الأردن أمام اليمين الإسرائيلي: عندما يصبح الصمت الدولي جزءاً من الخطر
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/03 الساعة 23:13
من غزة إلى الضفة، ومن القدس إلى جنوب سوريا... هل نحن أمام حكومة إسرائيلية تريد تغيير قواعد المنطقة، أم أمام عالم يكتفي بمراقبة انهيارها؟
بقلم: المحامي طارق أبو الراغب
هناك لحظات في تاريخ الدول لا يعود السؤال فيها: ماذا يحدث؟
بل يصبح السؤال الأكثر خطورة: ماذا سيحدث إذا تركنا ما يحدث يستمر؟
وهذه، في تقديري، هي اللحظة التي يقف فيها الأردن اليوم.
فما يجري في إسرائيل لم يعد مجرد انتقال سياسي نحو اليمين، ولا مجرد حكومة يقودها بنيامين نتنياهو وتضم في قلبها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
نحن أمام تيار سياسي إسرائيلي يتعامل مع الجغرافيا باعتبارها مشروعاً قابلاً لإعادة الرسم، ومع الوقائع باعتبارها أدوات لفرض السياسة، ومع الزمن باعتباره حليفاً يمكن استخدامه لتثبيت ما كان بالأمس مرفوضاً، ثم تحويله غداً إلى أمر واقع.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسياسة لا تُقاس فقط بما تقوله الحكومات، وإنما بما تتركه من حقائق على الأرض.
وإذا كان المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع كثير من التطورات باعتبارها أزمات منفصلة، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع هو:
هل نحن أمام سلسلة من الأحداث المتفرقة، أم أمام مشروع سياسي متكامل يعيد إنتاج شكل جديد للمنطقة؟
نتنياهو وبن غفير وسموتريتش... أكثر من حكومة
قد يكون من السهل اختزال المشهد في أسماء ثلاثة: نتنياهو، بن غفير، سموتريتش.
لكن اختزال الأزمة بهم وحدهم قد يكون خطأً سياسياً.
فالمسألة أعمق من الأشخاص.
إنها تتعلق باتجاه سياسي أصبح يمتلك تأثيراً كبيراً في القرار الإسرائيلي، ويطرح رؤى تتجاوز حدود إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى إعادة تعريف العلاقة مع الأرض، والسكان، والحدود، والقدس، والاستيطان، بل ومستقبل الإقليم كله.
وهنا يصبح الأردن معنياً بصورة مباشرة.
ليس لأن الأردن يبحث عن مواجهة مع إسرائيل.
بل لأن الأردن يعرف، أكثر من كثيرين، أن أي محاولة لتغيير الواقع الفلسطيني بالقوة لا تنتهي بالضرورة عند حدود فلسطين.
وأن الحديث عن التهجير، أو تغيير التركيبة الديموغرافية، أو فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، ليس قضية فلسطينية فقط.
إنها قضية أردنية بامتياز عندما تكون نتيجتها المحتملة ضرب الاستقرار الإقليمي وفرض أعباء جديدة على الأردن.
ماذا قال الملك... وماذا يجب أن نفعل بعد أن قال؟
جلالة الملك عبدالله الثاني لم يذهب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضيف خطاباً جديداً إلى أرشيف الخطب الدولية.
لقد ذهب ليضع أمام العالم سؤالاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً:
إلى متى يمكن أن يستمر الإفلات من العقاب؟
وكان خطاب الملك مهماً ليس فقط في مفرداته، وإنما في توقيته وسقفه السياسي.
فالرسالة الأردنية لم تعد مجرد تضامن مع الشعب الفلسطيني، رغم أن هذا التضامن ثابت وأصيل.
الرسالة أصبحت تقول إن ما يجري في فلسطين، وما يجري في القدس، وما يجري في جنوب سوريا، وما يمس أمن الأردن المائي والحدودي، يدخل في دائرة الأمن الوطني الأردني المباشر.
وهنا علينا أن نتوقف.
لأن الخطاب الملكي، مهما كان قوياً، لا ينبغي أن يكون نهاية الموقف.
الخطاب بداية السياسة، وليس نهايتها.
والسؤال الآن ليس: ماذا قال الملك؟
السؤال هو:
ماذا سيفعل الأردن بعد أن قال الملك ذلك أمام العالم؟
العالم قلق... ولكن هل يكفي القلق؟
المفارقة الكبرى أن العالم يبدو أكثر قلقاً من أي وقت مضى، لكنه في الوقت ذاته يبدو أقل قدرة على تحويل هذا القلق إلى قوة سياسية قادرة على تغيير مسار الأحداث.
بيانات.
إدانات.
اجتماعات.
قرارات.
تصريحات.
ثم تعود آلة الواقع لتعمل بالطريقة نفسها.
وهنا يصبح السؤال مؤلماً:
كم بياناً دولياً نحتاج حتى يتوقف الاستيطان؟ وكم إدانة نحتاج حتى تصبح للقانون الدولي أسنان؟
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يطلب من الأردن والدول العربية ضبط النفس، بينما يسمح في الوقت ذاته بخلق وقائع جديدة حولها.
ولا يمكن أن يُطلب من الأردن أن يكون دولة استقرار في منطقة مضطربة، ثم يُترك وحده ليتعامل مع نتائج سياسات لا يصنعها.
فالأردن لا يريد الحرب.
لكن الأردن أيضاً لا يستطيع أن يكون المكان الذي تصل إليه نتائج الحروب دون أن يكون طرفاً فيها.
الخطر الآخر... معركة داخل الهاتف
هناك جبهة أخرى يجب ألا نغفل عنها.
إنها الجبهة التي لا تستخدم الطائرات ولا الدبابات.
الجبهة التي تبدأ بمنشور وتنتهي بانقسام.
ففي عالم اليوم، يمكن أن تكون الحرب على الدولة عبر شاشة هاتف.
حساب مجهول.
مقطع مجتزأ.
صورة قديمة.
خبر كاذب.
حسابات وهمية.
خطاب تحريضي.
معلومة صحيحة وضعت في سياق كاذب.
ثم تبدأ القصة.
لا نحتاج هنا إلى الوقوع في فخ نظرية المؤامرة، ولا إلى اعتبار كل نقد للأردن مؤامرة خارجية.
فالنقد حق.
والاختلاف حق.
وحرية التعبير ليست تهمة.
لكن الدولة التي تعيش في إقليم بهذا التعقيد لا تستطيع أيضاً أن تتعامل بسذاجة مع الحرب المعلوماتية.
والسؤال ليس فقط: من يقف خلف هذه الحسابات؟
السؤال الأهم:
لماذا يستطيع الكذب أحياناً أن يصل إلى المواطن أسرع من الحقيقة؟
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.
الجبهة الداخلية ليست شعاراً أمنياً
نحتاج إلى تمكين الجبهة الداخلية، نعم.
لكن علينا أن نعيد تعريف المصطلح.
الجبهة الداخلية ليست أن يتوقف الناس عن السؤال.
وليست أن تتحول المعارضة إلى تهمة.
وليست أن يصبح نقد الحكومة خروجاً على الدولة.
الجبهة الداخلية القوية هي التي تستطيع أن تختلف دون أن تنقسم، وأن تنتقد دون أن تهدم، وأن تسأل دون أن تفقد ثقتها بمؤسساتها.
الجبهة الداخلية لا تُبنى بالخوف... تُبنى بالثقة.
والثقة لا تأتي من البيانات وحدها.
تأتي من حكومة تتحدث مع الناس.
ومن إعلام قادر على الوصول إلى الحقيقة قبل الإشاعة.
ومن مسؤول يعرف كيف يخاطب المجتمع.
ومن أحزاب سياسية تتحول إلى مؤسسات وطنية حقيقية، لا مجرد أسماء في السجلات.
ومن دولة تقول الحقيقة لشعبها حتى عندما تكون الحقيقة صعبة.
الأردن لا يحتاج إلى التصعيد... لكنه يحتاج إلى أوراق قوة
هناك فرق هائل بين الدولة التي تبحث عن الحرب، والدولة التي تمنع الآخرين من التفكير في فرض الحرب عليها.
الأردن لا يحتاج إلى المغامرة.
لكنه يحتاج إلى الاستعداد.
يحتاج إلى توسيع شبكة تحالفاته.
إلى استخدام القانون الدولي بفعالية أكبر.
إلى توثيق كل ما يمكن توثيقه.
إلى تطوير أدواته الإعلامية والدبلوماسية.
إلى بناء خطاب دولي متماسك لا يتغير بتغير الحدث.
وإلى وضع السيناريوهات الأسوأ على الطاولة قبل أن تقع، لا بعدها.
فالسياسة الخارجية ليست فقط أن تعرف ماذا تريد.
السياسة الخارجية أن تجعل الآخرين يعرفون ماذا سيحدث إذا تم تجاوز خطوطك الحمراء.
وهذه ليست دعوة للحرب.
بل هي تعريف بسيط لمفهوم الردع.
لا يجوز أن ننتظر حتى يصبح المستحيل واقعاً
أخطر ما يمكن أن يحدث للأردن ليس أن تقع أزمة مفاجئة.
الأخطر أن تتراكم الوقائع الصغيرة حتى يصبح التعامل معها منفردة أمراً عادياً، ثم نكتشف ذات يوم أننا أمام واقع جديد لا يمكن تغييره بسهولة.
لهذا فإن حماية الأردن تبدأ قبل الأزمة.
قبل التهجير.
قبل انهيار التوازنات.
قبل انتقال الفوضى.
قبل أن يصبح الجنوب السوري ساحة تهديد مباشر.
وقبل أن تتحول حملات التضليل إلى أزمة ثقة داخل المجتمع.
الدول لا تحمي أمنها الوطني عندما تقع الكارثة فقط؛ الدول الذكية تبني أمنها قبل الكارثة.
الأردن أمام امتحان تاريخي
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بدقة بما ستفعله حكومة نتنياهو غداً.
لكن يمكننا أن نقرأ الاتجاهات.
ويمكننا أن نرى حجم التطرف في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ويمكننا أن نرى عجز المجتمع الدولي عن ترجمة كثير من مواقفه إلى إجراءات كافية.
ويمكننا أن نرى كيف أصبحت المنطقة مفتوحة على احتمالات لم تكن مطروحة بهذه الحدة قبل سنوات.
لذلك فإن المطلوب أردنياً ليس الخوف.
المطلوب اليقظة.
وليس الانفعال.
بل الاستعداد.
وليس الصدام.
بل امتلاك أدوات تمنع فرض الصدام.
وليس إغلاق المجال العام.
بل بناء مجتمع أكثر وعياً وثقة وقدرة على التمييز بين الاختلاف المشروع والاستهداف الممنهج.
وفي النهاية...
الأردن ليس دولة كبيرة بالمساحة، لكنه دولة كبيرة بالوظيفة.
والمشكلة أن بعض القوى قد تتعامل مع استقرار الأردن باعتباره نتيجة طبيعية، بينما الحقيقة أن هذا الاستقرار هو نتاج دولة تعرف كيف تمسك التوازن في أكثر مناطق العالم اضطراباً.
ولهذا، فإن العبث بأمن الأردن ليس تفصيلاً في معادلة المنطقة.
استقرار الأردن جزء من استقرار المنطقة.
والأردن لا يريد حرباً، لكنه لن يكون ساحة لتصحيح أخطاء الآخرين.
ولا يريد مواجهة، لكنه لن يقبل أن تتحول سياسات الآخرين إلى أزمات أردنية.
ولا يريد التصعيد، لكنه مطالب بأن يكون قادراً على الردع.
أما الجبهة الداخلية، فهي ليست خط دفاع ثانياً.
إنها خط الدفاع الأول.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى دولة أقوى في خطابها، وأسرع في إعلامها، وأوضح في رسائلها، وأوسع في تحالفاتها، وأكثر ثقة بشعبها.
ففي زمن تتغير فيه الخرائط بالقوة، وتُصنع الوقائع على الأرض، وتُشن الحروب على الشاشات...
لا يكفي أن يعرف الأردن أين يقف.
عليه أن يجعل العالم يعرف أن للأردن خطوطاً لا تُختبر، وأمناً لا يُساوَم عليه، ودولة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى بابها.
فالسلام الذي لا تحميه قوة سياسية وقانونية ومجتمعية... قد يتحول، في لحظة ما، إلى مجرد هدنة بانتظار الأزمة التالية.
بقلم: المحامي طارق أبو الراغب
هناك لحظات في تاريخ الدول لا يعود السؤال فيها: ماذا يحدث؟
بل يصبح السؤال الأكثر خطورة: ماذا سيحدث إذا تركنا ما يحدث يستمر؟
وهذه، في تقديري، هي اللحظة التي يقف فيها الأردن اليوم.
فما يجري في إسرائيل لم يعد مجرد انتقال سياسي نحو اليمين، ولا مجرد حكومة يقودها بنيامين نتنياهو وتضم في قلبها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
نحن أمام تيار سياسي إسرائيلي يتعامل مع الجغرافيا باعتبارها مشروعاً قابلاً لإعادة الرسم، ومع الوقائع باعتبارها أدوات لفرض السياسة، ومع الزمن باعتباره حليفاً يمكن استخدامه لتثبيت ما كان بالأمس مرفوضاً، ثم تحويله غداً إلى أمر واقع.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسياسة لا تُقاس فقط بما تقوله الحكومات، وإنما بما تتركه من حقائق على الأرض.
وإذا كان المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع كثير من التطورات باعتبارها أزمات منفصلة، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع هو:
هل نحن أمام سلسلة من الأحداث المتفرقة، أم أمام مشروع سياسي متكامل يعيد إنتاج شكل جديد للمنطقة؟
نتنياهو وبن غفير وسموتريتش... أكثر من حكومة
قد يكون من السهل اختزال المشهد في أسماء ثلاثة: نتنياهو، بن غفير، سموتريتش.
لكن اختزال الأزمة بهم وحدهم قد يكون خطأً سياسياً.
فالمسألة أعمق من الأشخاص.
إنها تتعلق باتجاه سياسي أصبح يمتلك تأثيراً كبيراً في القرار الإسرائيلي، ويطرح رؤى تتجاوز حدود إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى إعادة تعريف العلاقة مع الأرض، والسكان، والحدود، والقدس، والاستيطان، بل ومستقبل الإقليم كله.
وهنا يصبح الأردن معنياً بصورة مباشرة.
ليس لأن الأردن يبحث عن مواجهة مع إسرائيل.
بل لأن الأردن يعرف، أكثر من كثيرين، أن أي محاولة لتغيير الواقع الفلسطيني بالقوة لا تنتهي بالضرورة عند حدود فلسطين.
وأن الحديث عن التهجير، أو تغيير التركيبة الديموغرافية، أو فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، ليس قضية فلسطينية فقط.
إنها قضية أردنية بامتياز عندما تكون نتيجتها المحتملة ضرب الاستقرار الإقليمي وفرض أعباء جديدة على الأردن.
ماذا قال الملك... وماذا يجب أن نفعل بعد أن قال؟
جلالة الملك عبدالله الثاني لم يذهب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضيف خطاباً جديداً إلى أرشيف الخطب الدولية.
لقد ذهب ليضع أمام العالم سؤالاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً:
إلى متى يمكن أن يستمر الإفلات من العقاب؟
وكان خطاب الملك مهماً ليس فقط في مفرداته، وإنما في توقيته وسقفه السياسي.
فالرسالة الأردنية لم تعد مجرد تضامن مع الشعب الفلسطيني، رغم أن هذا التضامن ثابت وأصيل.
الرسالة أصبحت تقول إن ما يجري في فلسطين، وما يجري في القدس، وما يجري في جنوب سوريا، وما يمس أمن الأردن المائي والحدودي، يدخل في دائرة الأمن الوطني الأردني المباشر.
وهنا علينا أن نتوقف.
لأن الخطاب الملكي، مهما كان قوياً، لا ينبغي أن يكون نهاية الموقف.
الخطاب بداية السياسة، وليس نهايتها.
والسؤال الآن ليس: ماذا قال الملك؟
السؤال هو:
ماذا سيفعل الأردن بعد أن قال الملك ذلك أمام العالم؟
العالم قلق... ولكن هل يكفي القلق؟
المفارقة الكبرى أن العالم يبدو أكثر قلقاً من أي وقت مضى، لكنه في الوقت ذاته يبدو أقل قدرة على تحويل هذا القلق إلى قوة سياسية قادرة على تغيير مسار الأحداث.
بيانات.
إدانات.
اجتماعات.
قرارات.
تصريحات.
ثم تعود آلة الواقع لتعمل بالطريقة نفسها.
وهنا يصبح السؤال مؤلماً:
كم بياناً دولياً نحتاج حتى يتوقف الاستيطان؟ وكم إدانة نحتاج حتى تصبح للقانون الدولي أسنان؟
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يطلب من الأردن والدول العربية ضبط النفس، بينما يسمح في الوقت ذاته بخلق وقائع جديدة حولها.
ولا يمكن أن يُطلب من الأردن أن يكون دولة استقرار في منطقة مضطربة، ثم يُترك وحده ليتعامل مع نتائج سياسات لا يصنعها.
فالأردن لا يريد الحرب.
لكن الأردن أيضاً لا يستطيع أن يكون المكان الذي تصل إليه نتائج الحروب دون أن يكون طرفاً فيها.
الخطر الآخر... معركة داخل الهاتف
هناك جبهة أخرى يجب ألا نغفل عنها.
إنها الجبهة التي لا تستخدم الطائرات ولا الدبابات.
الجبهة التي تبدأ بمنشور وتنتهي بانقسام.
ففي عالم اليوم، يمكن أن تكون الحرب على الدولة عبر شاشة هاتف.
حساب مجهول.
مقطع مجتزأ.
صورة قديمة.
خبر كاذب.
حسابات وهمية.
خطاب تحريضي.
معلومة صحيحة وضعت في سياق كاذب.
ثم تبدأ القصة.
لا نحتاج هنا إلى الوقوع في فخ نظرية المؤامرة، ولا إلى اعتبار كل نقد للأردن مؤامرة خارجية.
فالنقد حق.
والاختلاف حق.
وحرية التعبير ليست تهمة.
لكن الدولة التي تعيش في إقليم بهذا التعقيد لا تستطيع أيضاً أن تتعامل بسذاجة مع الحرب المعلوماتية.
والسؤال ليس فقط: من يقف خلف هذه الحسابات؟
السؤال الأهم:
لماذا يستطيع الكذب أحياناً أن يصل إلى المواطن أسرع من الحقيقة؟
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.
الجبهة الداخلية ليست شعاراً أمنياً
نحتاج إلى تمكين الجبهة الداخلية، نعم.
لكن علينا أن نعيد تعريف المصطلح.
الجبهة الداخلية ليست أن يتوقف الناس عن السؤال.
وليست أن تتحول المعارضة إلى تهمة.
وليست أن يصبح نقد الحكومة خروجاً على الدولة.
الجبهة الداخلية القوية هي التي تستطيع أن تختلف دون أن تنقسم، وأن تنتقد دون أن تهدم، وأن تسأل دون أن تفقد ثقتها بمؤسساتها.
الجبهة الداخلية لا تُبنى بالخوف... تُبنى بالثقة.
والثقة لا تأتي من البيانات وحدها.
تأتي من حكومة تتحدث مع الناس.
ومن إعلام قادر على الوصول إلى الحقيقة قبل الإشاعة.
ومن مسؤول يعرف كيف يخاطب المجتمع.
ومن أحزاب سياسية تتحول إلى مؤسسات وطنية حقيقية، لا مجرد أسماء في السجلات.
ومن دولة تقول الحقيقة لشعبها حتى عندما تكون الحقيقة صعبة.
الأردن لا يحتاج إلى التصعيد... لكنه يحتاج إلى أوراق قوة
هناك فرق هائل بين الدولة التي تبحث عن الحرب، والدولة التي تمنع الآخرين من التفكير في فرض الحرب عليها.
الأردن لا يحتاج إلى المغامرة.
لكنه يحتاج إلى الاستعداد.
يحتاج إلى توسيع شبكة تحالفاته.
إلى استخدام القانون الدولي بفعالية أكبر.
إلى توثيق كل ما يمكن توثيقه.
إلى تطوير أدواته الإعلامية والدبلوماسية.
إلى بناء خطاب دولي متماسك لا يتغير بتغير الحدث.
وإلى وضع السيناريوهات الأسوأ على الطاولة قبل أن تقع، لا بعدها.
فالسياسة الخارجية ليست فقط أن تعرف ماذا تريد.
السياسة الخارجية أن تجعل الآخرين يعرفون ماذا سيحدث إذا تم تجاوز خطوطك الحمراء.
وهذه ليست دعوة للحرب.
بل هي تعريف بسيط لمفهوم الردع.
لا يجوز أن ننتظر حتى يصبح المستحيل واقعاً
أخطر ما يمكن أن يحدث للأردن ليس أن تقع أزمة مفاجئة.
الأخطر أن تتراكم الوقائع الصغيرة حتى يصبح التعامل معها منفردة أمراً عادياً، ثم نكتشف ذات يوم أننا أمام واقع جديد لا يمكن تغييره بسهولة.
لهذا فإن حماية الأردن تبدأ قبل الأزمة.
قبل التهجير.
قبل انهيار التوازنات.
قبل انتقال الفوضى.
قبل أن يصبح الجنوب السوري ساحة تهديد مباشر.
وقبل أن تتحول حملات التضليل إلى أزمة ثقة داخل المجتمع.
الدول لا تحمي أمنها الوطني عندما تقع الكارثة فقط؛ الدول الذكية تبني أمنها قبل الكارثة.
الأردن أمام امتحان تاريخي
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بدقة بما ستفعله حكومة نتنياهو غداً.
لكن يمكننا أن نقرأ الاتجاهات.
ويمكننا أن نرى حجم التطرف في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
ويمكننا أن نرى عجز المجتمع الدولي عن ترجمة كثير من مواقفه إلى إجراءات كافية.
ويمكننا أن نرى كيف أصبحت المنطقة مفتوحة على احتمالات لم تكن مطروحة بهذه الحدة قبل سنوات.
لذلك فإن المطلوب أردنياً ليس الخوف.
المطلوب اليقظة.
وليس الانفعال.
بل الاستعداد.
وليس الصدام.
بل امتلاك أدوات تمنع فرض الصدام.
وليس إغلاق المجال العام.
بل بناء مجتمع أكثر وعياً وثقة وقدرة على التمييز بين الاختلاف المشروع والاستهداف الممنهج.
وفي النهاية...
الأردن ليس دولة كبيرة بالمساحة، لكنه دولة كبيرة بالوظيفة.
والمشكلة أن بعض القوى قد تتعامل مع استقرار الأردن باعتباره نتيجة طبيعية، بينما الحقيقة أن هذا الاستقرار هو نتاج دولة تعرف كيف تمسك التوازن في أكثر مناطق العالم اضطراباً.
ولهذا، فإن العبث بأمن الأردن ليس تفصيلاً في معادلة المنطقة.
استقرار الأردن جزء من استقرار المنطقة.
والأردن لا يريد حرباً، لكنه لن يكون ساحة لتصحيح أخطاء الآخرين.
ولا يريد مواجهة، لكنه لن يقبل أن تتحول سياسات الآخرين إلى أزمات أردنية.
ولا يريد التصعيد، لكنه مطالب بأن يكون قادراً على الردع.
أما الجبهة الداخلية، فهي ليست خط دفاع ثانياً.
إنها خط الدفاع الأول.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى دولة أقوى في خطابها، وأسرع في إعلامها، وأوضح في رسائلها، وأوسع في تحالفاتها، وأكثر ثقة بشعبها.
ففي زمن تتغير فيه الخرائط بالقوة، وتُصنع الوقائع على الأرض، وتُشن الحروب على الشاشات...
لا يكفي أن يعرف الأردن أين يقف.
عليه أن يجعل العالم يعرف أن للأردن خطوطاً لا تُختبر، وأمناً لا يُساوَم عليه، ودولة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى بابها.
فالسلام الذي لا تحميه قوة سياسية وقانونية ومجتمعية... قد يتحول، في لحظة ما، إلى مجرد هدنة بانتظار الأزمة التالية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/03 الساعة 23:13