من إدارة الملفات إلى التشاركيه في بناء السياسات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/27 الساعة 22:00
لم يكن خطاب جلالة الملك أمام العالم مجرد خطاب دبلوماسي يستعرض المواقف والثوابت الأردنية، بل كان رسالة سياسية واضحة إلى الداخل والخارج: الأردن يعرف أين يقف، ويعرف ما الذي يريد حمايته، ويدرك طبيعة المرحلة ومتطلباتها، ويعرف أن المستقبل لا يدار بسياسة الانتظار، ولا بردود الفعل، ولا بإدارة الأزمات بعد وقوعها.
والأهم أن الخطاب وضع أمامنا حقيقة سياسية تستحق التوقف عندها: الانتباه أصبح مورداً من موارد الدولة، وما نختار أن ننتبه إليه اليوم قد يحدد شكل المستقبل غداً. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات، وإنما بقدرتها على استشرافها والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات.
وإذا كان جلالة الملك يريد للأردن أن يكون دولة نموذجية يمكن للعالم الاعتماد عليها، فإن هذه المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تشمل الحكومة والأحزاب والنقابات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين.
وفي هذا السياق، لا بد بدايه من الإشادة بما يبذله رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في التعامل مع عدد من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما في قطاعات النقل والتعليم والصحة، وهي ملفات لا تحتمل التأجيل أو المعالجة التقليدية، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس وبجودة الخدمات التي تقدمها الدولة .وتكمن أهمية هذا التوجه في أن الحكومة تضع الملفات الخدمية والاقتصادية التي يشعر بها المواطن في صلب العمل التنفيذي، بدلاً من تركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمات أكثر تعقيداً وكلفة.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذا الجهد والانتقال من معالجة الملفات إلى بناء سياسات عامة مستدامة ،سياسات تقيس أثر القرار على المواطن، وتستند إلى البيانات والخبرة، وتحدد أهدافاً واضحة، وتضع مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة والمساءلة.
فالحكومة لا تستطيع أن تعرف كل شيء، والوزارة لا تستطيع أن تدير قطاعاً بمعزل عن أهله، والمسؤول مهما بلغت خبرته لا يمكن أن يحل محل آلاف الخبرات الموجودة في المجتمع والقطاعات المهنية والاقتصادية والأكاديمية. وهنا تحديداً تصبح التشاركية ضرورة سياسية وإدارية، وليست ترفاً أو شعاراً.
نريد من مؤسسات الدوله تفتح أبوابها للأحزاب والنقابات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء والشباب والمرأة، لا أن تستدعي أصحاب المصلحة بعد اتخاذ القرار لتطلب منهم تأييده.
فالتشاركية الحقيقية لا تعني أن نلتقي ونتبادل وجهات النظر ثم يعود كل طرف إلى موقعه، وإنما تعني أن يكون لأصحاب المصلحة دور حقيقي في صناعة القرار، وفي صياغة السياسات، وفي تقييم النتائج وتحمل المسؤولية ،
فالاستماع إلى أصحاب الخبرة قبل القرار أكثر قيمة من تبرير القرار بعد صدوره ،فالمؤسسات القوية ليست التي تتخذ قراراتها بعيداً عن المجتمع، بل التي تمتلك القدره على الاستماع، والتحليل، والموازنة بين المصالح، ثم اتخاذ القرار على أساس المعرفة والمصلحة الوطنية.
وبالمقابل، فإن التشاركية ليست استحقاقاً على الحكومة وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية مباشرة على الأحزاب السياسية .فالأحزاب لا ينبغي أن تتحول إلى منصات انتخابية موسمية، ولا إلى مؤسسات وظيفتها الاعتراض على كل شيء، كما لا ينبغي أن تنتظر دعوة الحكومة حتى تمارس دورها السياسي.
المطلوب أحزاب تمتلك برامج واضحة، وتقدم حلولاً قابلة للتطبيق، وتنتج السياسات، وتستقطب الكفاءات، وتدرب الشباب، وتراقب الأداء الحكومي بمسؤولية، وتقدم البدائل عندما تنتقد.
فالمعارضة السياسية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرتها على تقديم البديل ،والحزب الجاد هو الذي يستطيع أن يقول للحكومة نختلف مع هذا القرار لهذا السبب، وهذه هي البدائل التي نقترحها، وهذه هي الأدلة التي نستند إليها، وهذه هي النتائج التي نتوقعها ،عندها يصبح العمل الحزبي جزءاً من بناء الدولة وتطوير سياساتها، لا عبئاً إضافياً عليها.
كذلك فأن النقابات والاتحادات الأهليه ومؤسسات المجتمع المدني، عليها أن تنتقل هي الأخرى من الدور المطلبي الضيق إلى دور أوسع في صناعة السياسات العامة والدفاع عن المصلحة الوطنية.
فالنقابات ليست فقط جهات تطالب بحقوق منتسبيها، وإنما تمتلك خبرات قطاعية متراكمة تستطيع الدولة الاستفادة منها في بناء السياسات والقرارات ،ومؤسسات المجتمع المدني ليست فقط منصات للمراقبة والانتقاد، وإنما يمكن أن تكون شريكاً حقيقياً في تقديم الحلول، وتعزيز الوعي، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وهذه العلاقة لا تبنى بالخطابات، وإنما بمؤسسيه وآليات واضحة تضمن المشاركة وتربطها بمسار صناعة القرار.
ومن أجل بناء المستقبل، فلا بدّ من أن نتعامل مع الشباب ليس باعتبارهم جمهوراً للفعاليات، أو أرقاماً في البرامج، أو صوراً في المؤتمرات بل باعتبارهم جزءاً حقيقياً من صناعة القرار في الأحزاب والنقابات والبلديات والمؤسسات العامة والقطاع الخاص ، فالمطلوب ليس فقط أن نعطي الشباب فرصة للكلام، بل أن نعطيهم مساحة حقيقية للمسؤولية، وصناعة القرار، وتحمل نتائجه.
الأردن يعيش في منطقة شديدة الاضطراب، وهذا يفرض أن تكون الاستراتيجية الوطنية قائمة على الاستعداد والاستباق، لا على رد الفعل ،فالماء والطاقة والغذاء والدواء والأمن الصحي والاقتصاد والتعليم والأمن السيبراني والهجرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليست ملفات منفصلة يمكن التعامل معها كل مرة بقرار أو لجنة مؤقتة، وإنما هي قضايا ترتبط بالأمن الوطني وبقدرة الدولة على حماية مصالحها ومستقبل أجيالها.
نحن بحاجة إلى استراتيجيات وطنية طويلة المدى، تبنى على المعرفة والخبرة، وتراجع بصورة دورية، وتتحول إلى خطط تنفيذية بمؤشرات واضحة ومسؤوليات محددة.
لقد وضع جلالة الملك أمامنا الاتجاه العام: دولة واثقة بنفسها، متمسكة بثوابتها، قادرة على حماية مصالحها، ومنفتحة على المستقبل.
فالأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تعمل بعقل استباقي، ومسؤول يستمع ، وأحزاب تنتج السياسات، ونقابات تقدم الخبرة، ومجتمع مدني يشارك في الحل، وشباب يتقدمون إلى مواقع المسؤولية.
التشاركية التي نريدها ليست صورة جماعية حول طاولة، ولا اجتماعاً ينتهي بمحضر وتوصيات، وإنما منهجاً دائماً في صناعة القرار، ومقياساً لفاعلية الدولة، وأداة لبناء الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها
والأهم أن الخطاب وضع أمامنا حقيقة سياسية تستحق التوقف عندها: الانتباه أصبح مورداً من موارد الدولة، وما نختار أن ننتبه إليه اليوم قد يحدد شكل المستقبل غداً. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات، وإنما بقدرتها على استشرافها والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات.
وإذا كان جلالة الملك يريد للأردن أن يكون دولة نموذجية يمكن للعالم الاعتماد عليها، فإن هذه المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تشمل الحكومة والأحزاب والنقابات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين.
وفي هذا السياق، لا بد بدايه من الإشادة بما يبذله رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في التعامل مع عدد من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما في قطاعات النقل والتعليم والصحة، وهي ملفات لا تحتمل التأجيل أو المعالجة التقليدية، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس وبجودة الخدمات التي تقدمها الدولة .وتكمن أهمية هذا التوجه في أن الحكومة تضع الملفات الخدمية والاقتصادية التي يشعر بها المواطن في صلب العمل التنفيذي، بدلاً من تركها تتراكم حتى تتحول إلى أزمات أكثر تعقيداً وكلفة.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذا الجهد والانتقال من معالجة الملفات إلى بناء سياسات عامة مستدامة ،سياسات تقيس أثر القرار على المواطن، وتستند إلى البيانات والخبرة، وتحدد أهدافاً واضحة، وتضع مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة والمساءلة.
فالحكومة لا تستطيع أن تعرف كل شيء، والوزارة لا تستطيع أن تدير قطاعاً بمعزل عن أهله، والمسؤول مهما بلغت خبرته لا يمكن أن يحل محل آلاف الخبرات الموجودة في المجتمع والقطاعات المهنية والاقتصادية والأكاديمية. وهنا تحديداً تصبح التشاركية ضرورة سياسية وإدارية، وليست ترفاً أو شعاراً.
نريد من مؤسسات الدوله تفتح أبوابها للأحزاب والنقابات والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء والشباب والمرأة، لا أن تستدعي أصحاب المصلحة بعد اتخاذ القرار لتطلب منهم تأييده.
فالتشاركية الحقيقية لا تعني أن نلتقي ونتبادل وجهات النظر ثم يعود كل طرف إلى موقعه، وإنما تعني أن يكون لأصحاب المصلحة دور حقيقي في صناعة القرار، وفي صياغة السياسات، وفي تقييم النتائج وتحمل المسؤولية ،
فالاستماع إلى أصحاب الخبرة قبل القرار أكثر قيمة من تبرير القرار بعد صدوره ،فالمؤسسات القوية ليست التي تتخذ قراراتها بعيداً عن المجتمع، بل التي تمتلك القدره على الاستماع، والتحليل، والموازنة بين المصالح، ثم اتخاذ القرار على أساس المعرفة والمصلحة الوطنية.
وبالمقابل، فإن التشاركية ليست استحقاقاً على الحكومة وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية مباشرة على الأحزاب السياسية .فالأحزاب لا ينبغي أن تتحول إلى منصات انتخابية موسمية، ولا إلى مؤسسات وظيفتها الاعتراض على كل شيء، كما لا ينبغي أن تنتظر دعوة الحكومة حتى تمارس دورها السياسي.
المطلوب أحزاب تمتلك برامج واضحة، وتقدم حلولاً قابلة للتطبيق، وتنتج السياسات، وتستقطب الكفاءات، وتدرب الشباب، وتراقب الأداء الحكومي بمسؤولية، وتقدم البدائل عندما تنتقد.
فالمعارضة السياسية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرتها على تقديم البديل ،والحزب الجاد هو الذي يستطيع أن يقول للحكومة نختلف مع هذا القرار لهذا السبب، وهذه هي البدائل التي نقترحها، وهذه هي الأدلة التي نستند إليها، وهذه هي النتائج التي نتوقعها ،عندها يصبح العمل الحزبي جزءاً من بناء الدولة وتطوير سياساتها، لا عبئاً إضافياً عليها.
كذلك فأن النقابات والاتحادات الأهليه ومؤسسات المجتمع المدني، عليها أن تنتقل هي الأخرى من الدور المطلبي الضيق إلى دور أوسع في صناعة السياسات العامة والدفاع عن المصلحة الوطنية.
فالنقابات ليست فقط جهات تطالب بحقوق منتسبيها، وإنما تمتلك خبرات قطاعية متراكمة تستطيع الدولة الاستفادة منها في بناء السياسات والقرارات ،ومؤسسات المجتمع المدني ليست فقط منصات للمراقبة والانتقاد، وإنما يمكن أن تكون شريكاً حقيقياً في تقديم الحلول، وتعزيز الوعي، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وهذه العلاقة لا تبنى بالخطابات، وإنما بمؤسسيه وآليات واضحة تضمن المشاركة وتربطها بمسار صناعة القرار.
ومن أجل بناء المستقبل، فلا بدّ من أن نتعامل مع الشباب ليس باعتبارهم جمهوراً للفعاليات، أو أرقاماً في البرامج، أو صوراً في المؤتمرات بل باعتبارهم جزءاً حقيقياً من صناعة القرار في الأحزاب والنقابات والبلديات والمؤسسات العامة والقطاع الخاص ، فالمطلوب ليس فقط أن نعطي الشباب فرصة للكلام، بل أن نعطيهم مساحة حقيقية للمسؤولية، وصناعة القرار، وتحمل نتائجه.
الأردن يعيش في منطقة شديدة الاضطراب، وهذا يفرض أن تكون الاستراتيجية الوطنية قائمة على الاستعداد والاستباق، لا على رد الفعل ،فالماء والطاقة والغذاء والدواء والأمن الصحي والاقتصاد والتعليم والأمن السيبراني والهجرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليست ملفات منفصلة يمكن التعامل معها كل مرة بقرار أو لجنة مؤقتة، وإنما هي قضايا ترتبط بالأمن الوطني وبقدرة الدولة على حماية مصالحها ومستقبل أجيالها.
نحن بحاجة إلى استراتيجيات وطنية طويلة المدى، تبنى على المعرفة والخبرة، وتراجع بصورة دورية، وتتحول إلى خطط تنفيذية بمؤشرات واضحة ومسؤوليات محددة.
لقد وضع جلالة الملك أمامنا الاتجاه العام: دولة واثقة بنفسها، متمسكة بثوابتها، قادرة على حماية مصالحها، ومنفتحة على المستقبل.
فالأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تعمل بعقل استباقي، ومسؤول يستمع ، وأحزاب تنتج السياسات، ونقابات تقدم الخبرة، ومجتمع مدني يشارك في الحل، وشباب يتقدمون إلى مواقع المسؤولية.
التشاركية التي نريدها ليست صورة جماعية حول طاولة، ولا اجتماعاً ينتهي بمحضر وتوصيات، وإنما منهجاً دائماً في صناعة القرار، ومقياساً لفاعلية الدولة، وأداة لبناء الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/27 الساعة 22:00