استهداف السعودية اختبارٌ لأمن المنطقة

مأمون المساد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/10 الساعة 20:34
حين تصبح المملكة العربية السعودية هدفاً، فإن الخطر لا يقف عند حدودها، بل يمتد إلى أمن المنطقة بأسرها، فاستهداف دولة بحجمها ومكانتها، وتهديد أمنها ومنشآتها الحيوية، يتجاوز كونه مواجهة عابرة ليصبح اختباراً لقدرة المنطقة على منع الانزلاق إلى صراع مفتوح، يصعب التنبؤ بتداعياته وكلفته.

لقد كشفت التجارب القريبة أن الهجمات على المنشآت النفطية والمطارات والموانئ لا تصيب موقعاً محدداً فحسب، بل تربك أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتزيد كلفة النقل والتأمين، وقد تنعكس على أسعار السلع في دول بعيدة عن مسرح الأحداث، كما أن استهداف المدن والمنشآت المدنية يهدد حياة المدنيين والمقيمين، واستهداف العربية السعودية يستوجب موقفاً واضحاً دوليا يدين الاعتداءات ويرفض المساس بسيادتها أو تعريض أمن مواطنيها والمقيمين فيها للخطر، فأمن الدول ليس ورقة ضغط، والمنشآت المدنية ليست ساحات لتصفية الحسابات، والخلافات السياسية لا تبرر تعريض الأبرياء للخطر أو توسيع دائرة المواجهة.

ولا ينبغي أن تتوقف قراءة المشهد عند الإدانة، بل يجب فهم دلالات استهداف دولة تمثل ركناً أساسياً في المعادلات العربية والخليجية، وتمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً يجعل استقرارها مصلحة تتجاوز حدودها الوطنية، فأي اضطراب واسع في أمن المملكة قد يطال استقرار الخليج، وحركة التجارة والطاقة، والاستثمارات، والبيئة الاقتصادية الإقليمية، كما قد يدفع دولاً أخرى إلى تعزيز انتشارها العسكري أو الدخول في ترتيبات أمنية متنافسة، بما يزيد احتمالات سوء التقدير والحوادث غير المحسوبة، ويقود إلى ردود متبادلة تفتح الباب أمام مواجهة أوسع تتحمل الشعوب كلفتها.

إن تجنب الصراعات لا يعني التخلي عن الحقوق، كما أن ضبط النفس لا يعني الضعف أو القبول بالاعتداءات، فالمملكة العربية السعودية تملك حق حماية سيادتها وأمنها وفقاً للقانون الدولي، غير أن الحكمة تقتضي أن تبقى القرارات محكومة بالمصلحة الاستراتيجية، وأن يكون الهدف حماية الدولة ومقدراتها لا الانجرار إلى دوامة التصعيد ، ففي منطقة أنهكتها الصراعات، تبرز أهمية حماية المصالح من دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة تستنزف الموارد وتشتت الأولويات. ومن هنا، تكتسب الدعوات السعودية إلى خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية أهمية خاصة، باعتبارها سعياً إلى إبقاء أبواب التسوية مفتوحة ومنع الأزمات من التحول إلى حروب إقليمية.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً دائماً، وأن معالجة الأزمات تتطلب إرادة سياسية وجهوداً دبلوماسية جادة، فالحكمة ليست في تجنب المواجهة بأي ثمن، بل في منع الاعتداءات من التحول إلى حروب مفتوحة، والجمع بين الردع وفرص الحل السياسي. ويشمل ذلك تحسين قنوات الاتصال، وتفعيل الوساطات، ووضع قواعد واضحة لحماية المنشآت المدنية، لأن غياب هذه الآليات يترك الأزمات رهينة للتصعيد وسوء الفهم.

إن المنطقة ليست بحاجة إلى مزيد من الحرائق، بل إلى مواقف مسؤولة تحمي السيادة وتمنع التصعيد وتعيد الاعتبار للحوار، فاستهداف السعودية لا ينبغي أن يصبح مدخلاً إلى صراع أوسع يهدد أمن الخليج ويضغط على الاقتصاد العربي ويعمق الأزمات الإنسانية، بل مناسبة لتأكيد أن أمنها جزء من أمن المنطقة، وأن استقرارها مصلحة عربية مشتركة.

فالسعودية ليست ساحة للصراعات، والحكمة ليست تراجعاً عن الحقوق، بل مسؤولية في حمايتها ، وفي زمن تتقدم فيه لغة القوة، تبقى قيمة الدول في قدرتها على حماية أمنها، وصون استقرارها، والإبقاء على أبواب السلام مفتوحة أمام شعوب أنهكتها المواجهات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/10 الساعة 20:34