'حمايتهم.. مسؤوليتكم'.. قطر تطلق حملة 'أسرة واعية رقميًا' لتمكين الأسر وتعزيز السلامة السيبرانية للأبناء

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/28 الساعة 15:32
مدار الساعة -في ظل التسارع غير المسبوق للثورة الرقمية، وتغلغل التكنولوجيا في كل تفاصيل حياتنا اليومية، برزت الحاجة الماسة إلى مقاربة شاملة ومتكاملة تحمي نواة المجتمع الأولى، ألا وهي “الأسرة”. ومن منطلق إدراكها العميق لهذه التحديات، وتماشياً مع رؤيتها الاستباقية لصون مكتسبات المجتمع، أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة في دولة قطر الحملة الوطنية الرائدة “أسرة واعية رقميًا”، تحت شعار يعكس جوهر المسؤولية المشتركة: “حمايتهم.. مسؤوليتكم”.

تأتي هذه الحملة النوعية لتشكل منارة توعوية شاملة، لا تهدف إلى التخويف من التكنولوجيا أو عزل الأبناء عنها، بل تسعى لتمكين الأسر وتزويدها بالأدوات المعرفية والمهارات العملية اللازمة لتوجيه أبنائهم نحو استخدام آمن، متوازن، ومسؤول للفضاء الرقمي. إن هذه المبادرة ليست مجرد حملة توعوية عابرة، بل هي تجسيد حي لاستراتيجية الوزارة 2025–2030 تحت شعار “من الرعاية إلى التمكين”، ودعامة راسخة تدعم مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 في مجالي التنمية البشرية والاجتماعية، مؤكدة أن دولة قطر تضع سلامة أبنائها النفسية والرقمية على رأس أولوياتها الوطنية.

خليفة الكبيسي: السلامة الرقمية قضية أسرية تمس صميم التربية

أكد سعادة السيد خليفة بن عيسى الكبيسي، وكيل وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، أن إطلاق هذه الحملة الوطنية يجسد التوجه الاستراتيجي للوزارة نحو تمكين الأسرة من مواكبة التحولات الرقمية بإدراك ومسؤولية، والاستفادة القصوى من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا، مع تعزيز قدرتها على حماية أبنائها وتوجيههم.

وشدد سعادته على نقطة جوهرية مفادها أن السلامة الرقمية تجاوزت كونها شأنًا تقنيًا بحتًا، لتصبح قضية أسرية ومجتمعية من الطراز الأول، تمس مباشرة تربية الأبناء، وصحتهم النفسية، وحماية خصوصيتهم، وجودة العلاقات داخل نسيج الأسرة. ومع الحضور المتزايد للتقنيات والمنصات الرقمية في حياة الأطفال والنشء والشباب في دولة قطر، قد ينعكس ما يواجهونه في الفضاء الرقمي بشكل مباشر على سلوكهم وقيمهم ورفاههم العام. ومن هنا، يبرز الدور المحوري لكل أسرة في مجتمعنا بوصفها “خط الدفاع الأول”، والبيئة الخصبة التي يبدأ فيها بناء الوعي، وتعزيز الحوار، وترسيخ السلوك الرقمي المسؤول، بما ينسجم تمامًا مع قيم المجتمع القطري الأصيل وهويته الوطنية.

سعادة السيد خليفة بن عيسى الكبيسي وكيل وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة

وأوضح سعادته أن الهدف الأسمى ليس إبعاد الأطفال والأسر عن التكنولوجيا، ولا تصوير العالم الرقمي بوصفه مصدرًا للخطر فحسب، بل تمكينهم من الاستفادة من فرصه بثقة. فالحماية المستدامة لا تُبنى على المنع وحده، وإنما تبدأ بالوعي، وتنمو بالحوار داخل الأسرة، وتترسخ من خلال عادات رقمية متوازنة تساعد الأطفال على فهم المخاطر والتعامل معها بصورة صحيحة، وطلب الدعم والمساندة عند الحاجة.

كما أشار سعادته إلى أن الحملة تمثل جزءًا من جهد مؤسسي أوسع تقوده الوزارة من خلال “لجنة السلامة الرقمية للأطفال والنشء”، التي تجمع الجهات الوطنية المعنية ضمن إطار عمل مشترك، لدراسة واقع الأمان الرقمي، واقتراح السياسات والإرشادات، وتقديم التوصيات بشأن أدوار الجهات ومسؤولياتها، مما يعزز توحيد الجهود الوطنية ويبني منظومة أكثر تكاملًا.

فاطمة النعيمي: رحلة توعوية من ثلاث مراحل لمواجهة العصر الرقمي

من جانبها، أوضحت السيدة فاطمة النعيمي، مدير إدارة التنمية الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، أن الحملة تستهدف بشكل رئيسي الأبناء وأولياء الأمور، وتمتد رسائلها لتشمل المختصين في المجالين الاجتماعي والنفسي، وصنّاع المحتوى، والجهات المعنية بقضايا الطفولة والأسرة.

وكشفت النعيمي عن أن الحملة ترتكز على ثلاثة أهداف استراتيجية: رفع وعي الأبناء وأولياء الأمور بالمخاطر الرقمية وسبل الوقاية منها، وترسيخ السلوكيات الآمنة والمسؤولة عند استخدام الإنترنت ومنصات التواصل والألعاب، وتوحيد الجهود الوطنية لضمان وصول رسائل توعوية متسقة ومؤثرة. وتقدم الحملة محتواها عبر “رحلة توعوية” متكاملة تتألف من ثلاث مراحل مترابطة:

المرحلة الأولى: بناء الوعي بالمخاطر الرقمية والمحتوى غير الآمن، وتعزيز القدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيّف، وترسيخ العادات الصحية في استخدام التقنية.

المرحلة الثانية: الانتقال إلى الممارسات العملية للحماية، بما يشمل حماية الحسابات والبيانات والخصوصية، وتعزيز الإشراف والرقابة الوالدية، وبناء بيئة رقمية آمنة.

المرحلة الثالثة: التركيز على ترسيخ المسؤولية الرقمية، والتعريف بالحقوق والواجبات، وآليات طلب الدعم، والإبلاغ، والاستجابة السليمة للمخاطر. وتتناول أنشطة الحملة، التي تستمر لـ 14 أسبوعًا وتتضمن أكثر من 120 نشاطًا، مجموعة من الموضوعات الحيوية مثل: الإدمان الرقمي، المحتوى غير المناسب، الشراء الإلكتروني داخل الألعاب، الاستغلال والابتزاز الإلكتروني، التنمر الإلكتروني، حماية المعلومات الشخصية، والتعامل مع الغرباء عبر الإنترنت.

شريفة العمادي: تحقيق التوازن الرقمي يتطلب توفير بدائل جاذبة

بدورها، أكدت الدكتورة شريفة العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، أن تحقيق التوازن الرقمي لا يعني بالضرورة تقليل استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، وإنما تنظيم حضورها في حياة الطفل بحيث تخدم التعلم والمعرفة والترفيه، دون أن تزاحم النوم، والنشاط البدني، والحوار، والوقت الأسري الثمين. واستندت د. العمادي إلى معطيات واقعية، مشيرة إلى أن نتائج برنامج “تنشئة” أظهرت ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الطلبة الذين يقضون أكثر من 10 ساعات أسبوعيًا مع أسرهم، من 49.5% في القياس القبلي إلى 55.3% في القياس البعدي.

وشددت على أن الحوار الفاعل يبدأ بالاستماع والهدوء وليس باللوم أو العقاب، مدعومة بدراسة “حالة الأسر القطرية: سمات القوة والتحديات” لعام 2024، التي أظهرت أن 70.97% من المشاركين أفادوا بانخراط أسرهم في حوار بنّاء. ولفتت إلى حقيقة هامة مفادها أن الوعي الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من التربية الحديثة؛ فلا يكفي معرفة عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الجهاز، بل ينبغي معرفة ما يشاهده، ومع من يتفاعل، وما المهارات التي يمتلكها للتحقق والحماية. وأشارت إلى أن أكثر من 78% من اليافعين أفادوا بأن أحد الوالدين يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في المنزل “دائمًا” أو “غالبًا”، مما يجعل “القدوة الرقمية” للوالدين عاملًا حاسمًا في توجيه الأبناء. ودعت د. العمادي الأسر إلى تحديد أوقات وأماكن خالية من الأجهزة (مثل مائدة الطعام وقبل النوم)، ومراجعة التطبيقات والحسابات بصورة دورية، واختيار المحتوى الملائم للأعمار، مع شرح أسباب القواعد الموضوعة حتى يدرك الأطفال أنها تهدف إلى حمايتهم لا معاقبتهم، مؤكدة أهمية توفير بدائل جاذبة مثل الأنشطة، والهوايات، والوقت العائلي، والدعم العاطفي.

محمد السقطري: الرقابة الأبوية وحدها لا تكفي

من المنظور التقني والأمني، حذّر الدكتور محمد السقطري، خبير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، من المخاطر المتنامية مثل التنمر الإلكتروني، الابتزاز، سرقة الحسابات، الروابط الخبيثة، والتعرض لمحتوى غير ملائم، فضلاً عن مخاطر التواصل مع الغرباء عبر الألعاب الجماعية.

وشدد د. السقطري على أهمية التربية الرقمية والحوار المفتوح، وتعليم الأبناء استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وإعدادات الخصوصية، وعدم مشاركة المعلومات أو الصور الشخصية ورموز التحقق تحت أي ظرف. كما أشار إلى ضرورة الانتباه إلى التغيرات المفاجئة في سلوك الأبناء، مثل العزلة أو الانسحاب، والتوعية بمخاطر المحتوى الذي يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي بصورة مخادعة أو مضللة، وتعليم الأطفال التحقق من المعلومات وعدم التفاعل مع الأشخاص أو المحتوى المشبوه.

الدكتور محمد السقطري، خبير الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

وأكد السقطري نقطة محورية في فلسفة الحماية الحديثة، مفادها أن “الرقابة الأبوية أداة مهمة لكنها لا تكفي وحدها”، إذ يتمثل الهدف الأسمى في امتلاك الطفل القدرة على اتخاذ القرار الآمن حتى في غياب الرقابة. ومن ثم، فإن الحماية الرقمية الفاعلة تقوم على ثقافة أسرية تجمع بين الحوار، الثقة، تعليم الخصوصية، التحقق من المعلومات، والتعامل الآمن مع الذكاء الاصطناعي.

شراكة وطنية غير مسبوقة و”eSafety” حصن رقمي لخدمة المجتمع

تتجلى عظمة هذه الحملة في حجم الشراكة الوطنية التي تقف خلفها، حيث تنفذ الوزارة هذا الجهد بالتعاون مع مجموعة واسعة من الجهات الوطنية، مما يعكس التكامل المؤسسي الحقيقي. وتشمل هذه الجهات: وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وزارة الرياضة والشباب، وزارة الثقافة، وزارة العدل، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وزارة الصحة العامة، وزارة الداخلية، الوكالة الوطنية للأمن السيبراني، مكتب الاتصال الحكومي، هيئة تنظيم الاتصالات، جامعة قطر، مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي ومراكزها التابعة (مركز “وفاق”، مركز “أمان”، مركز “دعم”، مركز “كنف”)، بالإضافة إلى مؤسسة التعليم فوق الجميع.

وبالتزامن مع إطلاق الحملة، دشنت الوزارة الموقع الإلكتروني الموحد على العنوان (www.esafety.qa) ، ليكون نافذة رقمية موحدة تتيح لأفراد المجتمع الوصول بسهولة إلى المواد التوعوية، والأدلة الإرشادية، والروابط المفيدة، والمحتوى الرقمي المتنوع. ويوفر الموقع للأسر وأولياء الأمور والأبناء مرجعًا عمليًا يساعدهم على فهم المخاطر الرقمية، وتطبيق ممارسات الحماية، والوصول إلى مصادر المعلومات والدعم الموثوقة، مما يوسع نطاق الاستفادة من الحملة ويعزز استدامة أثرها على المدى الطويل.

الوعي والتمكين .. المعركة الحقيقية في العصر الرقمي

إن الحملة الوطنية “أسرة واعية رقميًا” ليست مجرد رد فعل على تحديات العصر، بل هي مبادرة استباقية رائدة تضع دولة قطر في مصاف الدول التي تدرك أن المعركة الحقيقية في العصر الرقمي هي معركة “الوعي” و”التمكين”. من خلال هذا التحالف الوطني المتماسك بين 20 جهة، والرسائل الموحدة، والأدوات العملية ترسم الوزارة خارطة طريق واضحة تحوّل التكنولوجيا من مصدر محتمل للخطر إلى أداة فعالة للتعلم، المعرفة، والترفيه الآمن.

إن ترسيخ ثقافة المسؤولية الرقمية لدى الأطفال واليافعين، وبناء جسر من الثقة والحوار داخل الأسرة، هو الضمانة الأكيدة للحفاظ على هويتنا الوطنية وقيمنا المجتمعية. وفي النهاية، تظل الأسرة هي الحصن المنيع وخط الدفاع الأول، وهذه الحملة تمنحها الدرع الواقي والمصباح المنير لقيادة أبنائها بأمان عبر متاهات العالم الرقمي، نحو مستقبل رقمي مشرق، آمن، ومتوازن، يتماشى مع طموحات رؤية قطر الوطنية 2030.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/28 الساعة 15:32