392 مشروعاً.. كيف نختصر المسافة بين القرار والتنفيذ؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/29 الساعة 00:34
إعلان الحكومة عن 392 مشروعاً ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي يمثل خطوة مهمة، لأنه ينقل الرؤية إلى مساحة أكثر عملية: مشاريع محددة، وقطاعات مستهدفة، وأولويات يفترض أن تتحول إلى استثمار ونمو وفرص عمل وخدمات أفضل. وهذا تطور يستحق البناء عليه، فالقيمة الحقيقية لأي رؤية اقتصادية تبدأ عندما تتحول أهدافها إلى مشاريع يمكن تنفيذها وقياس أثرها.
السؤال اليوم هو كيف نحافظ على هذا الزخم ونضاعف أثره؟ وكيف نساعد الجهات الحكومية على نقل أكبر عدد ممكن من هذه المشاريع، وخصوصاً المشاريع الكبرى والشراكات مع القطاع الخاص، من الاعتماد إلى الطرح، ثم الترسية والإغلاق المالي والتنفيذ على الأرض؟ هنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية، لأن الانتقال من تحديد المشروع إلى تنفيذه يحتاج إلى منظومة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة ومعالجة العوائق قبل أن تتحول إلى أسباب للتأخير.
في المشاريع الكبرى، وخصوصاً في النقل والبنية التحتية، لا يكون التحدي دائماً في اتخاذ القرار أو توفير التمويل. التجارب العملية في أسواق متقدمة، ومنها الإمارات وبريطانيا، تظهر أن الجزء الأصعب يبدأ بعد اعتماد المشروع، عندما يدخل بين الدراسات والموافقات وتعديل النطاق وتوزيع المخاطر ومتطلبات المستثمرين والممولين. والفرق بين تجربة وأخرى يكمن في قدرة الدولة على إدارة هذه المسافة بكفاءة.
ولهذا فإن تسريع المشاريع لا يبدأ من تسريع العطاءات، بل من تحسين ما يحدث قبل العطاء. المستثمر الجاد لا يبحث فقط عن مشروع جذاب، بل عن مشروع قابل للتمويل والتنفيذ. يريد أن يعرف منذ البداية نطاق المشروع، وجاهزية الأرض والتراخيص، وكيف ستوزع مخاطر التصميم والإنشاء والتشغيل والتمويل، وما التزامات الحكومة ومصادر الإيرادات وآليات معالجة التغيير والنزاعات. وكل سؤال لا يُحسم مبكراً قد يعود لاحقاً في صورة سعر أعلى، أو مفاوضات أطول، أو تأخر في الإغلاق المالي.
في بريطانيا، من أهم الدروس في إدارة المشاريع الكبرى أن القرار الاستثماري تسبقه حالة أعمال متكاملة (Business Case)، ليس مجرد دراسة جدوى مالية. المشروع يُختبر اقتصادياً وتجارياً ومالياً وتنفيذياً قبل الذهاب إلى السوق. أما التجربة الإماراتية فتقدم درساً مكملاً: السرعة الحكومية لا تعني اختصار الضوابط، بل اختصار الضياع بين الضوابط. فعندما تكون الصلاحيات والمسؤوليات والمسارات الفنية والمالية والقانونية واضحة منذ البداية، يصبح اتخاذ القرار أسرع دون التضحية بالحوكمة.
ومن هنا يمكن أن تكون الـ392 مشروعاً فرصة لتطوير منهج تنفيذي أكثر سرعة للمشاريع الكبرى في الأردن. البداية تكون بتصنيف المشاريع وفق الجاهزية والأثر والحجم والتعقيد. فهناك مشاريع جاهزة للطرح، وأخرى تحتاج إلى دراسات أو موافقات أو معالجة مسائل الملكية والتمويل، ومشاريع استراتيجية تستحق مساراً تنفيذياً خاصاً. المطلوب ألا يبقى مشروع دون إجابة واضحة عن أربعة أسئلة: أين وصل؟ ما الذي يعطله؟ من يملك قرار إزالة العائق؟ ومتى يجب أن يُحسم؟
وفي المشاريع الاستراتيجية، يمكن اعتماد غرفة تنفيذ للمشروع، ليس كلجنة إضافية، بل كفريق صغير يجمع صاحب المشروع والخبرات الفنية والمالية والقانونية والتجارية، ويعمل وفق جدول واحد للقرارات والعوائق والمواعيد. والأهم أن يكون لكل مشروع مسؤول تنفيذي واضح؛ فتعدد الجهات قد يكون ضرورياً، أما تعدد المسؤولية فقد يؤدي إلى ضياعها.
أما الشراكة مع القطاع الخاص، فيجب ألا تُفهم فقط كوسيلة للتمويل. فالـPPP الناجح هو هندسة للمخاطر قبل أن يكون هندسة للتمويل. القاعدة هي أن يوضع كل خطر لدى الطرف الأقدر على إدارته وبأقل كلفة. فإذا نُقل إلى المستثمر خطر لا يستطيع التحكم به، فلن يختفي، بل سيضع ثمنه في عرضه. لذلك يجب أن تبدأ مصفوفة توزيع المخاطر مبكراً وليس في نهاية إعداد العقد.
ومن الأدوات المهمة أيضاً اختبار السوق قبل الطرح. فمن خلال حوار شفاف ومنظم مع المستثمرين والممولين والمشغلين يمكن اختبار قابلية المشروع للتمويل، وهيكل الإيرادات، ومدة العقد، والمخاطر التي قد ترفع الكلفة، قبل اكتشاف هذه الإشكالات بعد طرح العطاء.
ويجب كذلك تطوير طريقة قياس تقدم المشاريع. المقياس ليس عدد الاجتماعات والمراسلات، بل العائق الذي أُزيل والمرحلة التي أُنجزت. ويمكن اعتماد مؤشر يقيس المدة من اعتماد المشروع إلى الطرح، ومن الطرح إلى الترسية، ومن الترسية إلى الإغلاق المالي، ومنه إلى بدء التنفيذ. بهذه الطريقة نعرف أين يتباطأ المشروع فعلياً؛ فما لا نقيس زمنه يصعب علينا تسريعه.
كما أن توحيد المبادئ الأساسية لوثائق المشاريع الكبرى، من توزيع المخاطر والضمانات وآليات التغيير إلى تسوية النزاعات والإغلاق المالي، يوفر الوقت ويرفع جودة العقود ويمنح المستثمر قدرة أكبر على توقع البيئة التعاقدية، بدلاً من أن تبدأ كل جهة مع كل مشروع من صفحة بيضاء.
الأردن اليوم يمتلك فرصة حقيقية للبناء على الزخم الذي أحدثته رؤية التحديث الاقتصادي. وفي المشاريع الكبرى، رأس المال مهم، لكن الوقت أيضاً رأس مال؛ فكل شهر نختصره بين اعتماد المشروع وبدء التنفيذ يعني استثماراً يدخل أبكر، وفرصة عمل تبدأ أبكر، وخدمة تصل إلى المواطن أبكر.
لقد حدد الأردن ما يريد إنجازه ووضع أمامه 392 مشروعاً. والخطوة التالية هي أن تصبح سرعة التنفيذ نفسها جزءاً من تصميم المشروع وإدارته وقياسه. فالإنجاز الحقيقي ليس في عدد المشاريع فقط، بل في قدرتنا على اختصار المسافة بين القرار والأثر.
السؤال اليوم هو كيف نحافظ على هذا الزخم ونضاعف أثره؟ وكيف نساعد الجهات الحكومية على نقل أكبر عدد ممكن من هذه المشاريع، وخصوصاً المشاريع الكبرى والشراكات مع القطاع الخاص، من الاعتماد إلى الطرح، ثم الترسية والإغلاق المالي والتنفيذ على الأرض؟ هنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية، لأن الانتقال من تحديد المشروع إلى تنفيذه يحتاج إلى منظومة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة ومعالجة العوائق قبل أن تتحول إلى أسباب للتأخير.
في المشاريع الكبرى، وخصوصاً في النقل والبنية التحتية، لا يكون التحدي دائماً في اتخاذ القرار أو توفير التمويل. التجارب العملية في أسواق متقدمة، ومنها الإمارات وبريطانيا، تظهر أن الجزء الأصعب يبدأ بعد اعتماد المشروع، عندما يدخل بين الدراسات والموافقات وتعديل النطاق وتوزيع المخاطر ومتطلبات المستثمرين والممولين. والفرق بين تجربة وأخرى يكمن في قدرة الدولة على إدارة هذه المسافة بكفاءة.
ولهذا فإن تسريع المشاريع لا يبدأ من تسريع العطاءات، بل من تحسين ما يحدث قبل العطاء. المستثمر الجاد لا يبحث فقط عن مشروع جذاب، بل عن مشروع قابل للتمويل والتنفيذ. يريد أن يعرف منذ البداية نطاق المشروع، وجاهزية الأرض والتراخيص، وكيف ستوزع مخاطر التصميم والإنشاء والتشغيل والتمويل، وما التزامات الحكومة ومصادر الإيرادات وآليات معالجة التغيير والنزاعات. وكل سؤال لا يُحسم مبكراً قد يعود لاحقاً في صورة سعر أعلى، أو مفاوضات أطول، أو تأخر في الإغلاق المالي.
في بريطانيا، من أهم الدروس في إدارة المشاريع الكبرى أن القرار الاستثماري تسبقه حالة أعمال متكاملة (Business Case)، ليس مجرد دراسة جدوى مالية. المشروع يُختبر اقتصادياً وتجارياً ومالياً وتنفيذياً قبل الذهاب إلى السوق. أما التجربة الإماراتية فتقدم درساً مكملاً: السرعة الحكومية لا تعني اختصار الضوابط، بل اختصار الضياع بين الضوابط. فعندما تكون الصلاحيات والمسؤوليات والمسارات الفنية والمالية والقانونية واضحة منذ البداية، يصبح اتخاذ القرار أسرع دون التضحية بالحوكمة.
ومن هنا يمكن أن تكون الـ392 مشروعاً فرصة لتطوير منهج تنفيذي أكثر سرعة للمشاريع الكبرى في الأردن. البداية تكون بتصنيف المشاريع وفق الجاهزية والأثر والحجم والتعقيد. فهناك مشاريع جاهزة للطرح، وأخرى تحتاج إلى دراسات أو موافقات أو معالجة مسائل الملكية والتمويل، ومشاريع استراتيجية تستحق مساراً تنفيذياً خاصاً. المطلوب ألا يبقى مشروع دون إجابة واضحة عن أربعة أسئلة: أين وصل؟ ما الذي يعطله؟ من يملك قرار إزالة العائق؟ ومتى يجب أن يُحسم؟
وفي المشاريع الاستراتيجية، يمكن اعتماد غرفة تنفيذ للمشروع، ليس كلجنة إضافية، بل كفريق صغير يجمع صاحب المشروع والخبرات الفنية والمالية والقانونية والتجارية، ويعمل وفق جدول واحد للقرارات والعوائق والمواعيد. والأهم أن يكون لكل مشروع مسؤول تنفيذي واضح؛ فتعدد الجهات قد يكون ضرورياً، أما تعدد المسؤولية فقد يؤدي إلى ضياعها.
أما الشراكة مع القطاع الخاص، فيجب ألا تُفهم فقط كوسيلة للتمويل. فالـPPP الناجح هو هندسة للمخاطر قبل أن يكون هندسة للتمويل. القاعدة هي أن يوضع كل خطر لدى الطرف الأقدر على إدارته وبأقل كلفة. فإذا نُقل إلى المستثمر خطر لا يستطيع التحكم به، فلن يختفي، بل سيضع ثمنه في عرضه. لذلك يجب أن تبدأ مصفوفة توزيع المخاطر مبكراً وليس في نهاية إعداد العقد.
ومن الأدوات المهمة أيضاً اختبار السوق قبل الطرح. فمن خلال حوار شفاف ومنظم مع المستثمرين والممولين والمشغلين يمكن اختبار قابلية المشروع للتمويل، وهيكل الإيرادات، ومدة العقد، والمخاطر التي قد ترفع الكلفة، قبل اكتشاف هذه الإشكالات بعد طرح العطاء.
ويجب كذلك تطوير طريقة قياس تقدم المشاريع. المقياس ليس عدد الاجتماعات والمراسلات، بل العائق الذي أُزيل والمرحلة التي أُنجزت. ويمكن اعتماد مؤشر يقيس المدة من اعتماد المشروع إلى الطرح، ومن الطرح إلى الترسية، ومن الترسية إلى الإغلاق المالي، ومنه إلى بدء التنفيذ. بهذه الطريقة نعرف أين يتباطأ المشروع فعلياً؛ فما لا نقيس زمنه يصعب علينا تسريعه.
كما أن توحيد المبادئ الأساسية لوثائق المشاريع الكبرى، من توزيع المخاطر والضمانات وآليات التغيير إلى تسوية النزاعات والإغلاق المالي، يوفر الوقت ويرفع جودة العقود ويمنح المستثمر قدرة أكبر على توقع البيئة التعاقدية، بدلاً من أن تبدأ كل جهة مع كل مشروع من صفحة بيضاء.
الأردن اليوم يمتلك فرصة حقيقية للبناء على الزخم الذي أحدثته رؤية التحديث الاقتصادي. وفي المشاريع الكبرى، رأس المال مهم، لكن الوقت أيضاً رأس مال؛ فكل شهر نختصره بين اعتماد المشروع وبدء التنفيذ يعني استثماراً يدخل أبكر، وفرصة عمل تبدأ أبكر، وخدمة تصل إلى المواطن أبكر.
لقد حدد الأردن ما يريد إنجازه ووضع أمامه 392 مشروعاً. والخطوة التالية هي أن تصبح سرعة التنفيذ نفسها جزءاً من تصميم المشروع وإدارته وقياسه. فالإنجاز الحقيقي ليس في عدد المشاريع فقط، بل في قدرتنا على اختصار المسافة بين القرار والأثر.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/29 الساعة 00:34