صورة إيران في الوعي العربي.. حين تتحول صناعة العدو إلى سلاح، وحين يفشل التشويه في احتكار الحقيقة

مؤيد المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 08:47
ليست كل الحروب التي تُخاض ضد الدول تبدأ بالصواريخ، وليست كل المعارك التي تنتهي بالهزيمة تُحسم في الميدان. ثمة حروب تسبق القصف بسنوات، تبدأ من الشاشة، وتعبر المنبر، وتستقر في العقل الجمعي، حتى يصبح العدو في الوعي العام أكثر خطورة من صورته في الواقع، وتصبح الحرب عليه مطلباً شعبياً قبل أن تكون قراراً سياسياً.

هنا تحديداً تبدأ الحرب الناعمة: حين لا يعود المطلوب إقناع الناس بأن الخصم مخطئ، بل إقناعهم بأنه شرٌّ مطلق لا يستحق أن يُفهم، ولا يجوز أن يُناقش، ولا يمكن أن تكون له رواية تستحق الاستماع.

وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن فهم الصراع الإقليمي بمجرد النظر إلى الصواريخ والبرنامج النووي والتحالفات العسكرية. ثمة صراع آخر يدور على صورة إيران في الوعي العربي والدولي، وعلى من يملك حق تعريف الخطر، وتحديد العدو، ورسم الحدود بين ما يُسمح للجمهور بتصديقه وما يُراد له أن يرفضه مسبقاً.

لكن السؤال الذي يستحق المواجهة ليس ما إذا كانت إيران بريئة من أخطاء سياساتها وتدخلاتها الإقليمية؛ فهي ليست كذلك بالضرورة، ولا يجوز إعفاؤها من المساءلة. السؤال هو: هل تكفي شيطنة إيران لعزلها، وهل نجحت هذه الاستراتيجية في كسب عقول العرب، أم أنها دفعت طهران إلى بناء رواية مضادة أعادت خلط الأوراق؟

أولاً: كيف يُصنع العدو قبل أن تبدأ الحرب؟

في الحروب التقليدية، يُراد تدمير قدرات الخصم. أما في الحرب الناعمة، فيُراد أحياناً تدمير شرعيته في الوعي العام، بحيث تصبح مواجهته مقبولة، وتصبح كلفة الحرب عليه أقل في الحسابات السياسية، ويُنظر إلى كل إجراء ضده بوصفه دفاعاً مشروعاً عن النفس.

تعمل هذه العملية عبر أدوات متداخلة: إعلام ينتقي الوقائع ويكررها، وخطاب ديني أو مذهبي يحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة هوياتية، ومراكز تأثير تروّج لتفسيرات محددة للأحداث، ومنصات رقمية تضخم المخاوف وتعيد إنتاج الرسائل ذاتها بأشكال مختلفة.

وعندما تتضافر هذه الأدوات، يمكن أن تتشكل لدى الجمهور صورة متكاملة عن الخصم، لا من خلال معرفة سياساته وتفكيك قراراته، بل من خلال سلسلة متراكمة من الانطباعات والمخاوف والاتهامات.

وقد يصبح الهدف أوسع من إقناع الناس بأن إيران تشكل تهديداً؛ إذ قد يمتد إلى منعهم من رؤية أي تناقض في سياسات خصومها، أو من مساءلة القوى التي تتصدر مواجهتها، أو من التمييز بين المصالح الوطنية الحقيقية والمصالح التي يجري تسويقها تحت عنوان حماية الأمن والاستقرار.

ومع ذلك، لا يجوز تحويل هذا التحليل إلى نظرية مؤامرة شاملة. فوجود خطاب معادٍ لإيران لا يثبت وحده أنه عملية استخبارية موحدة، كما أن الانتقادات الموجهة إلى طهران ليست جميعها دعاية؛ بعضها يستند إلى مخاوف أمنية وسياسات إيرانية فعلية. إثبات التنسيق الاستخباري يحتاج إلى أدلة مستقلة على التمويل والتوجيه والتنظيم.

إن الخطأ الأكبر هو أن نخلط بين نقد إيران وشيطنتها، كما نخلط أحياناً بين نقد خصومها وتبرئتهم. فالحقيقة لا تُقاس بهوية من يتحدث عنها، بل بقدرة الوقائع على إثباتها.

ثانياً: إيران لم تقف متفرجة.. بل دخلت معركة الرواية:

أدركت طهران أن امتلاك القوة العسكرية لا يكفي إذا كان الخصم يملك القدرة على تعريف هذه القوة باعتبارها تهديداً، بينما تُقدَّم قوته هو باعتبارها حماية للاستقرار.

لذلك بنت إيران أدوات إعلامية عابرة للحدود، من بينها قناة «العالم» الناطقة بالعربية، وعملت على تسويق رواية سياسية مضادة تقوم على مواجهة الهيمنة الأمريكية، ورفض السياسات الإسرائيلية، ودعم القضية الفلسطينية، وتقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية ترفض الخضوع للنظام الذي تقوده واشنطن وحلفاؤها.

لم يكن الأمر مجرد نقل للأخبار، بل منافسة على تفسيرها: من بدأ التصعيد؟ من يملك حق الدفاع عن نفسه؟ من يحدد مفهوم الأمن الإقليمي؟ وهل تُطبّق القواعد الدولية على الجميع بالمعيار نفسه؟

وإلى جانب الإعلام، استخدمت إيران علاقاتها الإقليمية وشبكات حلفائها وقنواتها الدبلوماسية لتعزيز حضورها السياسي، وتوسيع قدرتها على التأثير في الملفات الإقليمية.

لكن هذه الأدوات ليست كلها من جنس واحد؛ فالإعلام والدبلوماسية من أدوات القوة الناعمة، بينما يدخل دعم الجماعات المسلحة والقدرات العسكرية في نطاق القوة الصلبة أو المركبة. والخلط بينها يُفقد التحليل دقته.

كما أن إيران نفسها مارست التأثير المعلوماتي، وواجهت اتهامات موثقة بعمليات تأثير رقمية منسقة. وقد رصدت دراسات متخصصة أن بعض أنشطة التأثير المنسوبة إليها لم تحقق بالضرورة انتشاراً واسعاً أو قدرة حاسمة على تغيير اتجاهات الجمهور العربي. وهذا يعني أن امتلاك أدوات الدعاية لا يساوي امتلاك العقول.

إذن، لم تكن طهران مجرد ضحية لحرب الروايات، بل كانت أيضاً طرفاً فاعلاً فيها، يحاول كسر احتكار خصومه لتفسير الأحداث، وتوظيف المظالم الإقليمية لتعزيز موقعه.

ثالثاً: غزة.. اللحظة التي اختبرت صدقية الروايات:

إذا كانت هناك قضية كشفت حدود الخطاب السياسي والإعلامي في المنطقة، فهي القضية الفلسطينية، ولا سيما الحرب على غزة.

لقد أعادت مشاهد الدمار والضحايا والأسئلة المتعلقة بمواقف الدول والقوى الإقليمية ترتيب أولويات قطاعات من الرأي العام العربي. وفي هذا السياق، استفادت إيران سياسياً من خطاب دعم فلسطين، ومن قدرتها على تقديم نفسها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن الأهم أن هذه القضية كشفت أن الجمهور العربي ليس كتلة واحدة يسهل توجيهها، وأن الموقف من دولة ما قد يتغير بحسب القضية التي يجري تقييمها، حتى من دون أن تتغير جميع المواقف تجاه سياساتها.

وتقدم نتائج الباروميتر العربي المنشورة في 27 نيسان 2026، استناداً إلى استطلاعات أُجريت في خريف 2025، مثالاً دالاً على ذلك. فقد أظهرت ارتفاعاً في تأييد السياسات الخارجية للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في عدد من البلدان العربية، بالتوازي مع بقاء مخاوف واسعة من البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي. وفي الأردن، لم يسجل التغير في النظرة الإيجابية العامة إلى إيران ارتفاعاً يتجاوز بوضوح هامش الخطأ، بينما ظل القلق من برنامجها النووي مرتفعاً.

وهنا تكمن الدلالة: لم يتحول الجمهور العربي فجأة إلى جمهور مؤيد لإيران، لكنه أصبح أكثر استعداداً لدى بعض فئاته للفصل بين سياساتها المختلفة، وبين موقفها من فلسطين وموقفها من قضايا أخرى.

لقد استطاعت إيران استثمار القضية الفلسطينية لتحدي بعض الصور السلبية المسبقة، لكن هذا لا يعني أنها محَت تلك الصور، ولا أن الجمهور منحها تفويضاً مفتوحاً في سياساتها الإقليمية.

فالقضية الفلسطينية قد تمنح إيران رصيداً سياسياً، لكنها لا تمنحها صك براءة من كل ما تفعله.

وهذه هي النقطة التي يعجز الخطاب الدعائي، أياً كان مصدره، عن استيعابها: يستطيع الجمهور أن يرفض الاحتلال، وينتقد ازدواجية المعايير الدولية، ويقدّر موقفاً إيرانياً محدداً، وفي الوقت نفسه يعارض التدخلات الإيرانية في الدول العربية ويخشى تداعيات برنامجها النووي.

ليس في ذلك تناقض؛ بل هو دليل على أن الوعي العام أكثر تعقيداً من القوالب التي تحاول الدعاية حبسه فيها.

رابعاً: هل نجحت شيطنة إيران أم فشلت؟

الإجابة الجادة لا تحتمل حكماً مطلقاً.

إذا كان الهدف هو بناء مخاوف عربية من النفوذ الإيراني والبرنامج النووي والتدخلات الإقليمية، فقد حققت الروايات المناوئة لطهران حضوراً ملموساً، ولم تستطع إيران محو هذه المخاوف من الوعي العام.

أما إذا كان الهدف هو احتكار تفسير إيران، ومنع أي تعاطف مع مواقفها في القضية الفلسطينية، وتحويل كل فعل إيراني إلى دليل إضافي على الشر المطلق، فقد واجهت هذه المحاولة حدوداً واضحة.

لقد أظهرت التحولات في الرأي العام أن صورة إيران ليست ثابتة، وأن أحداثاً كبرى تستطيع إعادة فتح ملفات اعتقد البعض أنها حُسمت إعلامياً. كما أظهرت أن الرأي العام يمكن أن يميز بين الدولة وسياساتها المختلفة، وبين خطابها السياسي ونتائج أفعالها.

ومع ذلك، فإن تغيير الانطباع عن موقف معين لا يعني بالضرورة تغيير الموقف من الدولة ككل. وهذا فارق أساسي في قياس نجاح الحرب الناعمة.

نجاح إيران الأهم ليس أنها جعلت الجميع يحبونها، بل أنها لم تترك خصومها يحتكرون وحدهم تعريفها. ونجاح خصومها ليس أنهم أقنعوا الجميع برفضها، بل أنهم أبقوا مخاوف حقيقية من سياساتها حاضرة في الحسابات العربية.

كلا الطرفين حقق مكاسب في بعض المساحات، وكلاهما اصطدم بحدود أدواته. والحكم على النتائج يحتاج إلى النظر في الرأي العام، والسياسات الحكومية، والوقائع الميدانية، وليس الاكتفاء بعدد المتابعين أو حجم الضجيج الإعلامي.

خامساً: المفارقة.. حين يتحول التشويه إلى دعاية مجانية للخصم:

ثمة خطأ استراتيجي يقع فيه من يعتقد أن تكرار الاتهامات كفيل وحده بإنتاج الحقيقة في الوعي العام.

فحين تتعارض الرسائل الإعلامية مع مشاهد يراها الناس بأعينهم، أو مع وقائع يستطيعون التحقق منها، قد يفقد الخطاب المبالغ فيه جزءاً من صدقيته. وعندما يُطلب من الجمهور إدانة طرف بصورة مطلقة، بينما يرى ازدواجية في المعايير عند تقييم الأطراف الأخرى، فإنه قد يبدأ بمراجعة الرواية برمتها، حتى لو ظل معارضاً لسياسات الطرف المستهدف.

وهنا قد ترتد الشيطنة على أصحابها: بدلاً من عزل الخصم تماماً، تمنحه فرصة لتقديم نفسه بوصفه ضحية استهداف، وتساعده على تعبئة أنصاره، واستثمار أخطاء خصومه، وتوسيع المسافة بين الجمهور ومصادر الخطاب الذي يهاجمه.

لكن ذلك ليس قانوناً حتمياً؛ فالدعاية المضللة قد تنجح أيضاً، ولا سيما عندما تستند إلى مخاوف موجودة فعلاً أو عندما تهيمن على بيئة إعلامية مغلقة.

ولهذا فإن الخلاصة ليست أن كل حملة ضد إيران ستفشل، بل أن المبالغة في صناعة العدو قد تمنح الخصم فرصة لم يكن ليحصل عليها لو تُركت الوقائع تتحدث بوضوح.

سادساً: ماذا نتعلم عربياً من هذه التجربة؟

الدرس الأول أن الأمن القومي لا يُبنى على الكراهية وحدها. فالدول التي تواجه مخاطر حقيقية تحتاج إلى معلومات دقيقة، وتقدير للمصالح، وقدرة على التمييز بين التهديد الفعلي والتهديد الذي يجري تضخيمه لخدمة أجندة سياسية.

والدرس الثاني أن الإعلام ليس مجرد ناقل للصراع، بل أحد ميادينه. لكن مواجهة الدعاية لا تكون بدعاية مضادة تكرر الأساليب ذاتها، وإنما بإعلام مهني يتيح تعدد المصادر، ويفصل بين الخبر والرأي، ويكشف التلاعب أينما وُجد.

والدرس الثالث أن الخطاب الديني لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإلغاء السياسة وتحويل الخلافات الإقليمية إلى حروب مذهبية مفتوحة. فالاختلاف المذهبي لا يبرر التدخل في شؤون الدول، كما أن رفض التدخل الإيراني لا يبرر استهداف المجتمعات أو التحريض على طوائفها.

والدرس الرابع أن القضية الفلسطينية لا يجوز اختزالها في صراع النفوذ بين إيران وخصومها. فالفلسطينيون ليسوا أوراقاً في لعبة إقليمية، وحقوقهم ليست ملكاً لدولة حتى تحتكر الحديث باسمهم، ولا ينبغي أن تصبح معاناتهم وسيلة لتبرئة أي طرف من مسؤولياته.

والدرس الخامس أن على الدول العربية أن تمتلك روايتها المستقلة. لا يكفي أن ترفض الرواية الإيرانية، كما لا يكفي أن ترفض الرواية الأمريكية أو الإسرائيلية؛ بل عليها أن تحدد مصالحها وأولوياتها انطلاقاً من أمن شعوبها وسيادتها وحقوقها، وأن تخضع سياسات جميع الأطراف للمعايير ذاتها.

والدرس السادس، وهو الأهم، أن الوعي لا يُحمى بمنع الأسئلة، بل بتوفير المعلومات التي تسمح بالإجابة عنها. فالمواطن الذي يمتلك القدرة على التحقق والمقارنة أقل عرضة للتضليل من مواطن يُطلب منه أن يصدق رواية واحدة وأن يعتبر كل رواية أخرى خيانة أو مؤامرة.

أخيراً: لا تجعلوا العدو يفكر نيابة عنكم:

المشكلة ليست في أن ننتقد إيران، ولا في أن نرفض سياساتها عندما تتعارض مع مصالح العرب. المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن التفكير المستقل، ونستبدل التحليل بالتلقين، ونمنح أي قوة إقليمية أو دولية حق تحديد من نكره، ومن نخاف، ومن نعتبره حليفاً أو عدواً.

إيران ليست ملاكاً سياسياً، وخصومها ليسوا جميعاً أدوات لمؤامرة واحدة. لكن تحويلها إلى شر مطلق لا يعفينا من فحص الوقائع، كما أن تحويلها إلى رمز للمقاومة لا يعفينا من مساءلتها عن تدخلاتها ونتائج سياساتها.

إن أخطر ما في الحرب الناعمة ليس أن ينجح الآخرون في إقناعنا بروايتهم، بل أن نفقد القدرة على اختبار الروايات جميعها.

فالدول لا تُحمى بالشعارات، ولا تُبنى السيادة بترديد ما يقوله الآخرون، ولا يتحقق الأمن حين يتحول الإعلام إلى محكمة تصدر أحكامها قبل فحص الأدلة.

لسنا مطالبين بتأييد إيران حتى نرفض شيطنتها، ولسنا مطالبين بتبرئة خصومها حتى ننتقد سياساتها. نحن مطالبون فقط بألا نسمح لأحد بأن يصادر عقولنا باسم الخوف، أو أن يحوّل قضايانا إلى أدوات في معاركه الخاصة.

فحين يصبح التفكير جريمة، والسؤال خيانة، والتحقق ترفاً، تكون الحرب الناعمة قد حققت أخطر انتصاراتها: لم تعد بحاجة إلى إقناعنا بشيء؛ لقد نجحت في جعلنا نفكر بالطريقة التي تريدها.

وهذا، قبل الصواريخ والعقوبات والتحالفات، هو الميدان الذي يستحق أن نخوض معركتنا فيه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 08:47