هل ستتغير السياسات الجوهرية لاسرائيل بتغيّر الحكومة؟

عمر الرداد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 10:46
يميل النقاش حول الانتخابات الإسرائيلية إلى تصوير المنافسة كأنها صراع بين اتجاهين متناقضين، أحدهما يمثله نتنياهو وحلفاؤه من اليمين الديني والقومي، والآخر معارضة وسطية تقدّم نفسها بديلاً، الا أن قراءة أعمق لبنية النظام السياسي الإسرائيلي وتوازناته تشير إلى أن الفارق بين المعسكرين يكمن في الأسلوب والأولويات والعلاقات أكثر منه في الثوابت الكبرى،وهذا التقدير ينطبق على النتيجة التي تفرزها الصناديق مهما كان الفائز، وفيما يلي ابرز الشواهد التي يمكن الاستناد اليها في بناء هذا التقدير.

اولا: شهد الجمهور الإسرائيلي في مجمله، فمنذ هجوم 7 أكتوبر2023 انزياحات نحو مواقف أكثر تشدداً في المسائل الأمنية، وتراجعت جاذبية الأفكار التي كانت تقوم عليها مسارات التسوية، كفكرة الانسحاب مقابل السلام أو الثقة بترتيبات تعتمد على الطرف الفلسطيني، فحتى الأحزاب التي تقدّم نفسها معارضة لنتنياهو تدرك أن أية حكومة تريد البقاء يجب أن تخاطب هذا المزاج، لذلك يتنافس زعماء الوسط في إظهار الصرامة الأمنية، ويتجنبون الحديث عن دولة فلسطينية أو عن تنازلات إقليمية، لأن كلفة ذلك انتخابياً مرتفعة، ولأن الناخب الذي يبحث عن بديل لنتنياهو لا يبحث بالضرورة عن بديل لسياساته الأمنية.

ثانيا: أن الأحزاب الرئيسية في المعارضة تنتمي في معظمها إلى الوسط أو يمين الوسط، ولا يمثل خلافها مع نتنياهو خلافاً على القضية الفلسطينية بقدر ما هو خلاف على الأداء وإدارة الحرب والمؤسسات والنزاهة، فقادة مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان معروفون بمواقف متشددة تجاه الدولة الفلسطينية والاستيطان، وغادي آيزنكوت وبيني غانتس قادمان من المؤسسة العسكرية التي تنظر إلى الملف أساساً من زاوية الأمن،أما الأطراف الأقرب إلى اليسار، كحزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان، فتتبنى خطاباً مختلفاً، لكن وزنها في أي ائتلاف مقبل سيكون محدوداً، وستجد صعوبة في فرض أجندتها على شركاء أكثر ميلاً إلى اليمين،والنتيجة أن الائتلاف الذي ستشكله المعارضة، إن نجحت، سيحكمه قاسم مشترك يميني ووسطي، لا يسمح بتحولات جذرية في الموقف من الفلسطينيين.

ثالثا: وجود إجماع واسع في المؤسسة السياسية والعسكرية على الخطوط العريضة تجاه التهديدات الإقليمية،فالموقف من إيران وبرنامجها النووي، والتعامل مع حزب الله على الجبهة الشمالية، والإصرار على حرية العمل العسكري داخل الأراضي الفلسطينية وعلى حدود غزة، كلها قضايا لا تختلف عليها الحكومة والمعارضة إلا في التفاصيل والتوقيت، وهو ما يعني أن أي رئيس وزراء جديد سيرث الملفات نفسها والقيود نفسها، وسيتخذ قرارات متقاربة إلى حد كبير، لأن المؤسسة الأمنية الدائمة، من الجيش وأجهزة الاستخبارات، هي التي تصوغ جزءاً كبيراً من هذه الخيارات وتقدّم الخيارات المتاحة لأي حكومة.

رابعا: تتحرك السياسة الإسرائيلية داخل إطار علاقة وثيقة مع واشنطن، وهذه العلاقة تفرض حدوداً على التغيير،فالدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي مستمر في الغالب بصرف النظر عن هوية رئيس الوزراء، وتحدد الإدارة الأمريكية هامشاً واسعاً لما يمكن لإسرائيل فعله وما لا يمكنها،وإذا كانت حكومة المعارضة المحتملة ستسعى إلى علاقة أكثر انسجاماً مع الإدارة الأمريكية من حكومة نتنياهو، فإن ذلك يعني تحسناً في الشكل والتنسيق، لا تحولاً في الجوهر، لأن الأولويات الأمريكية في المنطقة تتعلق بإيران والتطبيع والاستقرار أكثر من تعلقها بإعادة فتح ملف الدولة الفلسطينية.

خامسا: أن الواقع الميداني والإداري الذي تشكل خلال السنوات الماضية صار يحمل زخماً ذاتياً،فالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وما صاحبه من بنى تحتية ومؤسسات ومصالح وقوانين، وتغيّر ميزان الصلاحيات بين الإدارة المدنية والجيش والوزارات، كلها أمور تحتاج إلى قرار سياسي كبير وكلفة داخلية عالية لعكسها،ولا تبدو أي من الأحزاب الكبرى الراغبة في دخول الحكومة مستعدة لخوض معركة من هذا النوع في سنتها الأولى، ولا سيما إن كان ائتلافها هشاً ويعتمد على أغلبية ضيقة،وبذلك تصبح استمرارية الوضع القائم الخيار الأقل كلفة سياسياً حتى لمن يعارضه نظرياً.

وفي الخلاصة، فان المرجح ان الانتخابات المقبلة، في حال اجرائها بموعدها، قد تغيّر من يحكم وكيف يحكم، لكنها على الأرجح لن تغيّر ما تحكم به إسرائيل في الملفات الكبرى،فالمزاج العام انزاح كثيرا نحو اليمين، والمعارضة نفسها يمينية ووسطية في معظمها، والإجماع الأمني واسع، والقيود الخارجية قائمة، والوقائع الميدانية راسخة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 10:46