الذكاء الاصطناعي.. من التكنولوجيا إلى أداة للأمن الوطني الأردني
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/11 الساعة 09:09
لم يعد الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا للمستقبل أو أداة تقتصر على القطاعات الرقمية، بل أصبح وسيلة أساسية لإعادة التفكير في كيفية إدارة الموارد واتخاذ القرارات ومواجهة التحديات المتزايدة. وفي الأردن، تكتسب هذه التكنولوجيا أهمية خاصة، ليس باعتبارها مجالاً تقنياً جديداً فحسب، وإنما باعتبارها أداة يمكن توظيفها في التعامل مع ملفات تمس الأمن الوطني والتنمية المستدامة، وفي مقدمتها المياه والطاقة والأمن الغذائي والتغير المناخي. لقد أولى جلالة الملك عبدالله الثاني هذه الملفات اهتماماً متواصلاً، انطلاقاً من إدراك أهمية حماية الموارد الوطنية وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة التحديات المستقبلية. وفي ظل محدودية الموارد المائية، وارتفاع الطلب على الطاقة، والضغوط التي تواجه القطاع الزراعي، وتأثيرات التغير المناخي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من أساليب الإدارة التقليدية إلى إدارة تعتمد على البيانات والتنبؤ والقدرة على استباق الأزمات. وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الأدوات التي يمكن أن تساعد الأردن في هذا التحول.
ويأتي ملف المياه في مقدمة المجالات التي يمكن أن تحقق فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أثراً مباشراً. فالأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، الأمر الذي يجعل كل قطرة ذات قيمة استراتيجية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التنبؤ بالطلب على المياه، واكتشاف التسرب والفاقد في الشبكات، وتحليل بيانات الآبار والسدود والأمطار، وتحسين عمليات الضخ والتوزيع، إضافة إلى التنبؤ بالأعطال في البنية التحتية المائية قبل وقوعها. وبدلاً من أن تكون إدارة المياه قائمة فقط على التعامل مع المشكلة بعد حدوثها، يمكن الانتقال إلى إدارة تنبؤية قادرة على تحديد الخطر قبل تحوله إلى أزمة. وهذا يتوافق بصورة مباشرة مع الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 التي تؤكد أهمية التحول الرقمي وتوظيف البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة القطاع وخفض الفاقد وتحسين إدارة البنية التحتية. وتزداد أهمية ذلك مع المشاريع الاستراتيجية الكبرى في قطاع المياه، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني. فمثل هذه المشاريع لا ينبغي أن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره إضافة لاحقة، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من منظومة التشغيل منذ البداية، من خلال أنظمة ذكية تراقب الإنتاج والاستهلاك والطاقة وجودة المياه، وتتنبأ بالأعطال، وتحسن عمليات الضخ، وتساعد في تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدام المياه والطاقة معاً.
ولا يمكن فصل الأمن المائي عن الأمن الغذائي. فالأردن بحاجة إلى إنتاج غذاء أكثر باستخدام موارد مائية محدودة، وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم زيادة الإنتاج الزراعي فقط إلى مفهوم أكثر أهمية، وهو زيادة إنتاجية كل متر مكعب من المياه. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً مهماً في تحقيق ذلك من خلال الزراعة الذكية، وتحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، واستخدام أجهزة الاستشعار لمراقبة التربة والمحاصيل، وتحديد الاحتياجات الفعلية من المياه والأسمدة، والكشف المبكر عن الأمراض والإجهاد المائي، والتنبؤ بالإنتاج واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المناخية والمائية لكل منطقة.وهذا المجال يتقاطع بصورة مباشرة مع التوجه نحو تطوير الزراعة الرقمية في الأردن، حيث يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من تقنية تستخدم في الدراسات والمشاريع التجريبية إلى أداة عملية تصل إلى المزارع نفسه، فتقدم له توصيات دقيقة حول موعد الري وكميته، والاحتياجات الغذائية للمحصول، والمخاطر المحتملة، والإنتاج المتوقع. وعندها يصبح الهدف ليس فقط توفير المياه، وإنما تحقيق أعلى عائد اقتصادي وغذائي من كل وحدة مائية مستخدمة.
أما في قطاع الطاقة، فإن الأردن قطع خطوات مهمة في مجال الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إلا أن التوسع في هذه المصادر يفرض تحديات تتعلق بالتذبذب في الإنتاج والحاجة إلى إدارة الشبكة والتخزين والتنبؤ بالطلب. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يسهم في التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وإدارة أنظمة التخزين، وتحسين توزيع الأحمال، والتنبؤ بالأعطال، وتحقيق توافق أفضل بين إنتاج الطاقة واستهلاكها .وتزداد أهمية هذا التكامل عندما ندرك أن الماء والطاقة والغذاء ليست قطاعات منفصلة. فإنتاج المياه ونقلها ومعالجتها يحتاج إلى الطاقة، والزراعة تحتاج إلى المياه والطاقة، والطاقة نفسها تحتاج إلى بنية تحتية ومياه في بعض عملياتها. ولذلك فإن التعامل مع هذه الملفات بصورة منفصلة قد يؤدي إلى قرارات غير مثلى، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في بناء نماذج متكاملة تنظر إلى العلاقة بين هذه القطاعات باعتبارها منظومة واحدة.
أما التغير المناخي، فهو عامل يزيد من تعقيد جميع هذه التحديات. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول وزيادة احتمالات الجفاف وموجات الحر والسيول المفاجئة تؤثر بصورة مباشرة في المياه والزراعة والطاقة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الأردن في بناء أنظمة إنذار مبكر قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات المناخية والهيدرولوجية والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، بما يسمح باتخاذ إجراءات استباقية في إدارة السدود والمياه والزراعة والطاقة. ومن واقع الخبرة العلمية ,والعملية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات ليس فكرة نظرية. فهناك بالفعل أبحاث ومشاريع ترتبط بتطبيق تعلم الآلة في نمذجة جريان المياه، ومحاكاة الظواهر الهيدروديناميكية، والتنبؤ بسلوك الأنظمة المائية، إلى جانب تطبيقات في الطاقة الشمسية والزراعة الرقمية. كما أن الخبرات الأكاديمية المحلية تمتلك قاعدة علمية يمكن البناء عليها لتطوير حلول مصممة خصيصاً للبيئة الأردنية. وهذه نقطة مهمة للغاية؛ فالأردن لا يحتاج بالضرورة إلى استيراد حلول جاهزة، بل يستطيع أن يطور نماذج ذكاء اصطناعي مبنية على بياناته وخصائصه المناخية والجغرافية والمائية والزراعية. فالذكاء الاصطناعي يكون أكثر فاعلية عندما يتعلم من البيانات المحلية ويأخذ في الاعتبار خصوصية البيئة التي يعمل فيها.
لكن الانتقال من الفكرة إلى التطبيق يحتاج إلى خطوات عملية واضحة. وأولها أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تصميم المشاريع الوطنية الكبرى منذ مرحلة التخطيط، وليس مجرد نظام يضاف بعد اكتمال المشروع. وهذا ينطبق بصورة خاصة على مشاريع المياه والطاقة والبنية التحتية؛ بحيث تتضمن دراسات الجدوى منذ البداية مكونات البيانات وأجهزة الاستشعار والتوأم الرقمي والتحليل التنبؤي والأمن السيبراني. من المهم تطوير توأم رقمي للأردن في مجال الموارد الطبيعية، يبدأ تدريجياً من مناطق أو أحواض مختارة، ويربط البيانات المائية والزراعية والمناخية والطاقة. ويمكن لهذا التوأم أن يسمح لصانع القرار باختبار سيناريوهات مختلفة قبل تنفيذها على أرض الواقع: ماذا يحدث إذا انخفضت الأمطار؟ ماذا يحدث إذا ارتفع الطلب على المياه؟ ما أثر زراعة محصول معين على الموارد المائية؟ وكيف يؤثر التوسع في التحلية أو الطاقة المتجددة على كلفة منظومة المياه؟ هذه النماذج يمكن أن توفر أداة جديدة للتخطيط الاستراتيجي المبني على السيناريوهات. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لمساندة القرار وليس بديلاً عن المسؤولية المؤسسية والخبرة الوطنية.
إن الأردن يمتلك اليوم فرصة مهمة لتحويل تحدياته إلى مجال للابتكار. فشح المياه، ومحدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع كلف الطاقة، والتحديات الزراعية، وآثار التغير المناخي، كلها تجعل الحاجة إلى الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد ضرورة وليست خياراً. ومن هنا يمكن أن يصبح الأردن نموذجاً إقليمياً في توظيف الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد المحدودة، ليس من خلال امتلاك أكبر قدر من التكنولوجيا، وإنما من خلال تحقيق أكبر قدر من الكفاءة. وفي النهاية، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الأردن لا ينبغي أن يقاس بعدد المنصات أو التطبيقات التي نطورها، بل بقدرته على حماية كل قطرة ماء، وتحسين كفاءة كل وحدة طاقة، وزيادة إنتاجية كل دونم زراعي، والتنبؤ بالمخاطر المناخية قبل تحولها إلى أزمات. إن دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة المياه والطاقة والأمن الغذائي والتغير المناخي يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى تنبؤ، والتنبؤ إلى قرار، والقرار إلى عمل. وعندها لا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد عنوان للتحديث والتطور التكنولوجي، بل يصبح أداة حقيقية لتعزيز الأمن الوطني الأردني، وحماية الموارد، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
ويأتي ملف المياه في مقدمة المجالات التي يمكن أن تحقق فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أثراً مباشراً. فالأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، الأمر الذي يجعل كل قطرة ذات قيمة استراتيجية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التنبؤ بالطلب على المياه، واكتشاف التسرب والفاقد في الشبكات، وتحليل بيانات الآبار والسدود والأمطار، وتحسين عمليات الضخ والتوزيع، إضافة إلى التنبؤ بالأعطال في البنية التحتية المائية قبل وقوعها. وبدلاً من أن تكون إدارة المياه قائمة فقط على التعامل مع المشكلة بعد حدوثها، يمكن الانتقال إلى إدارة تنبؤية قادرة على تحديد الخطر قبل تحوله إلى أزمة. وهذا يتوافق بصورة مباشرة مع الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 التي تؤكد أهمية التحول الرقمي وتوظيف البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة القطاع وخفض الفاقد وتحسين إدارة البنية التحتية. وتزداد أهمية ذلك مع المشاريع الاستراتيجية الكبرى في قطاع المياه، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني. فمثل هذه المشاريع لا ينبغي أن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره إضافة لاحقة، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من منظومة التشغيل منذ البداية، من خلال أنظمة ذكية تراقب الإنتاج والاستهلاك والطاقة وجودة المياه، وتتنبأ بالأعطال، وتحسن عمليات الضخ، وتساعد في تحقيق أعلى كفاءة ممكنة في استخدام المياه والطاقة معاً.
ولا يمكن فصل الأمن المائي عن الأمن الغذائي. فالأردن بحاجة إلى إنتاج غذاء أكثر باستخدام موارد مائية محدودة، وهذا يتطلب الانتقال من مفهوم زيادة الإنتاج الزراعي فقط إلى مفهوم أكثر أهمية، وهو زيادة إنتاجية كل متر مكعب من المياه. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً مهماً في تحقيق ذلك من خلال الزراعة الذكية، وتحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، واستخدام أجهزة الاستشعار لمراقبة التربة والمحاصيل، وتحديد الاحتياجات الفعلية من المياه والأسمدة، والكشف المبكر عن الأمراض والإجهاد المائي، والتنبؤ بالإنتاج واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المناخية والمائية لكل منطقة.وهذا المجال يتقاطع بصورة مباشرة مع التوجه نحو تطوير الزراعة الرقمية في الأردن، حيث يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من تقنية تستخدم في الدراسات والمشاريع التجريبية إلى أداة عملية تصل إلى المزارع نفسه، فتقدم له توصيات دقيقة حول موعد الري وكميته، والاحتياجات الغذائية للمحصول، والمخاطر المحتملة، والإنتاج المتوقع. وعندها يصبح الهدف ليس فقط توفير المياه، وإنما تحقيق أعلى عائد اقتصادي وغذائي من كل وحدة مائية مستخدمة.
أما في قطاع الطاقة، فإن الأردن قطع خطوات مهمة في مجال الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إلا أن التوسع في هذه المصادر يفرض تحديات تتعلق بالتذبذب في الإنتاج والحاجة إلى إدارة الشبكة والتخزين والتنبؤ بالطلب. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يسهم في التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وإدارة أنظمة التخزين، وتحسين توزيع الأحمال، والتنبؤ بالأعطال، وتحقيق توافق أفضل بين إنتاج الطاقة واستهلاكها .وتزداد أهمية هذا التكامل عندما ندرك أن الماء والطاقة والغذاء ليست قطاعات منفصلة. فإنتاج المياه ونقلها ومعالجتها يحتاج إلى الطاقة، والزراعة تحتاج إلى المياه والطاقة، والطاقة نفسها تحتاج إلى بنية تحتية ومياه في بعض عملياتها. ولذلك فإن التعامل مع هذه الملفات بصورة منفصلة قد يؤدي إلى قرارات غير مثلى، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في بناء نماذج متكاملة تنظر إلى العلاقة بين هذه القطاعات باعتبارها منظومة واحدة.
أما التغير المناخي، فهو عامل يزيد من تعقيد جميع هذه التحديات. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول وزيادة احتمالات الجفاف وموجات الحر والسيول المفاجئة تؤثر بصورة مباشرة في المياه والزراعة والطاقة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الأردن في بناء أنظمة إنذار مبكر قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات المناخية والهيدرولوجية والتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، بما يسمح باتخاذ إجراءات استباقية في إدارة السدود والمياه والزراعة والطاقة. ومن واقع الخبرة العلمية ,والعملية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات ليس فكرة نظرية. فهناك بالفعل أبحاث ومشاريع ترتبط بتطبيق تعلم الآلة في نمذجة جريان المياه، ومحاكاة الظواهر الهيدروديناميكية، والتنبؤ بسلوك الأنظمة المائية، إلى جانب تطبيقات في الطاقة الشمسية والزراعة الرقمية. كما أن الخبرات الأكاديمية المحلية تمتلك قاعدة علمية يمكن البناء عليها لتطوير حلول مصممة خصيصاً للبيئة الأردنية. وهذه نقطة مهمة للغاية؛ فالأردن لا يحتاج بالضرورة إلى استيراد حلول جاهزة، بل يستطيع أن يطور نماذج ذكاء اصطناعي مبنية على بياناته وخصائصه المناخية والجغرافية والمائية والزراعية. فالذكاء الاصطناعي يكون أكثر فاعلية عندما يتعلم من البيانات المحلية ويأخذ في الاعتبار خصوصية البيئة التي يعمل فيها.
لكن الانتقال من الفكرة إلى التطبيق يحتاج إلى خطوات عملية واضحة. وأولها أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تصميم المشاريع الوطنية الكبرى منذ مرحلة التخطيط، وليس مجرد نظام يضاف بعد اكتمال المشروع. وهذا ينطبق بصورة خاصة على مشاريع المياه والطاقة والبنية التحتية؛ بحيث تتضمن دراسات الجدوى منذ البداية مكونات البيانات وأجهزة الاستشعار والتوأم الرقمي والتحليل التنبؤي والأمن السيبراني. من المهم تطوير توأم رقمي للأردن في مجال الموارد الطبيعية، يبدأ تدريجياً من مناطق أو أحواض مختارة، ويربط البيانات المائية والزراعية والمناخية والطاقة. ويمكن لهذا التوأم أن يسمح لصانع القرار باختبار سيناريوهات مختلفة قبل تنفيذها على أرض الواقع: ماذا يحدث إذا انخفضت الأمطار؟ ماذا يحدث إذا ارتفع الطلب على المياه؟ ما أثر زراعة محصول معين على الموارد المائية؟ وكيف يؤثر التوسع في التحلية أو الطاقة المتجددة على كلفة منظومة المياه؟ هذه النماذج يمكن أن توفر أداة جديدة للتخطيط الاستراتيجي المبني على السيناريوهات. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة لمساندة القرار وليس بديلاً عن المسؤولية المؤسسية والخبرة الوطنية.
إن الأردن يمتلك اليوم فرصة مهمة لتحويل تحدياته إلى مجال للابتكار. فشح المياه، ومحدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع كلف الطاقة، والتحديات الزراعية، وآثار التغير المناخي، كلها تجعل الحاجة إلى الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد ضرورة وليست خياراً. ومن هنا يمكن أن يصبح الأردن نموذجاً إقليمياً في توظيف الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد المحدودة، ليس من خلال امتلاك أكبر قدر من التكنولوجيا، وإنما من خلال تحقيق أكبر قدر من الكفاءة. وفي النهاية، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الأردن لا ينبغي أن يقاس بعدد المنصات أو التطبيقات التي نطورها، بل بقدرته على حماية كل قطرة ماء، وتحسين كفاءة كل وحدة طاقة، وزيادة إنتاجية كل دونم زراعي، والتنبؤ بالمخاطر المناخية قبل تحولها إلى أزمات. إن دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة المياه والطاقة والأمن الغذائي والتغير المناخي يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى تنبؤ، والتنبؤ إلى قرار، والقرار إلى عمل. وعندها لا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد عنوان للتحديث والتطور التكنولوجي، بل يصبح أداة حقيقية لتعزيز الأمن الوطني الأردني، وحماية الموارد، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/11 الساعة 09:09