كيف تأثرت تجارة الأردن باضطرابات باب المندب؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 11:15
مدار للساعة - محمد الطراونة - وضعت اضطرابات باب المندب والبحر الأحمر التجارة الأردنية أمام اختبار صعب، في ظل اعتماد المملكة على ميناء العقبة منفذا بحريا رئيسيا، وارتباط جزء مهم من تجارتها الخارجية بالمسارات البحرية القادمة من شرق آسيا.

لكن أثر الاضطرابات جاء حتى الآن مختلفا عما قد توحي به المخاطر المحيطة بأحد أهم الممرات البحرية في المنطقة. فبينما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين واستغرقت بعض البضائع وقتا أطول للوصول، واصلت حركة ميناء العقبة نموها، وسجلت المناولة والحاويات والترانزيت والمستوردات زيادات لافتة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.

وتكشف هذه المفارقة طبيعة الضغط الذي تعرضت له تجارة الأردن حتى الآن، حيث تركز الأثر في ارتفاع الكلفة وإطالة زمن وصول بعض الشحنات، من دون أن يترافق ذلك مع توقف تدفق السلع أو انكماش نشاط ميناء العقبة.

ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين

يقول نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع ضيف الله أبو عاقولة للجزيرة نت إن الأردن تأثر "بشكل واضح" بتداعيات اضطرابات باب المندب والبحر الأحمر، لكن التأثير لم يصل إلى توقف الاستيراد أو تعطيل ميناء العقبة وعمليات التخليص.

ويضع أبو عاقولة ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين في مقدمة التداعيات، إلى جانب زيادة الوقت اللازم لوصول البضائع، ولا سيما القادمة من الصين وشرق آسيا.

وبحسب التقديرات التي يعرضها المتحدث نفسه، يرتبط نحو 28% من التجارة الخارجية الأردنية بمسار باب المندب، بقيمة واردات تقدر بنحو 6.6 مليارات دولار سنويا، فضلا عن صادرات تتجاوز ملياري دولار، مما يجعل اضطراب هذا الممر ينعكس على تكلفة التجارة حتى مع استمرار تدفق السلع.

وفي ذروة الاضطرابات، ارتفعت تكلفة شحن بعض الحاويات القادمة من الصين وشرق آسيا من نحو ألف دولار إلى 4 آلاف دولار، بالتزامن مع زيادة تكلفة التأمين وتغيير بعض شركات الملاحة مساراتها، مما أطال الرحلات ورفع كلفة وصول البضائع إلى السوق الأردنية.

نمو حركة الملاحة والمناولة في ميناء العقبة

في المقابل، تظهر أرقام ميناء العقبة التي عرضها أبو عاقولة استمرار نمو النشاط رغم اضطرابات الملاحة.

فقد بلغت مناولة البضائع خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي 17.65 مليون طن، مقابل 15.66 مليون طن في الفترة نفسها من 2025، بزيادة 12.7%.

زادت مناولة الحاويات 5.5% إلى 679 ألفا و145 حاوية نمطية.

قفزت حاويات الترانزيت 185.6% إلى 60 ألفا و817 حاوية.

وتجاوزت المستوردات 10.8 ملايين طن، بزيادة 33.8%.

ارتفعت واردات الحبوب 59.3%.

سجلت حركة السيارات زيادات كبيرة، مع ارتفاع الواردات 72.6% إلى 105 آلاف و719 سيارة.

زادت صادرات السيارات وإعادة تصديرها بأكثر من 1106%.

وتقول نقابة ملاحة الأردن للجزيرة نت إنه لم يصدر أي إعلان عن توقف الملاحة في باب المندب، وإن حركة العبور لا تزال مستمرة رغم تراجع عدد السفن العابرة، مشيرة إلى رقم يبلغ نحو 20 سفينة مقارنة بمعدل طبيعي يتراوح بين 60 و80 سفينة يوميا.

وتؤكد النقابة أن انعكاسات الأحداث الإقليمية لم تؤد إلى تراجع نشاط العقبة، لافتة إلى أن ميناء الحاويات سجل في أغسطس/آب رقما قياسيا بلغ نحو 104 آلاف حاوية نمطية، مع وجود 23 سفينة تنتظر في البحر للتفريغ.

وامتد النشاط إلى ميناء النفط، حيث ارتفعت المناولة 35% مع تصدير بعض المشتقات النفطية العراقية عبر العقبة. وكان في الميناء نحو 28 ألف سيارة مخزنة، إضافة إلى 4 سفن لنقل السيارات تستعد للرسو.

استمرار تدفق التجارة الخارجية الأردنية

تدعم مؤشرات التجارة الخارجية الأوسع بدورها صورة استمرار النشاط. فقد أظهر تقرير لدائرة الإحصاءات العامة، اطلعت عليه الجزيرة نت، ارتفاع قيمة الصادرات الوطنية خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 4.6% إلى 5.509 مليارات دينار (نحو 7.75 مليارات دولار)، بينما ارتفعت قيمة المعاد تصديره 67.2% إلى 886 مليون دينار.

ولا تعني هذه الأرقام غياب الضغوط عن جميع بنود التجارة. فقد انخفضت صادرات الفوسفات 21.1%، وصادرات البضائع العامة 26.4%، كما تراجعت واردات حديد البناء والمواسير والكبريت بنسب متفاوتة، لكن الاتجاه الإجمالي لحركة العقبة ظل نحو النمو.

وسجلت بعض مؤشرات التشغيل تحسنا أيضا، وفق أبو عاقولة، مع انخفاض متوسط بقاء حاويات الترانزيت من نحو 15 يوما إلى 12 يوما، بينما يبلغ متوسط بقاء الحاويات المخصصة للسوق المحلية نحو 8 أيام.

كما ارتفعت الطاقة التشغيلية اليومية لميناء الحاويات من نحو 900 إلى 1200 حاوية.

مسارات شحن بديلة

ورغم استمرار حركة الملاحة والمؤشرات المسجلة في العقبة، تتعامل الحكومة مع الوضع في باب المندب باعتباره قابلا للتغير مع تطورات المنطقة.

ويقول وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني يعرب القضاة إن الحكومة وضعت خطة احترازية لضمان استمرار سلاسل الإمداد في حال طرأت تطورات على حركة الملاحة، مؤكدا أن السفن المتجهة إلى الأردن عبر باب المندب تصل حاليا بصورة طبيعية.

وتقوم الخطة على 3 مسارات بديلة تشمل استخدام الموانئ السورية، واللجوء إلى موانئ بديلة لنقل البضائع إلى المملكة، إضافة إلى مسار بري يمتد من أوروبا عبر تركيا وسوريا وصولا إلى الأردن.

وقال القضاة، في تصريحات خلال مؤتمر صحفي مع جمعية رجال الأعمال، إن الإجراءات الحكومية المتخذة منذ بداية الصراعات الإقليمية ساعدت على تخفيف انعكاساتها على توافر المواد والقدرة التصديرية، لافتا إلى أن مناولة الحاويات في العقبة حتى مطلع سبتمبر/أيلول تجاوزت مستواها المسجل في العام الماضي بأكثر من 5%.

أين وقع الضرر؟

تقدم الأرقام إجابة أكثر دقة عن أثر اضطرابات باب المندب في تجارة الأردن. فالضرر الظاهر حتى الآن لم يتمثل في نقص البضائع أو تعطل الميناء، بقدر ما تركز في ارتفاع فاتورة توصيل بعض الشحنات وزيادة الوقت الذي تستغرقه الرحلات.

وتزداد حساسية هذا الأثر بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، لأن ارتفاع أجور النقل والتأمين يمكن أن يزيد تكلفة الاستيراد والمواد الأولية، حتى من دون اختفاء السلع من الأسواق، وفق مراقبين.

في المقابل، تشير زيادة المناولة والترانزيت والحاويات إلى أن اضطرابات الملاحة لم تمنع ميناء العقبة حتى الآن من تسجيل نمو في نشاطه والحفاظ على تدفق التجارة.

وبذلك، لا تبدو معادلة باب المندب بالنسبة إلى الأردن حتى الآن أزمة توافر بقدر ما هي أزمة تكلفة ووقت. فقد حافظت منظومة العقبة على استمرارية عملياتها رغم الاضطرابات، بينما يظل الجانب المالي من الأزمة مرتبطا بمدتها، وتحولات مسارات الملاحة، ومستويات كلف الشحن والتأمين عالميا.

المصدر: الجزيرة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 11:15