الذكاء الاصطناعي في الأعمال.. من أداة تقنية إلى قوة إنتاج وقرار

مؤيد المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 09:53
لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً للمستقبل. لقد دخل بالفعل إلى المكاتب والمصانع والبنوك والمتاجر وغرف التسويق ومراكز خدمة العملاء، وبدأ يغير الطريقة التي تُنتج بها المؤسسات وتبيع وتخطط وتتخذ قراراتها.

والسؤال بالنسبة للأردن ليس: هل سندخل عصر الذكاء الاصطناعي؟

فالعصر دخل إلينا بالفعل.

السؤال الحقيقي هو: هل سنستخدمه لرفع إنتاجية الاقتصاد، أم سنكتفي باستهلاكه كأداة للكتابة والتسلية وصناعة المحتوى؟

من أداة للكتابة إلى شريك في الإنتاج:

أبسط تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأكثرها انتشاراً هو المساعدة في الكتابة والتحليل والتلخيص، لكن قيمته الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما يدخل في صميم العمليات.

شركة تجارية أردنية تستطيع، مثلاً، أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل مبيعاتها اليومية، ومعرفة المنتجات الأكثر طلباً، والتنبؤ بالطلب، واقتراح مستويات المخزون، واكتشاف المنتجات التي تتراجع مبيعاتها.

والمطعم يستطيع تحليل الطلبات لمعرفة ساعات الذروة والأصناف الأكثر رواجاً، وتحسين المشتريات وتقليل الهدر.

والشركة الصناعية تستطيع تحليل بيانات الإنتاج لاكتشاف أسباب التوقف أو ارتفاع الهدر قبل أن تتحول المشكلة إلى خسارة.

أما مكتب المحاماة أو الشركة الاستشارية، فيمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي للبحث الأولي، ومقارنة الوثائق، واستخراج النصوص القانونية، وتلخيص العقود، مع بقاء المراجعة والحكم المهني بيد الإنسان.

هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من برنامج يستخدمه الموظف إلى طبقة ذكاء تعمل فوق العمليات اليومية للمؤسسة.

السوق العربي بدأ التجربة:

هذه ليست أفكاراً نظرية.

في المنطقة العربية ظهرت تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية والخدمات المالية واللوجستية وخدمة العملاء والتسويق.

في السعودية والإمارات، على سبيل المثال، توسعت الشركات في استخدام المساعدات الذكية وتحليل البيانات وأتمتة العمليات، فيما أصبحت البنوك وشركات الاتصالات من أكثر القطاعات قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي بسبب امتلاكها كميات ضخمة من البيانات.

وفي التجارة الإلكترونية العربية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يراقب سلوك المتصفح، ويقترح منتجات مرتبطة باهتماماته، ويغير ترتيب المنتجات والإعلانات وفق احتمالات الشراء.

وفي البنوك، يمكن استخدام النماذج التحليلية لاكتشاف العمليات غير الاعتيادية، وتحليل المخاطر الائتمانية، وتحسين خدمة العملاء.

وفي شركات التوصيل، يمكن تحليل بيانات الطلبات والطرق وأوقات الذروة لتحسين توزيع السائقين وتقليل زمن التوصيل.

القيمة هنا ليست في كلمة "ذكاء اصطناعي"، وإنما في تحويل البيانات المتراكمة إلى قرار اقتصادي أسرع وأدق.

ماذا يعني ذلك للأردن؟

الأردن يمتلك بيئة مناسبة نسبياً لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في قطاعات الخدمات، والبنوك، والاتصالات، والتعليم، والصحة، والسياحة، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية.

لكن المشكلة أن جزءاً كبيراً من النقاش حول الذكاء الاصطناعي ما زال يدور حول الأدوات، بينما يجب أن ينتقل إلى الإنتاجية.

لنأخذ شركة أردنية صغيرة لديها عشرة موظفين.

إذا استطاعت أدوات الذكاء الاصطناعي أن توفر على كل موظف ساعة عمل يومياً في الأعمال الروتينية، فإن الشركة لا تكون قد اشترت برنامجاً جديداً فحسب؛ بل أضافت فعلياً عشرات الساعات الإنتاجية أسبوعياً من دون زيادة عدد الموظفين.

وإذا استخدمت الشركة هذه الساعات في تطوير المنتجات، وخدمة العملاء، وزيادة المبيعات، فإن الذكاء الاصطناعي يتحول إلى رأس مال إنتاجي.

وهذا مهم جداً للاقتصاد الأردني، لأن أحد تحدياته الأساسية ليس فقط نقص الموارد، وإنما محدودية الإنتاجية وارتفاع كلفة بعض الأعمال مقارنة بالقيمة التي تنتجها.

التسويق: من إعلان للجميع إلى رسالة لكل عميل:

التسويق أحد المجالات التي يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي تحقيق نتائج سريعة.

متجر أردني على وسائل التواصل الاجتماعي، مثلاً، يستطيع تحليل تفاعل العملاء مع منشوراته وإعلاناته، وتحديد المنتجات التي تحظى بأكبر اهتمام، وصياغة نسخ متعددة للإعلان، واختبار العناوين والصور، وتحليل النتائج.

لكن الأهم هو الانتقال من التسويق الجماهيري إلى التسويق الشخصي.

بدلاً من إرسال الإعلان نفسه إلى عشرة آلاف شخص، تستطيع المؤسسة تقسيم الجمهور وفق السلوك والاهتمامات واحتمالات الشراء.

وهنا يصبح السؤال ليس:

كم شخصاً شاهد الإعلان؟

بل:

كم شخصاً وصلتنا رسالتنا المناسبة إليه في الوقت المناسب؟

وهذه نقلة كبيرة في مفهوم التسويق.

الذكاء الاصطناعي وصناعة القرار:

لكن الاستخدام الأكثر أهمية قد يكون في الإدارة.

مدير شركة أردنية لديه مبيعات ومصاريف ومخزون وشكاوى وبيانات عملاء، لكنه قد يحتاج إلى أيام حتى يقرأ التقارير ويكتشف الاتجاهات.

أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع معالجة هذه البيانات بسرعة والإجابة عن أسئلة مثل:

أين تنخفض المبيعات؟

ما المنتج الأكثر ربحية؟

أي الفروع أكثر كفاءة؟

متى يرتفع الطلب؟

ما العملاء الأكثر احتمالاً للانسحاب؟

أين ترتفع التكلفة؟

وما السيناريو المتوقع خلال الأشهر المقبلة؟

وهذا يعني أن الإدارة تنتقل تدريجياً من القرار المبني على الانطباع إلى القرار المبني على البيانات.

لكن لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى عبودية للخوارزمية.

فالذكاء الاصطناعي يقدم احتمالاً وتحليلاً وتوقعاً؛ أما المسؤولية عن القرار فتظل بشرية.

ماذا عن المؤسسات الحكومية؟

هنا تبرز فرصة أردنية أكبر.

إذا كانت الحكومة تتجه نحو التحول الرقمي، فإن الخطوة التالية لا ينبغي أن تكون مجرد تحويل المعاملة الورقية إلى معاملة إلكترونية.

التحول الحقيقي هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الحكومية وتحسين الخدمات والتنبؤ بالطلب واكتشاف الاختناقات وتقليل الوقت والكلفة.

يمكن، مثلاً، استخدامه لتحليل الشكاوى الحكومية وتصنيفها واكتشاف أكثر المشكلات تكراراً.

ويمكن استخدامه في المؤسسات التي تتعامل مع أعداد كبيرة من الطلبات والوثائق لمساعدة الموظفين في التصنيف والاستخراج والمراجعة الأولية.

وفي القطاع القضائي والقانوني يمكن أن يساعد في البحث في التشريعات والأحكام، وتصنيف القضايا، واستخراج المبادئ القانونية، وتحليل الوثائق، مع التأكيد أن القرار القضائي والقانوني لا يمكن تفويضه إلى خوارزمية.

وفي الإدارة العامة، قد يكون أكبر مكسب للذكاء الاصطناعي هو تقليل الوقت الذي يستهلكه الموظف في الأعمال الروتينية، وإعادة توجيه الجهد البشري إلى الأعمال التي تحتاج إلى تقدير ومسؤولية وخبرة.

الخطر الأردني: أن نستخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة إنتاج البيروقراطية:

وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة.

إذا كانت المؤسسة تعاني من إجراءات معقدة، وبيانات غير دقيقة، وتداخل في الصلاحيات، وضعف في المساءلة، فلن يحل الذكاء الاصطناعي المشكلة تلقائياً.

بل قد يجعلها أسرع.

وهذا هو الخطر الحقيقي:

أن نستخدم التكنولوجيا لتسريع نظام عمل قديم بدلاً من إعادة تصميمه.

ليس المطلوب أن نضع الذكاء الاصطناعي فوق البيروقراطية الأردنية، وإنما أن نسأل أولاً: لماذا توجد هذه الإجراءات أصلاً؟ وهل يمكن حذفها؟ وهل تحتاج هذه الموافقة؟ وهل يحتاج هذا النموذج؟ وهل يحتاج هذا التقرير إلى أن يُكتب يدوياً؟

عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة إصلاح، لا مجرد أداة أتمتة.

الإنسان لن يختفي.. لكن قيمة المهارة ستتغير:

الوظيفة التي ستتغير أولاً ليست بالضرورة الوظيفة اليدوية، وإنما الوظيفة التي تقوم بدرجة كبيرة على أعمال معرفية متكررة يمكن للنظام إنجازها بسرعة.

وهذا يعني أن سوق العمل الأردني يحتاج إلى تغيير مفهوم التدريب.

الموظف الجديد لن يكفيه أن يعرف استخدام الحاسوب.

سيحتاج إلى معرفة كيفية التعامل مع البيانات، وصياغة الأسئلة للأنظمة الذكية، والتحقق من المخرجات، وفهم المخاطر، وحماية المعلومات، واتخاذ القرار.

أما المؤسسات التعليمية والجامعات، فعليها أن تنتقل من تعليم الطالب كيف يحفظ المعلومة إلى تعليمه كيف يبحث عنها، ويختبرها، ويحللها، ويستخدم التكنولوجيا لبناء معرفة جديدة.

المسألة ليست شراء الذكاء الاصطناعي:

الخطأ الذي قد تقع فيه بعض المؤسسات هو شراء أدوات كثيرة ثم إعلان التحول إلى الذكاء الاصطناعي.

التحول الحقيقي يبدأ من سؤال أبسط:

أين نخسر الوقت والمال؟

ثم:

أي جزء من هذه الخسارة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلله؟

قد تكون الإجابة في خدمة العملاء، أو المخزون، أو التسويق، أو تحليل البيانات، أو إعداد التقارير، أو إدارة الوثائق.

بعدها فقط تختار المؤسسة الأداة المناسبة.

فليس الهدف أن تقول الشركة: "نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي".

الهدف أن تستطيع القول:

خفضنا وقت إنجاز المعاملة، ورفعنا المبيعات، وقللنا الهدر، وحسنّا خدمة العملاء، واتخذنا قرارات أفضل.

الأردن أمام فرصة لا تحتمل التأجيل:

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون واحداً من أهم أدوات رفع الإنتاجية في الاقتصاد الأردني، خصوصاً أن الأردن يمتلك طاقات بشرية شابة، وقطاعاً تقنياً متنامياً، وكفاءات في البرمجة والهندسة والخدمات.

لكن الفرصة لن تتحول إلى قيمة اقتصادية بمجرد الحديث عن الذكاء الاصطناعي أو إطلاق الاستراتيجيات.

القيمة تبدأ عندما يدخل إلى المصنع، والمتجر، والبنك، والمستشفى، والجامعة، ومكتب المحاماة، وشركة الخدمات، والدائرة الحكومية، ويغير طريقة إنجاز العمل فعلاً.

المعركة القادمة بين المؤسسات لن تكون فقط على من يمتلك المال أو التكنولوجيا، وإنما على من يعرف كيف يحول التكنولوجيا إلى إنتاجية.

والذكاء الاصطناعي لن يكون بديلاً عن الإدارة الجيدة، لكنه سيكشف الفرق بين مؤسسة تعرف كيف تفكر، وأخرى تكتفي بتكرار ما اعتادت عليه.

في عصر الذكاء الاصطناعي، لن تكون المشكلة أن الآلة أصبحت أذكى من الإنسان؛ المشكلة أن بعض المؤسسات قد تبقى أقل ذكاءً من أدواتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 09:53