الدبلوماسية الهاشمية وتفكيك الرواية: كيف ساهم الأردن في تغيير الوعي العالمي وعزل إسرائيل؟

الدكتور مشعل الماضي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/27 الساعة 13:15
انسحاب وفود نحو 77 دولة من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بمجرد صعود رئيس الوزراء الإسرائيلي للمنصة لم يكن مجرد موقف سياسي عابر بل كان دليلاً واضحاً على انهيار الرواية الإسرائيلية وسقوط حصانتها القانونية أمام العالم. هذا التحول الدبلوماسي الكبير يمثل ثمرة حقيقية لجهود سياسية وأخلاقية مكثفة قادها جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد حيث نجح هذا الحراك في تحويل القضية الفلسطينية من مجرد أزمة إقليمية إلى اختبار حقيقي لضمير المنظومة الدولية ومصداقية قوانينها.

وقد انطلقت الرؤية الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني من عمق استراتيجي حذر عبره لعقود من تداعيات استمرار الاحتلال وتهميش العدالة.

وفي خطابه الصارم أمام الأمم المتحدة وضع جلالته العالم أمام مسؤولياته وتجاوز لغة الموازنات الدبلوماسية التقليدية ليقول بوضوح: "إن الفكرة القائلة بأن المنطقة يمكن أن تحقق الاستقرار من دون سلام عادل للفلسطينيين هي وهم.. وإن القوة العسكرية لا يمكنها تقديم حلول ذات مغزى، لا يمكنها إطعام الجياع، أو إعادة النازحين، أو بناء السلام". هذا التفكيك الملكي لمعادلة الأمن الزائف وفّر لقادة العالم الأرضية السياسية والقانونية الصلبة لرفض الاستماع لخطاب يقوم على شرعنة القوة والغطرسة.

كما شكل هذا العمق السياسي تكاملا وثيق العرى مع الاختراق الأخلاقي الإنساني الذي حققته جلالة الملكة رانيا العبدالله في بنية الوعي الجمعي الغربي حيث نجحت في تعرية الانتقائية العرقية في تطبيق الإنسانية عبر كبرى المنصات الإعلامية الدولية. فقد خاطبت الملكة المجتمعات الغربية بمعاييرها ذاتها بعباراتها المؤثرة: "الفلسطينيون لديهم موارد أقل ونفوذ أقل ورافعة مالية أقل لكن ليس لديهم حقوق أقل.. لا ينبغي أبداً أن تؤدي القوة غير المتكافئة إلى حقوق غير متساوية". وبصرختها المدوية: "كل ما أريده هو أن يحاول الناس ولو لمرة واحدة وضع أنفسهم في مكان الفلسطينيين ليروا الجدران والحواجز والحصار الإنساني المستمر" نجحت جلالتها في إحداث شرخ أخلاقي في الفضاء العام الغربي ومهدت الطريق أمام تحول القناعات الطلابية والشبابية التي بدأت ترفض السرديات المعلبة.

وقد تُرجم هذا التحول الأخلاقي بدقة في أرقام غير مسبوقة رصدها مركز "بيو" للأبحاث (Pew Research Center) والتي كشفت عن تآكل كبير في القاعدة الجماهيرية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. إذ أظهرت الإحصاءات أن 74% من الشباب الأمريكي تحت سن 30 عاماً يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل في حين وصلت نسبة عدم الثقة في قيادتها السياسية إلى 59%. وتؤكد بيانات "بيو" أن 33% من هذا الجيل الشاب يتعاطفون صراحةً مع الحقوق الفلسطينية مقابل 14% فقط مع إسرائيل بل إن 46% منهم بات يرى التحالف مع تل أبيب بمثابة "عبء" استراتيجي وأخلاقي يُثقل كاهل السياسة الخارجية الأمريكية.وتكمن الأهمية الاستراتيجية الكبرى لهذا التحول الجيلي في أن هؤلاء الشباب يمثلون حالياً الكتلة التصويتية والعددية الأكبر بين الناخبين الأمريكيين وهم في المدى المنظور أصحاب القرار الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي الذين سيرسمون ملامح السياسة الخارجية لواشنطن. إن إعادة صياغة قناعات هذه الكتلة الحرجة تعني نسفاً قادماً لأسس الدعم الأعمى وغير المشروط لإسرائيل في دوائر صنع القرار المستقبلي كالكونجرس والبيت الأبيض لأنه لن يعود بمقدور أي إدارة أمريكية تجاهل إرادة جيل يربط مصالحه القومية بالعدالة الإنسانية والالتزام الفعلي بالقانون الدولي.

هذا الجيل الغربي الصاعد وجد في خطاب سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد مقاربة شجاعة تلامس تطلعاته حيث قاد سموه المعركة السياسية بلغة شابة حاسمة واصفاً ما يحدث بـ "المجزرة المستمرة في غزة" ومنتقداً صراحةً العجز المؤسسي للمجتمع الدولي في حماية المدنيين والأطفال الذين يشكلون 70% من الضحايا. وقد أكد سموه أن الأردن يخوض "معركة دبلوماسية وسياسية شرسة لتغيير مواقف الدول وتعرية ممارسات الاحتلال" وهو ما تقاطع مباشرة مع حراك الشباب الدولي والجامعي الذي بات ينظر إلى الموقف الأردني كمرجعية أخلاقية وسياسية متماسكة.

إن هذا التكامل التاريخي في الأدوار الهاشمية بين مرافعة الملك السياسية والقانونية واختراق الملكة الأخلاقي والإنساني والخطاب الديناميكي الشاب لولي العهد صنع تحولاً عميقاً في الجيوبوليتيك الأخلاقي العالمي وسحب من تحت أقدام الاحتلال شرعية الرواية وجعل من مشهد المقاعد الخالية في نيويورك ومن صحوة الشارع والجامعات الأمريكية نتيجة طبيعية لجهد أردني منظم نجح في عزل الرواية الزائفة وإعادة كتابة التاريخ بلسان الحق والعدالة الإنسانية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/27 الساعة 13:15