'أزلها قبل الطيران'

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 15:16
مدار الساعة-ربما لفتت أنظارك يوما تلك الشرائط الحمراء الطويلة المتدلية من أجزاء مختلفة من الطائرات، والتي تحمل عبارة "أزلها قبل الطيران" وقد تبدو للوهلة الأولى مجرد علامة تحذيرية بسيطة أو حتى قطعة تزيينية، لكنها في الحقيقة تؤدي دورا أساسيا في منظومة سلامة الطائرات.

تظهر هذه الشرائط عادةً أثناء وجود الطائرة على الأرض، وتُثبت على مجموعة من المعدات التي يجب إزالتها قبل الإقلاع، من بينها أغطية أنابيب قياس سرعة الهواء، ومسامير تثبيت معدات الهبوط، وأقفال أسطح التحكم، وأغطية مداخل المحركات، إضافة إلى مسامير الأمان الخاصة بمقاعد القذف في الطائرات العسكرية.

ليست مجرد شرائط حمراء

وراء اللون الأحمر اللافت والعبارة الشهيرة وظيفة عملية شديدة الأهمية، إذ تشير كل علامة إلى قطعة أو جهاز يؤدي مهمة أثناء وجود الطائرة على الأرض، لكنه قد يشكل خطرا بالغا إذا بقي في مكانه بعد الإقلاع.

فعلى سبيل المثال، تحمي أغطية أنابيب مجسات من الحشرات والغبار والمياه، بينما تمنع مسامير تثبيت معدات الهبوط من تحركها أو انطوائها أثناء أعمال الصيانة أو وقوف الطائرة.

وفي الطائرات المقاتلة، تكتسب هذه العلامات أهمية أكبر، خصوصا تلك المرتبطة بمقاعد القذف، إذ تمنع مسامير الأمان تشغيل نظام القذف بصورة عرضية أثناء وجود الطيارين أو فرق الصيانة داخل الطائرة، ويتم نزعها قبل الإقلاع وإعادتها بعد هبوط الطائرة.

حوادث كشفت خطورة التفاصيل الصغيرة

ويظهر تاريخ الطيران أن تجاهل معدات الأرض أو نسيان إزالتها يمكن أن تكون له عواقب كارثية.

ففي 31 مارس 1975، تحطمت طائرة تابعة للخطوط الجوية الملكية النيبالية بعد وقت قصير من إقلاعها من كاتماندو، ما أسفر عن وفاة خمسة أشخاص. وبحسب المصادر، لم يُجرِ الطيار جولة تفقدية خارجية للطائرة قبل الإقلاع، ولم يلاحظ أن أحد الجنيحات كان لا يزال مثبتا بقفل أرضي.

وفي حادث أكثر شهرة، تحطمت طائرة في المحيط الهادئ قبالة سواحل بيرو في 2 أكتوبر 1996، ما أدى إلى وفاة جميع الأشخاص الـ70 الذين كانوا على متنها.

وكان شريط لاصق قد تُرك فوق فتحات الضغط الساكن في الطائرة بعد عملية تنظيفها وتلميعها، ما أدى إلى حصول الطاقم على قراءات خاطئة للسرعة والارتفاع، بينما أرسل جهاز الإرسال والاستقبال أيضا بيانات ارتفاع غير صحيحة إلى مراقبي الحركة الجوية.

واللافت أن الشريط اللاصق لم يكن يحمل أي علامة حمراء، وهو ما يبرز أهمية أن تكون أي قطعة يمكن أن تحجب أجهزة الاستشعار واضحة وملحوظة أثناء الفحص.

حتى الشرائط الحمراء لا تضمن السلامة

لكن وجود الشرائط الحمراء لا يعني أن الخطأ أصبح مستحيلا، ففي 21 يونيو 2021، أقلعت طائرة تابعة لشركة كانتاس من سيدني، بينما كانت مسامير تثبيت معدات الهبوط لا تزال في مكانها، وعندما لم يتمكن الطاقم من رفع معدات الهبوط، اضطرت الطائرة إلى العودة.

وخلص تحقيق مكتب سلامة النقل الأسترالي إلى أن الشرائط التحذيرية ليست سوى وسيلة مساعدة، مشددا على ضرورة التحقق الفعلي من إزالة المسمار أو القطعة نفسها، وعدم الاكتفاء بملاحظة الشريط.

وهذه النقطة تعد من المبادئ الأساسية في سلامة الطيران، العلامة تحذّر، لكن إجراءات الفحص هي التي تؤكد أن الطائرة جاهزة للإقلاع.

من أدوات السلامة إلى رمز عالمي للطيران

وتشير تحقيقات أخرى إلى أهمية استخدام علامات تحذيرية واضحة على المعدات الأرضية، ففي تحقيق كندي عام 2008 بشأن تحطم مروحية، تبيّن أن غطاء مدخل للمحرك لم يكن يحمل شرائط تحذيرية بارزة أصبح متشابكا مع أدوات التحكم، وساهم في وقوع الحادث.

وبمرور الوقت، تجاوزت عبارة ازلها قبل الطيران وظيفتها داخل المطارات لتتحول إلى واحدة من أشهر الرموز المرتبطة بالطيران، فأصبحت الشرائط الحمراء تُباع على شكل ميداليات للمفاتيح وبطاقات للأمتعة وغيرها من المنتجات التي يستخدمها عشاق الطيران حول العالم.

ورغم بساطة تصميمها، تلخص هذه الشرائط مبدأ بالغ الأهمية في عالم الطيران، أحيانا يكون التفصيل الصغير هو الفاصل بين رحلة آمنة وحادث خطير.

فالشريط الأحمر ليس هو الذي يحمي الطائرة بحد ذاته، وإنما يذكّر الطيارين والمهندسين بوجود شيء يجب إزالته قبل الإقلاع، فيما يبقى الفحص والتأكد الفعلي خط الدفاع الأخير قبل أن تغادر الطائرة مدرج المطار.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 15:16