حراك مبكر نحو الانتخابات البلدية

أ. د. ليث كمال نصراوين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:19
صدرت الإرادة الملكية السامية قبل أسابيع بالمصادقة على قانون الإدارة المحلية الجديد رقم "16" لسنة 2026، الذي لم يدخل بعد حيز النفاذ بانتظار مضي ستين يوما على نشره في الجريدة الرسمية. ومع ذلك، فإن من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي والمناسبات الاجتماعية يلاحظ وجود حراك شعبي مبكر نحو الانتخابات البلدية المقبلة، يتمثل في إعلان أعداد متزايدة من المواطنين رغبتهم في الترشح لرئاسة البلديات وعضوية مجالسها، وبدء بعضهم بالتواصل مع قواعدهم الاجتماعية وحشد التأييد لهم، في وقت لم تدخل فيه الأحكام الجديدة التي ستنظم العمل البلدي حيز التطبيق، ولم يحدد بعد موعد إجراء الانتخابات.

إن هذا الاهتمام المبكر بالانتخابات المحلية يمكن النظر إليه بإيجابية، باعتباره مؤشرا على الرغبة الشعبية في المشاركة في الشأن العام والمساهمة في إدارة المجتمعات المحلية. فالترشح حق لكل مواطن تتوافر فيه الشروط القانونية، وكثرة المرشحين تسهم في توسيع دائرة الخيارات أمام الناخبين وتعزيز التنافس بينهم. كما أن إعلان الرغبة في الترشح في وقت مبكر يمنح المجتمع المحلي فرصة أطول للتعرف إلى المرشحين المحتملين ومناقشة أفكارهم وبرامجهم الانتخابية.

في المقابل، يثير هذا الحراك المبكر تساؤلا مهما حول مدى معرفة الطامحين إلى ترؤس البلديات أو عضوية مجالسها بطبيعة المسؤولية التي يسعون إلى تحملها. فالقانون الذي سيحكم عمل هذه المجالس لم يدخل بعد حيز النفاذ، كما أن تطبيق أحكامه يتطلب إصدار عدد من الأنظمة والتعليمات التنفيذية. وبالتالي، فإن الصورة القانونية والتنظيمية للعمل البلدي في المرحلة المقبلة لا تزال في طور الاكتمال.

ومن هنا، يفترض أن تكون هذه المرحلة فرصة لقراءة النصوص القانونية المستحدثة وفهم أحكامها، والتعرف إلى طبيعة المجلس البلدي واختصاصاته، وحدود العلاقة بينه وبين مجالس المحافظات وباقي الأجهزة الإدارية، كما رسمها القانون الجديد. فهذا الفهم القانوني يجب أن ينعكس على البرامج الانتخابية للمرشحين؛ إذ من السهل إطلاق الوعود بإقامة المشاريع وتحسين الخدمات العامة، لكن القيمة الحقيقية لأي برنامج انتخابي تكمن في إمكانية تنفيذه وانسجامه مع الصلاحيات التي حددها القانون.

فالتنافس الذي تحتاجه الانتخابات البلدية يجب أن يقوم على البرامج والرؤى المتعلقة بكيفية إدارة المدن والقرى الأردنية، وتطوير خدماتها واستثمار مواردها ومعالجة مشكلاتها، بعيدا عن الاعتبارات الشخصية أو العائلية أو المناطقية. وهنا تبرز أيضا مسؤولية الناخب في المفاضلة بين المرشحين على أساس الكفاءة والمعرفة والبرنامج، وليس على أساس العلاقات الاجتماعية وحدها.

ومن المهم كذلك ألا تتحول الفترة السابقة للانتخابات إلى حملة انتخابية طويلة تستنزف المجتمع المحلي في الاصطفافات والتجاذبات المبكرة. فما نخشاه أن ينقلب هذا الحماس مع مرور الوقت إلى نتيجة عكسية، فيشعر الناخب بالملل من كثرة الأسماء والإعلانات والوعود، وتتراجع لديه جدية التعامل مع بعض الترشيحات التي تُعلن قبل بلورة برامج انتخابية واضحة لأصحابها. فالوقت المتاح قبل الانتخابات يمكن استثماره بصورة أفضل في دراسة واقع البلديات وتحدياتها، والاستماع إلى المواطنين وتحديد أولوياتهم، وصولا إلى برامج انتخابية واقعية وقابلة للتطبيق.

خلاصة القول، إن العمل البلدي مسؤولية عامة تتطلب معرفة بالقانون وفهما لاحتياجات المجتمع المحلي وقدرة على تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ. فمن يسعى إلى ثقة الناخبين مطالب بأن يدرك حدود صلاحياته القانونية وطبيعة المسؤولية التي سيتحملها، وأن يعرف ما يستطيع فعله قبل أن يخبرهم بما يعدهم به.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/01 الساعة 00:19