لواء الطيبة: 64 ألف مواطن… فإلى متى يبقى القرار التنموي بعيداً؟

الدكتور عبدالله فارس العلاونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 21:37
لواء الطيبة اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الحديث عن مشكلاته بقدر ما يحتاج إلى أن تتحول هذه المشكلات إلى قرارات ومشاريع تنموية حقيقية. فبحسب أحدث تقديرات دائرة الإحصاءات العامة لنهاية عام 2025، يبلغ عدد سكان اللواء 64,310 نسمة، وهو رقم ليس صغيراً حتى يُنظر إلى اللواء باعتباره تجمعات سكانية تحتاج إلى تدخلات متفرقة، بل كتجمع بشري واقتصادي يحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة.

السؤال الحقيقي هنا ليس: ماذا ينقص لواء الطيبة من خدمات؟ بل: ماذا نريد أن يكون عليه لواء الطيبة خلال السنوات الخمس القادمة؟ هل يبقى التعامل معه من خلال مشاريع منفصلة تعالج الحاجة الآنية، أم ننتقل إلى مشروع تنموي واضح يخلق فرص العمل، ويجذب الاستثمار، ويستثمر في الإنسان، ويحوّل الموارد المحلية إلى نشاط اقتصادي مستدام؟

عندما نتحدث عن أكثر من 64 ألف مواطن، فإننا نتحدث عن سوق محلية، وقوة عمل، وشباب، وطلب على الخدمات والمنتجات، وطاقات يمكن أن تكون جزءاً من النمو الاقتصادي في محافظة إربد. لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لوضع خطة تنمية اقتصادية متكاملة للواء الطيبة لخمس سنوات، تحدد القطاعات القابلة للنمو، والفرص الاستثمارية، والمشاريع ذات الأولوية، وحجم التمويل المطلوب، والشركاء من القطاعين العام والخاص، والأهم مؤشرات واضحة لعدد فرص العمل والاستثمارات والمشاريع التي سيتم خلقها.

وفي مقدمة ذلك يأتي الشباب. فالدراسة الاقتصادية والاجتماعية للواء، المبنية على بيانات عامي 2022 و2023، أشارت إلى وجود نحو 11,400 طالب وطالبة في 36 مدرسة، مع غياب مؤسسات التعليم العالي ومراكز التدريب المهني داخل اللواء وفق بيانات الدراسة. وهذا يعني أن الاستثمار في الشباب لا يمكن أن يبدأ بعد تخرجهم وبحثهم عن فرصة عمل، بل يجب أن يبدأ من الآن، من خلال مسار واضح ينتقل بالشاب من التعليم إلى المهارة، ومن المهارة إلى العمل، ومن العمل إلى تأسيس مشروع أو تطوير مشروع قائم.

ومن هنا، فإن المطلوب من وزارة الشباب لا ينبغي أن يقتصر على البرامج والأنشطة التقليدية، بل يتطلب الإيعاز بإنشاء مركز شبابي تنموي شامل يخدم أبناء اللواء كافة، إلى جانب دراسة إنشاء مديرية شباب فرعية في لواء الطيبة تكون قادرة على التخطيط للبرامج الشبابية ومتابعتها ميدانياً وربطها باحتياجات شباب اللواء.

والأهم أن يتحول هذا المركز إلى منصة اقتصادية للشباب، من خلال إنشاء حاضنات ومسرّعات أعمال، ومساحات للابتكار والعمل المشترك، وبرامج لريادة الأعمال والعمل الرقمي، وربط الشباب مباشرة بالقطاع الخاص وفرص العمل والأسواق والتمويل. ويمكن لوزارة الشباب أن تقود هذا التوجه بالتنسيق مع شركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا والشركات الريادية والشركات الكبرى، بحيث لا يكون دور هذه المؤسسات مجرد دعم فعالية أو نشاط، وإنما شراكة حقيقية في إنشاء مراكز اتصال وخدمات رقمية، وبرامج تدريب وتشغيل، وفرص عمل عن بُعد، وحاضنات أعمال، ومشاريع اقتصادية يمكن أن تسهم في تغيير الواقع الاقتصادي للواء.

ولا ينبغي أن ينحصر التفكير الاقتصادي في الوظائف التقليدية. فالطيبة تمتلك قاعدة زراعية يمكن البناء عليها. وتظهر بيانات مديرية زراعة لواء الطيبة للنصف الأول من عام 2025 وجود نشاط زراعي وحيواني واسع، شمل التعامل مع نحو 36 ألف رأس من الثروة الحيوانية وترخيص 57 منشأة زراعية، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالآبار الزراعية. هذه المعطيات لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها أرقاماً لنشاط قائم، بل باعتبارها أساساً يمكن تحويله إلى اقتصاد زراعي ذي قيمة مضافة: تصنيع غذائي، تعبئة وتغليف، تبريد وتخزين، تسويق للمنتجات، سلاسل توريد، تقنيات زراعية حديثة، ومشاريع يقودها الشباب والقطاع الخاص.

ومن هنا يمكن التفكير بإنشاء تجمع للصناعات الزراعية والغذائية في اللواء، أو منطقة اقتصادية صغيرة مخصصة للمشاريع الزراعية والصناعات المرتبطة بها، بحيث لا تخرج المنتجات من الطيبة كمادة أولية فقط، وإنما تتحول داخل اللواء إلى منتجات مصنّعة ذات قيمة أعلى، توفر فرص عمل وتفتح المجال أمام الاستثمار.

كما يحتاج اللواء إلى خريطة استثمارية حقيقية تحدد الأراضي والقطاعات والفرص والمشاريع القابلة للاستثمار، وتقدم للمستثمر معلومات واضحة عن الأرض، والبنية التحتية، والحوافز، والسوق، والجهات الحكومية المعنية. المستثمر لا يبحث فقط عن أرض؛ هو يبحث عن مشروع جاهز، ومعلومة واضحة، وإجراءات سهلة، وشريك محلي يستطيع أن يفتح له الطريق.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون تطوير البنية التحتية مرتبطاً بالنشاط الاقتصادي وليس منفصلاً عنه. الطريق الذي يصل إلى مشروع إنتاجي، والبنية الرقمية التي تتيح العمل عن بُعد، والخدمات التي تسهّل حركة الاستثمار، ومراكز التدريب التي ترتبط باحتياجات الشركات، كلها أجزاء من منظومة واحدة. التنمية ليست طريقاً معبداً فقط، وليست مبنى جديداً فقط؛ التنمية هي أن تتحول البنية التحتية إلى قدرة على الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل.

كما أن الملف الصحي يحتاج إلى قراءة تتناسب مع حجم السكان والنمو السكاني، من خلال تقييم الاحتياجات الصحية الفعلية للواء، وتحديد الخدمات التخصصية والطوارئ التي يحتاجها السكان، بدلاً من التعامل مع الصحة باعتبارها مجرد عدد من المراكز والخدمات المتفرقة. وكذلك التعليم والتدريب، حيث يجب أن تكون هناك مواءمة حقيقية بين ما يتعلمه أبناء اللواء وبين ما يحتاجه سوق العمل المحلي والإقليمي.

المطلوب في النهاية ليس مشروعاً واحداً، ولا مبنى واحداً، ولا برنامجاً مؤقتاً. المطلوب مشروع تنموي متكامل للواء الطيبة تتشارك فيه الحكومة، ووزارة الشباب، والبلدية، والقطاع الخاص، والجامعات، والمؤسسات التمويلية، والشركات الكبرى، والشباب أنفسهم، مع جهة واضحة تتولى التنسيق والمتابعة وقياس النتائج.

ويجب أن تكون لهذا المشروع أهداف قابلة للقياس: كم فرصة عمل جديدة؟ كم شركة ناشئة؟ كم مشروعاً استثمارياً؟ كم شاباً انتقل من التدريب إلى العمل؟ كم مشروعاً زراعياً تحول إلى مشروع إنتاجي؟ وكم ديناراً من الاستثمار الخاص دخل إلى اللواء؟ عندها فقط نستطيع أن نقول إننا انتقلنا من إدارة الاحتياجات إلى صناعة التنمية.

لواء الطيبة لا يحتاج إلى أن يبقى في قائمة المناطق التي تُعالج احتياجاتها مشروعاً بعد مشروع. المطلوب أن ينتقل إلى قائمة المناطق التي تُبنى فيها الفرص والمشاريع والاستثمارات.

64,310 مواطن ليسوا رقماً في جدول إحصائي؛ إنهم مجتمع كامل، وسوق، وقوة عمل، وشباب، وطاقات، وإمكانات اقتصادية. ولذلك فإن الطيبة لا تحتاج إلى حلول صغيرة بحجم المشكلة، بل إلى رؤية تنموية بحجم الإنسان والمكان والإمكانات.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً اليوم ليس: ماذا ينقص الطيبة؟ بل: متى يبدأ العمل على مشروع تنموي حقيقي يجعل من الطيبة مركزاً للإنتاج والاستثمار والفرص، لا مجرد منطقة تنتظر المشاريع؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 21:37