره النيابي بفاعلية، وأكثر إسهاماً في التعامل مع الأولويات الوطنية.
وقد يتحدد مستقبل المنافسة الحزبية في الأردن بدرجة أقل بمن يرفع صوته أكثر، وبدرجة أكبر بمن يستطيع تقديم الإجابة الأكثر إقناعاً عن السؤال الوطني الأصعب: كيف يمكن لدولة محدودة الموارد أن تحمي ما لديها، وتخلق قيمة اقتصادية أكبر من مواردها الطبيعية، وتبني مستقبلاً أكثر مرونة واستدامة؟
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الأحزاب الأردنية أكثر تنظيماً وحضوراً. فقد باتت المكاتب السياسية والمجالس المركزية والكتل النيابية والأطر الشبابية والنسائية جزءاً مألوفاً من العمل الحزبي، كما عززت انتخابات 2024 دور الأحزاب في الحياة السياسية. غير أن التنظيم وحده لا يصنع الكفاءة في مجال السياسات. فقد ينجح الحزب في حشد المؤيدين والفوز بالمقاعد، لكنه يظل يفتقر إلى العمق الفني اللازم للتعامل مع قطاعات وطنية معقدة.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في ملفات المياه والطاقة والتغير المناخي والتعدين والتنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر. فهذه لم تعد ملفات بيئية ثانوية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني والنمو الاقتصادي وفرص العمل والاستثمار والأمن الغذائي والمالية العامة والسياسة الخارجية.
ويشكل قطاع المياه المثال الأوضح. فلا يكفي أن يدعو الحزب إلى تحسين إدارة المياه أو خفض الفاقد، بل يجب أن يوضح كيف يمكن تحقيق ذلك، وما الكلفة، ومن الجهة المسؤولة، وما الإطار الزمني الواقعي، وكيف ستقاس النتائج. كما يجب أن يمتلك مواقف واضحة تجاه حماية المياه الجوفية والتحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة وإدارة الطلب والاستدامة المالية للقطاع.
وينطبق الأمر نفسه على الطاقة. فمجرد دعم الطاقة المتجددة لم يعد كافياً. الأحزاب بحاجة إلى مواقف مدروسة من استقرار الشبكة الكهربائية، وتخزين الطاقة، وأمن التزود، والتعرفة، والغاز الطبيعي، والربط الإقليمي، وتنافسية الصناعة، والجدوى الاقتصادية للهيدروجين الأخضر.
أما التعدين، فيستحق اهتماماً سياسياً أكبر. فلا ينبغي أن يقتصر النقاش على استخراج الفوسفات والبوتاس والسيليكا والنحاس وغيرها من الموارد الطبيعية، بل يجب أن ينتقل إلى كيفية استخدامها في بناء صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة أعلى، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل. والحزب الحديث يجب أن يميز بين تصدير المواد الخام وبين بناء سلاسل قيمة وطنية تحتفظ بجزء أكبر من العائد الاقتصادي داخل الأردن.
ولهذا تحتاج الأحزاب إلى الانتقال من اللجان التقليدية إلى هياكل دائمة لصناعة السياسات. وبدلاً من إنشاء لجنة بيئة عامة أخرى، يمكن تأسيس مجالس للموارد والاستدامة والأمن الاقتصادي، تضم فرقاً متخصصة في المياه والطاقة والمناخ والتعدين والمعادن الحرجة والتمويل الأخضر والاقتصاد الدائري والهيدروجين.
وينبغي أن يكون دور هذه المجالس عملياً. فعليها أن تنتج أوراق سياسات، ومقترحات تشريعية، وبدائل محسوبة الكلفة، وتقييمات قطاعية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس. كما يجب أن تتشاور مع المؤسسات الحكومية والجامعات والنقابات المهنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والخبراء المستقلين، بهدف خلق عمل سياساتي مستمر بين الانتخابات، لا مجرد وعود عامة قبيل الاقتراع.
كما ينبغي للأحزاب أن تنفتح أكثر على الخبرات من خارج عضويتها. فالأردن يملك مهندسين واقتصاديين وأكاديميين ومسؤولين سابقين ورواد أعمال ومتخصصين يمكنهم المساهمة في صياغة السياسات الوطنية من دون أن يكونوا أعضاء حزبيين. والحزب القوي هو الذي يبني شبكات استشارية تسمح لهذه الخبرات بالتأثير في مواقفه وبرامجه.
أما مشاركة الشباب فتحتاج إلى إعادة تصميم. فكثير من الشباب الأردني يهتم بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وريادة الأعمال والابتكار المناخي والشركات الناشئة أكثر من اهتمامه باللغة السياسية التقليدية. ولذلك ينبغي أن تدعوهم الأحزاب إلى حل المشكلات الوطنية لا إلى حضور الاجتماعات فقط. ويمكن لمسابقات جامعية حول فاقد المياه أو تخزين الطاقة أو إدارة النفايات أو البنية التحتية الذكية أو التكيف المناخي أن تساعد في اكتشاف قيادات سياسية وفنية جديدة.
ويحتاج تمكين المرأة إلى التطور ذاته. فالتمثيل مهم، لكن التمكين الحقيقي يعني وضع النساء في مواقع قيادية في ملفات المياه والطاقة والمناخ والتمويل والسياسات الاقتصادية. ولا ينبغي قياس المشاركة بعدد العضوات فقط، بل بعدد النساء اللواتي يقدن ملفات مؤثرة ويسهمن في صناعة القرار.
ومن الخطوات المهمة أيضاً إنشاء مدارس داخلية للسياسات العامة. فالأحزاب بحاجة إلى كوادر قادرة على قراءة الموازنات، وتقييم المشاريع الكبرى، وفهم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإجراء تقييمات الأثر التنظيمي، وصياغة التشريعات، وتحليل مخاطر التنفيذ. وهذه مهارات أساسية لرفع كفاءة العمل النيابي والرقابي والمساهمة الجادة في النقاش الوطني.
ومن شأن ذلك أن يرفع أيضاً مستوى المنافسة السياسية. فبدلاً من التنافس بالشعارات والشخصيات، يمكن تقييم الأحزاب على أساس جودة الحلول: أي حزب يملك أفضل خطة للأمن المائي؟ ومن يقدم الاستراتيجية الأكثر واقعية للطاقة؟ ومن يفهم سلاسل القيمة التعدينية؟ ومن لديه برنامج جاد للوظائف الخضراء والمرونة المناخية؟
لقد حقق الأردن تقدماً مهماً في بناء الهياكل الحزبية، لكن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على بناء القدرة على صناعة السياسات. فالحزب الذي يستثمر اليوم في المعرفة والخبراء والشباب والمرأة وتطوير السياسات القطاعية سيكون أكثر قدرة على أداء دوره النيابي بفاعلية، وأكثر إسهاماً في التعامل مع الأولويات الوطنية.
وقد يتحدد مستقبل المنافسة الحزبية في الأردن بدرجة أقل بمن يرفع صوته أكثر، وبدرجة أكبر بمن يستطيع تقديم الإجابة الأكثر إقناعاً عن السؤال الوطني الأصعب: كيف يمكن لدولة محدودة الموارد أن تحمي ما لديها، وتخلق قيمة اقتصادية أكبر من مواردها الطبيعية، وتبني مستقبلاً أكثر مرونة واستدامة؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 14:10