العشيرة الأردنية في زمن التحول.. من المكانة الموروثة إلى المسؤولية والكفاءة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/04 الساعة 14:11
ليست المسألة في الأردن ما إذا كانت العشيرة ستبقى حاضرة في المجتمع، فهذا الحضور حقيقة اجتماعية وتاريخية، وإنما في الكيفية التي يمكن أن تتطور بها أدوارها في دولة حديثة تحكمها المؤسسات والدستور والقانون. ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل تستطيع المكانة الاجتماعية أن تتسع لمعايير جديدة، دون أن تفقد جذورها؟
شهد المجتمع الأردني خلال العقود الماضية تحولات عميقة في التعليم والعمل والتحضر وتنوع المهن والخبرات. وانعكس ذلك على أبناء العشائر أنفسهم؛ فبرزوا في القضاء والجيش والتعليم والجامعات والإدارة والسياسة وسائر المهن، وأصبح من المألوف أن يجتمع الانتماء الاجتماعي مع التأهيل العلمي والخبرة المهنية.
وهذا التحول لا يلغي قيمة المكانة المتوارثة، لكنه يجعل مفهوم الأهلية أكثر اتساعًا. فالشخصية التي تضطلع بدور اجتماعي مؤثر تحتاج، إلى جانب معرفة الأعراف والخبرة المتراكمة، إلى حسن السيرة والأمانة والعلم والقدرة على الحوار وفهم القانون والحكمة في معالجة الخلافات. وهذه ليست معايير مفروضة من الخارج، بل صفات تزداد أهميتها كلما أصبحت القضايا التي يواجهها المجتمع أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، لا تبدو فكرة الاختيار أو التشاور داخل الأطر الاجتماعية غريبة عن طبيعة المجتمع، كما لا يلزم أن تأخذ شكلًا واحدًا في جميع العشائر. فالأعراف تختلف، والظروف تختلف، وما يصلح في بيئة قد لا يكون مناسبًا في أخرى. لكن المبدأ الأهم هو أن تكون المكانة مرتبطة بالثقة والأهلية، وأن يكون المجال مفتوحًا أمام من يمتلك القدرة على تحمل المسؤولية وخدمة الناس.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إليها من زاوية دستورية وقانونية. فالدولة الأردنية تقوم على مؤسسات واختصاصات محددة، والدستور والقانون هما الإطار الناظم للعلاقات العامة وحماية الحقوق. ولذلك فإن الدور الاجتماعي للعشيرة لا يمكن أن يكون بديلًا عن القضاء أو الإدارة أو أي مؤسسة رسمية، ولا أن ينشئ اختصاصًا خارج القانون.
وفي المقابل، فإن احترام سيادة القانون لا يعني إلغاء الأدوار الاجتماعية؛ فالإصلاح والتقريب والتكافل والتواصل بين الناس مجالات يمكن أن تؤدي فيها الشخصيات الاجتماعية دورًا إيجابيًا، ما دام ذلك يتم في إطار القانون واحترام حقوق الأفراد وعدم المساس باختصاص المؤسسات.
وهنا تظهر نقطة التوازن الأساسية: العشيرة ليست منافسًا للدولة، والدولة ليست نقيضًا للمجتمع. فالدولة توفر الإطار الدستوري والقانوني الجامع، بينما تشكل الروابط الاجتماعية جزءًا من البنية المجتمعية التي يمكن أن تسهم في التماسك والاستقرار. وكلما كانت الحدود بين المجالين واضحة، أصبح التعاون أكثر فاعلية وأقل عرضة للالتباس.
ومن ثم، فإن تطوير معايير المكانة الاجتماعية لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين جيل وآخر أو بين الموروث والحداثة. فالخبرة المتراكمة قيمة، لكن الكفاءة قيمة أيضًا؛ والمكانة تحظى بالاحترام حين تقترن بالسلوك المسؤول، وبالقدرة على تمثيل الناس والاستماع إليهم ومعالجة الخلافات بحكمة.
وربما يكون من المفيد أن ينتقل هذا النقاش من الآراء الفردية إلى حوار مجتمعي هادئ ومسؤول تشارك فيه الشخصيات الاجتماعية والأكاديميون والقانونيون والشباب، ليس بهدف وضع نموذج موحد للعشائر، وإنما لمناقشة كيفية الحفاظ على القيم الإيجابية للموروث وتطوير الأدوار الاجتماعية بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع.
إن التجديد الحقيقي لا يحتاج إلى قطيعة مع الماضي، كما أن احترام الماضي لا يبرر الجمود. وما يحتاجه المجتمع هو معادلة أكثر نضجًا: موروث يحفظ الهوية، وكفاءة تمنح المكانة معناها، وقانون يضبط الاختصاص، ودولة تبقى المرجعية الدستورية الجامعة.
وبهذا المعنى، فإن مستقبل الدور الاجتماعي للعشيرة لا يتوقف على حجم حضورها، بل على جودة هذا الحضور؛ فكلما ارتبطت المكانة بالأهلية، والدور بالمسؤولية، والعرف باحترام القانون، أمكن للموروث أن يواصل أداء وظيفته الاجتماعية بصورة أكثر اتزانًا، داخل الدولة لا خارجها، وفي خدمة المجتمع لا في منافسة مؤسساته.
د. يوسف فايز يوسف الدلابيح
شهد المجتمع الأردني خلال العقود الماضية تحولات عميقة في التعليم والعمل والتحضر وتنوع المهن والخبرات. وانعكس ذلك على أبناء العشائر أنفسهم؛ فبرزوا في القضاء والجيش والتعليم والجامعات والإدارة والسياسة وسائر المهن، وأصبح من المألوف أن يجتمع الانتماء الاجتماعي مع التأهيل العلمي والخبرة المهنية.
وهذا التحول لا يلغي قيمة المكانة المتوارثة، لكنه يجعل مفهوم الأهلية أكثر اتساعًا. فالشخصية التي تضطلع بدور اجتماعي مؤثر تحتاج، إلى جانب معرفة الأعراف والخبرة المتراكمة، إلى حسن السيرة والأمانة والعلم والقدرة على الحوار وفهم القانون والحكمة في معالجة الخلافات. وهذه ليست معايير مفروضة من الخارج، بل صفات تزداد أهميتها كلما أصبحت القضايا التي يواجهها المجتمع أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، لا تبدو فكرة الاختيار أو التشاور داخل الأطر الاجتماعية غريبة عن طبيعة المجتمع، كما لا يلزم أن تأخذ شكلًا واحدًا في جميع العشائر. فالأعراف تختلف، والظروف تختلف، وما يصلح في بيئة قد لا يكون مناسبًا في أخرى. لكن المبدأ الأهم هو أن تكون المكانة مرتبطة بالثقة والأهلية، وأن يكون المجال مفتوحًا أمام من يمتلك القدرة على تحمل المسؤولية وخدمة الناس.
وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إليها من زاوية دستورية وقانونية. فالدولة الأردنية تقوم على مؤسسات واختصاصات محددة، والدستور والقانون هما الإطار الناظم للعلاقات العامة وحماية الحقوق. ولذلك فإن الدور الاجتماعي للعشيرة لا يمكن أن يكون بديلًا عن القضاء أو الإدارة أو أي مؤسسة رسمية، ولا أن ينشئ اختصاصًا خارج القانون.
وفي المقابل، فإن احترام سيادة القانون لا يعني إلغاء الأدوار الاجتماعية؛ فالإصلاح والتقريب والتكافل والتواصل بين الناس مجالات يمكن أن تؤدي فيها الشخصيات الاجتماعية دورًا إيجابيًا، ما دام ذلك يتم في إطار القانون واحترام حقوق الأفراد وعدم المساس باختصاص المؤسسات.
وهنا تظهر نقطة التوازن الأساسية: العشيرة ليست منافسًا للدولة، والدولة ليست نقيضًا للمجتمع. فالدولة توفر الإطار الدستوري والقانوني الجامع، بينما تشكل الروابط الاجتماعية جزءًا من البنية المجتمعية التي يمكن أن تسهم في التماسك والاستقرار. وكلما كانت الحدود بين المجالين واضحة، أصبح التعاون أكثر فاعلية وأقل عرضة للالتباس.
ومن ثم، فإن تطوير معايير المكانة الاجتماعية لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين جيل وآخر أو بين الموروث والحداثة. فالخبرة المتراكمة قيمة، لكن الكفاءة قيمة أيضًا؛ والمكانة تحظى بالاحترام حين تقترن بالسلوك المسؤول، وبالقدرة على تمثيل الناس والاستماع إليهم ومعالجة الخلافات بحكمة.
وربما يكون من المفيد أن ينتقل هذا النقاش من الآراء الفردية إلى حوار مجتمعي هادئ ومسؤول تشارك فيه الشخصيات الاجتماعية والأكاديميون والقانونيون والشباب، ليس بهدف وضع نموذج موحد للعشائر، وإنما لمناقشة كيفية الحفاظ على القيم الإيجابية للموروث وتطوير الأدوار الاجتماعية بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع.
إن التجديد الحقيقي لا يحتاج إلى قطيعة مع الماضي، كما أن احترام الماضي لا يبرر الجمود. وما يحتاجه المجتمع هو معادلة أكثر نضجًا: موروث يحفظ الهوية، وكفاءة تمنح المكانة معناها، وقانون يضبط الاختصاص، ودولة تبقى المرجعية الدستورية الجامعة.
وبهذا المعنى، فإن مستقبل الدور الاجتماعي للعشيرة لا يتوقف على حجم حضورها، بل على جودة هذا الحضور؛ فكلما ارتبطت المكانة بالأهلية، والدور بالمسؤولية، والعرف باحترام القانون، أمكن للموروث أن يواصل أداء وظيفته الاجتماعية بصورة أكثر اتزانًا، داخل الدولة لا خارجها، وفي خدمة المجتمع لا في منافسة مؤسساته.
د. يوسف فايز يوسف الدلابيح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/04 الساعة 14:11