'ميجاترون' آلة زمن رقمية: محاكاة تفك أسرار مهد درب التبانة بعد الانفجار العظيم

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 15:12
مدار الساعة -أعاد فريق من الباحثين بناء المراحل الأولى من تكوّن مجرة درب التبانة في محاكاة حاسوبية جديدة، تتيح تصوراً لما ربما كانت عليه مجرتنا خلال بدايات الكون، بعد نحو 100 مليون عام فقط من الانفجار العظيم.

وتقدم المحاكاة، التي تحمل اسم «ميجاترون»، واحدة من أكثر المحاولات تفصيلاً لتتبع الظروف التي سبقت تشكل مجرة درب التبانة بصورتها الحالية، من خلال الجمع بين أحدث البيانات الفلكية والنماذج الفيزيائية التي تحاكي تطور المجرات والنجوم والغاز.

واعتمد الباحثون على بيانات السنوات الثلاث الأولى من عمليات الرصد التي أجراها تلسكوب جيمس ويب الفضائي، إلى جانب نماذج تحاكي مجموعة واسعة من العمليات الفيزيائية، تشمل الجاذبية وحركة الغاز والإشعاع والكيمياء وتأثير النجوم الشابة ودورة حياتها وموتها.

وقال هارلي كاتز، الأستاذ المساعد في علم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو وقائد المشروع، إن الفريق أدخل في النموذج مختلف العمليات الفيزيائية التي يعتقد أنها كانت مؤثرة، ثم ترك المحاكاة تتطور لمعرفة ما إذا كانت النتائج يمكن أن تعيد إنتاج ما يرصده العلماء في الكون حالياً.

شبكة كونية

لم تظهر مجرتنا بالشكل الذي نعرفه اليوم دفعة واحدة. ففي المراحل المبكرة من الكون، كانت المادة موزعة ضمن بنية ضخمة تعرف باسم «الشبكة الكونية»، تتجمع عند عقدها مجرات وأنظمة صغيرة وكبيرة.

وتشير المحاكاة إلى أن سلسلة من هذه المجرات البدائية تفاعلت واندفعت نحو بعضها بعضاً، قبل أن تندمج أنظمة عديدة عبر مليارات السنين لتشكل في النهاية المكونات التي أصبحت جزءاً من درب التبانة.

ويتيح نموذج «ميجاترون» للباحثين تتبع آلاف الأنظمة الفرعية، ومحاولة حساب الطريقة التي كان يمكن أن تبدو بها هذه الأنظمة لو رصدها العلماء باستخدام أقوى التلسكوبات الفضائية المتاحة اليوم.

وتكشف المحاكاة عن كون مبكر شديد التنوع، فبعض المجرات كانت تمر بمراحل نشطة من تشكل النجوم، بينما كانت أخرى قد توقفت عن إنتاج النجوم، في حين كانت أنظمة أخرى تمر بمرحلة انتقالية تقود إلى تغيرات جذرية في بنيتها.

ومن المفاجآت أن بعض الأنظمة التي ظهرت في المحاكاة تشبه في خصائصها مجرة «كلاود-9»، وهي تجمع ضخم من الغاز والمادة المظلمة لا يحتوي تقريباً على نجوم.

وفي حالات أخرى، بدأت بعض مكونات البيئة التي نشأت فيها درب التبانة بنجوم، قبل أن ينتهي تطورها بتشكّل ثقوب سوداء.

لغز الحديد

لا تقتصر أهمية المحاكاة على إعادة بناء شكل مجرتنا في طفولتها، إذ ساعدت أيضاً في دراسة مشكلة حيّرت العلماء بشأن توزيع الحديد في المجرات الصغيرة جداً.

وينتج الحديد داخل النجوم الضخمة، ثم ينتشر في الفضاء عندما تنفجر هذه النجوم في صورة مستعرات عظمى، وبشكل عام، كلما ازدادت كتلة المجرة، زادت فرص احتفاظها بالعناصر الثقيلة، ومنها الحديد.

إلا أن هذه العلاقة تصبح أقل وضوحاً في المجرات الصغيرة للغاية، وهو ما فشلت بعض المحاكاة السابقة في تفسيره بصورة كاملة.

ويقترح النموذج الجديد احتمالاً يرتبط بالجيل الأول من النجوم في الكون، وهي نجوم لم يرصدها العلماء بصورة مباشرة حتى الآن. ووفق السيناريو الذي طرحته المحاكاة، ربما كانت هذه النجوم أكثر كفاءة في إنتاج الحديد عندما انفجرت كمستعرات عظمى.

وفي المجرات الصغيرة، قد تكون قوة الانفجارات أكبر من قدرة الجاذبية على الاحتفاظ بالعناصر الثقيلة، ما يؤدي إلى دفع الحديد بعيداً عن المجرة ويغير العلاقة المتوقعة بين كتلة المجرة ومحتواها من الحديد.

ماضي البدايات

يرى فريق «ميجاترون» أن النتائج تشير إلى أن الأحداث التي وقعت في المراحل الأولى جداً من الكون يمكن أن تترك آثاراً تمتد حتى الوقت الحالي، وتساعد في تفسير خصائص المجرات التي يرصدها العلماء اليوم.

ومع ذلك، لا تقدم المحاكاة صورة نهائية لتاريخ درب التبانة، إذ أظهرت أيضاً جوانب لا تزال النماذج الحالية عاجزة عن تفسيرها بالكامل.

ويرى الباحثون أن هذه الفجوات قد تكون مهمة بقدر أهمية النتائج نفسها، لأنها يمكن أن تكشف عن فيزياء أو عمليات لم تدخل بعد في النماذج المستخدمة لفهم نشأة المجرات.

نوقش مشروع «ميجاترون» في ست أوراق بحثية تناولت جوانب مختلفة من تكوّن المجرات وتطورها المبكر، ونُشرت الأبحاث في مجلة «The Open Journal of Astrophysics».

وبذلك تمنح المحاكاة العلماء فرصة فريدة للنظر إلى الماضي السحيق، ليس عبر آلة حقيقية للسفر عبر الزمن، وإنما من خلال الجمع بين أرصاد تلسكوب جيمس ويب وأحدث النماذج الفيزيائية، لإعادة بناء واحدة من أقدم مراحل القصة التي انتهت بتكوين مجرتنا كما نراها اليوم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 15:12