أمن الأردن في معادلة التصعيد الإقليمي

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/11 الساعة 10:01
لم يعد كافياً أن يكون الأردن خارج المواجهات العسكرية حتى يبقى مجاله الجوي ومنشآته المدنية خارج دائرة الخطر. فالهجمات العدائية الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي في الرياض بالسعودية تفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بأمن الطيران المدني الأردني، في ظل تصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة واتساع نطاق العمليات العسكرية في المنطقة. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يتصدر الحسابات الأمنية الأردنية: هل تستطيع الدولة تحييد مجالها الجوي ومنشآتها الحيوية عن تداعيات صراعات إقليمية لا تشارك فيها، أم أن طبيعة التهديدات الجديدة باتت تفرض عليها التعامل مع أخطار تتجاوز حدود الحياد السياسي والجغرافيا الوطنية؟

والأمر لا يتعلق باحتمال تعرض مطار أردني لهجوم مماثل، إذ لا توجد معطيات معلنة تثبت وجود مثل هذا التوجه، وإنما بطبيعة المخاطر التي أصبحت ترافق العمليات العسكرية في المنطقة. فالصواريخ والمسيّرات وعمليات اعتراضها لا تتوقف آثارها بالضرورة عند حدود الدول المتحاربة. وقد تتسبب في تعطيل حركة الطيران، أو فرض قيود على المجال الجوي، أو تعريض منشآت مدنية لأضرار غير مقصودة. وهذا تحديداً ما يجعل تداعيات التصعيد الإقليمي شأناً يستحق المتابعة الأردنية الدقيقة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى موقع الأردن بين عدة ساحات توتر إقليمية. فالتطورات العسكرية في سوريا والعراق وإسرائيل وإيران وشبه الجزيرة العربية قد تتقاطع آثارها في المجال الجوي المحيط بالأردن. ومن هنا، فإن تقييم المخاطر لا ينبغي أن ينحصر في احتمالات الهجوم المباشر، بل يجب أن يشمل مسارات العمليات العسكرية، واحتمالات عبور المقذوفات، وسقوط مخلفات الاعتراض، والتشويش على أنظمة الملاحة الجوية. والأردن يمتلك خبرة مؤسسية مهمة في التعامل مع مثل هذه الظروف، لكن طبيعة التهديدات المتغيرة تفرض تحديث التقديرات بصورة مستمرة.

ومن الضروري هنا التمييز بين القدرة العسكرية والنية السياسية. فامتلاك جماعة مسلحة وسائل هجومية بعيدة المدى لا يعني بالضرورة وجود قرار باستخدامها ضد الأردن. كما أن استهداف منشآت مدنية في دول أخرى لا يشكل دليلاً على انتقال التهديد تلقائياً إلى الأردن. غير أن التقدير الأمني الرصين لا ينتظر إعلان النوايا العدائية، وإنما يدرس التحولات في السلوك العسكري، واتساع النطاق الجغرافي للعمليات، وطبيعة الرسائل السياسية المصاحبة لها. ولذلك فإن غياب التهديد المباشر لا يلغي ضرورة الاستعداد لآثاره المحتملة.

أما البعد الإيراني، فلا يمكن تجاهله عند قراءة التحولات الأمنية في المنطقة، لكن التعامل معه يتطلب قدراً عالياً من الدقة السياسية والتحليلية. فالعلاقة بين طهران والحوثيين تشكل أحد عناصر التوازنات الإقليمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود توجيه إيراني مباشر لكل عملية عسكرية تنفذها الجماعة. ومن منظور المصالح الأردنية، لا تكمن الأولوية في تحديد الجهة المستفيدة سياسياً من التصعيد بقدر ما تكمن في فهم الكيفية التي يمكن أن تنتقل بها تداعياته إلى المجال الجوي الأردني والمنشآت المدنية. فالمخاطر على الأردن لا ترتبط حصراً بهوية الطرف الذي يتخذ قرار التصعيد، وإنما باتساع نطاق المواجهة وتداخل مساراتها العسكرية مع حركة الطيران المدني. ولذلك فإن القراءة الأردنية الأكثر اتزاناً تقوم على متابعة سلوك الأطراف كافة، والتمييز بين التهديدات المثبتة والاحتمالات النظرية، بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة التي قد تربك تقدير المخاطر أو تمنح التطورات أبعاداً لا تؤكدها الوقائع.

وتبرز هنا مسألة لا تقل أهمية عن التهديد العسكري، وهي ثقة شركات الطيران الدولية. فقرارات تشغيل الرحلات لا تخضع حصراً للتقييمات الأمنية الوطنية، بل تتأثر أيضاً بتقديرات شركات الطيران وهيئات السلامة الدولية وشركات التأمين. وقد يؤدي ارتفاع مستوى التحذيرات الإقليمية إلى تعديل المسارات أو تعليق بعض الرحلات، حتى عندما تستمر المطارات الأردنية بالعمل بصورة طبيعية. وهذا يعني أن المحافظة على مكانة الأردن مركزاً آمناً للنقل الجوي تتطلب إدارة مستمرة للمخاطر، وتواصلاً مهنياً وشفافاً مع الشركاء الدوليين.

أما المنشآت المدنية الأردنية، فإن حمايتها يجب أن تقوم على مفهوم أوسع من الحماية المادية المباشرة. فالمطارات والمستشفيات ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات والنقل تشكل منظومة مترابطة، وأي اضطراب في أحد مكوناتها قد ينتقل سريعاً إلى القطاعات الأخرى. ولذلك فإن استمرارية الخدمات أثناء الأزمات أصبحت معياراً أساسياً لقياس الجاهزية الوطنية. ولا يتعلق الأمر بتوقع هجوم على منشأة محددة، وإنما بضمان قدرة الدولة على إدارة الظروف الاستثنائية والمحافظة على الخدمات الحيوية.

سياسياً، يمتلك الأردن مصلحة استراتيجية واضحة في منع انتقال المواجهات الإقليمية إلى أراضيه ومجاله الجوي، مع المحافظة على علاقاته الوثيقة مع شركائه الإقليميين والدوليين. وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية لأن أمن الطيران المدني لا يمكن فصله عن أمن المنطقة بأكملها. ومن هنا، فإن تعزيز التنسيق الفني والأمني الإقليمي، وتبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر الجوية، وتطوير آليات الاستجابة المشتركة، تمثل أولويات عملية لحماية المصالح الوطنية.

وعملياً، تستدعي هذه التطورات تكليف هيئة تنظيم الطيران المدني، بالتنسيق مع القوات المسلحة الأردنية والجهات الأمنية المختصة، بإجراء مراجعة عاجلة لتقييم المخاطر الجوية وتحديث إجراءات التعامل مع الطوارئ. كما ينبغي إلزام مشغلي المطارات بمراجعة خطط استمرارية العمل، واختبار جاهزية أنظمة الطاقة والاتصالات البديلة، وتنفيذ تمارين مشتركة تحاكي الإغلاق المفاجئ للمجال الجوي وتحويل الرحلات. ومن الضروري أيضاً أن يتولى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات تنسيق مراجعة خطط الطوارئ في المنشآت المدنية الحيوية، مع تحديد مسؤوليات واضحة ومواعيد زمنية للتنفيذ، وإجراء تقييم دوري لنتائج اختبارات الجاهزية. وعلى المستوى الدولي، ينبغي تعزيز التواصل المباشر مع شركات الطيران وهيئات السلامة الجوية لضمان سرعة تبادل التحذيرات والمحافظة على انتظام الرحلات وثقة الناقلات الدولية.

يبقى ما هو معروف ومعلوم للجميع ألا وهو أن أمن الأردن وسيادته واستقراره أولوية وطنية ثابتة، وهذا بطبيعة الحال ما تشكله القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بما تتمتع به من كفاءة واحترافية وخبرة في التعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية، وهو ركيزة أساسية في حماية الوطن ومجاله الجوي، وتحظى هذه المؤسسة العريقة بثقة الأردنيين جميعاً وتقديرهم. وهذه رسالة ينبغي أن تصل إلى العالم: أن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية، يمتلك الجاهزية والقدرة على حماية منشآته الحيوية واستثماراته، والحفاظ على أمنه واستقراره رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة به.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/11 الساعة 10:01