الأردن وصندوق النقد الدولي.. بين تساؤلات الشراكة والارتهان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/26 الساعة 10:56
في كل مرة يُعلن فيها الأردن عن اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي وفي بعض الخطابات السياسية موجة من الاتهامات الجاهزة: "الأردن مرهون للصندوق"، "القرار الاقتصادي بيد واشنطن"، "السيادة الوطنية مسلوبة" هذه الاتهامات، على الرغم من انتشارها، تتجاهل حقيقة بسيطة: الأردن دولة عضو في مؤسسة دولية متعددة الأطراف، شأنه شأن نحو 190 دولة أخرى، بينها دول متقدمة كفرنسا وإيطاليا واليونان، التي لجأت جميعها إلى برامج الصندوق في مراحل مختلفة دون أن يُشكك أحد في سيادتها، ومن الضروري إذن التمييز بين نقد السياسات الاقتصادية التفصيلية - وهو نقد مشروع وصحي - وبين الترويج لسردية "التبعية" التي لا تصمد أمام فهم دقيق لطبيعة عمل الصندوق وآلية اتخاذ القرار داخله.
فصندوق النقد الدولي مؤسسة أممية هدفها الأساسي الحفاظ على استقرار النظام النقدي العالمي ومساعدة الدول الأعضاء التي تواجه اختلالات في ميزان المدفوعات،وهو ليس جهة تنفيذية تفرض قرارات على الدول بشكل مباشر، بل هيئة تقنية-مالية تعمل من خلال مجلس محافظين يمثل كل دولة عضو فيه بحصة تصويتية تتناسب مع حجم اقتصادها ومساهمتها المالية، وهذا يعني أن أي "شرط" يضعه الصندوق ضمن برنامج تمويلي هو في جوهره نتيجة تفاوض بين خبراء الصندوق الفنيين والحكومة المعنية، وليس إملاءً أحادي الجانب،والأهم من ذلك: لا يمكن لأي اتفاق أن يدخل حيز التنفيذ في الأردن دون موافقة الحكومة، ومن دون أن تمر بنوده - خاصة ما يتعلق بالموازنة العامة - عبر مجلس النواب المنتخب.
الوثائق التاريخية تشير الى ان علاقة الأردن الرسمية ببرامج الصندوق بدات مع أزمة عام 1989، حين واجهت المملكة أزمة سيولة حادة أدت إلى انهيار سعر صرف الدينار،ومنذ ذلك الحين، دخل الأردن في سلسلة من برامج التصحيح الهيكلي وبرامج تسهيل الصندوق الممدد، البرنامج الحالي، الذي أقرّه المجلس التنفيذي للصندوق في 10 كانون الثاني 2024، يبلغ حجمه نحو 1.2 مليار دولار على مدى أربع سنوات، ضمن إطار "تسهيل الصندوق الممدد" (EFF)، مع إمكانية وصول تصل إلى 270% من حصة عضوية الأردن في الصندوق، وقد أنجزت بعثات الصندوق حتى الآن عدة مراجعات دورية (الأولى في أيار 2024، والثالثة في نيسان 2025)، وهي مراجعات تقنية دورية وليست قرارات مصيرية أحادية.
ما يغيب عن كثير من النقاشات الشعبية هو أن هذه البرامج جاءت في سياق أزمات حقيقية وموضوعية: تدفق اللاجئين السوريين الذي أثقل كاهل البنية التحتية والموازنة، تراجع المساعدات الخليجية في فترات معينة، وصدمات إقليمية متكررة كتصاعد الصراعات في المنطقة وتراجع عائدات السياحة، وفي كل هذه المحطات، لم يكن الصندوق هو الخيار الوحيد المتاح أمام الأردن، بل كان أحد أدوات التمويل إلى جانب المنح الخليجية والمساعدات الأمريكية والأوروبية.
وحين يوقّع الأردن برنامجًا مع الصندوق، فإن تفاصيل التنفيذ - توقيت رفع الدعم، آليات الحماية الاجتماعية المصاحبة، وتيرة الإصلاح الضريبي - تُحدَّدها الحكومة الأردنية بناءً على قراءتها للواقع الاجتماعي والسياسي الداخلي، فالصندوق يضع أهدافًا كلية، كخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي من نحو 89% حاليًا إلى 80% بحلول 2028، لكنه لا يملي الأدوات التنفيذية بالتفصيل.
وللمقارنة، دخلت اليونان في ثلاثة برامج إنقاذ متتالية مع الصندوق والاتحاد الأوروبي بين 2010 و2018، وشهدت إصلاحات أكثر حدة بكثير مما شهده الأردن، دون أن يُشكك أحد في كونها دولة أوروبية ديمقراطية ذات سيادة كاملة، كما دخلت مصر وتونس والمغرب في برامج مشابهة، فالتعامل مع الصندوق إذن ممارسة اقتصادية عالمية اعتيادية، وليست وصمة سياسية خاصة بالأردن.
وعلى الرغم من الكلفة الاجتماعية لبعض الإجراءات، حافظ الأردن على استقرار نسبي في سعر صرف الدينار المرتبط بالدولار منذ عام 1995، وتمكّن من إبقاء معدل التضخم عند مستويات منخفضة جدًا (أقل من 2% في 2024 و2025)، وحافظ على مسار نمو إيجابي (بين 2.4% و2.7% خلال 2024-2025) رغم الاضطرابات الإقليمية، وتجنّب أزمات مديونية حادة كتلك التي عصفت بدول أخرى في المنطقة، ومع ذلك، من غير المنصف تجاهل الكلفة الاجتماعية الحقيقية لبعض السياسات المرتبطة ببرامج الصندوق: رفع أسعار المشتقات النفطية، توسيع القاعدة الضريبية، وتقليص الدعم الحكومي - كل هذا ألقى بأعباء إضافية على شريحة واسعة من الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة، وهذا النقد مشروع تمامًا، ويستحق نقاشًا جادًا حول كيفية تصميم شبكات حماية اجتماعية أكثر فعالية، لكن الفارق الجوهري هنا هو بين نقد جودة السياسة وتوقيتها وتوزيع أعبائها، وبين اتهام الدولة الأردنية بـ"فقدان السيادة" أو "الارتهان" لجهة خارجية - وهو خلط يخدم غالبًا خطابًا شعبويًا أكثر مما يخدم نقاشًا اقتصاديًا رصينًا، فالسيادة لا تعني الانعزال عن النظام المالي الدولي، بل القدرة على التفاوض ضمنه بما يخدم المصلحة الوطنية.
فصندوق النقد الدولي مؤسسة أممية هدفها الأساسي الحفاظ على استقرار النظام النقدي العالمي ومساعدة الدول الأعضاء التي تواجه اختلالات في ميزان المدفوعات،وهو ليس جهة تنفيذية تفرض قرارات على الدول بشكل مباشر، بل هيئة تقنية-مالية تعمل من خلال مجلس محافظين يمثل كل دولة عضو فيه بحصة تصويتية تتناسب مع حجم اقتصادها ومساهمتها المالية، وهذا يعني أن أي "شرط" يضعه الصندوق ضمن برنامج تمويلي هو في جوهره نتيجة تفاوض بين خبراء الصندوق الفنيين والحكومة المعنية، وليس إملاءً أحادي الجانب،والأهم من ذلك: لا يمكن لأي اتفاق أن يدخل حيز التنفيذ في الأردن دون موافقة الحكومة، ومن دون أن تمر بنوده - خاصة ما يتعلق بالموازنة العامة - عبر مجلس النواب المنتخب.
الوثائق التاريخية تشير الى ان علاقة الأردن الرسمية ببرامج الصندوق بدات مع أزمة عام 1989، حين واجهت المملكة أزمة سيولة حادة أدت إلى انهيار سعر صرف الدينار،ومنذ ذلك الحين، دخل الأردن في سلسلة من برامج التصحيح الهيكلي وبرامج تسهيل الصندوق الممدد، البرنامج الحالي، الذي أقرّه المجلس التنفيذي للصندوق في 10 كانون الثاني 2024، يبلغ حجمه نحو 1.2 مليار دولار على مدى أربع سنوات، ضمن إطار "تسهيل الصندوق الممدد" (EFF)، مع إمكانية وصول تصل إلى 270% من حصة عضوية الأردن في الصندوق، وقد أنجزت بعثات الصندوق حتى الآن عدة مراجعات دورية (الأولى في أيار 2024، والثالثة في نيسان 2025)، وهي مراجعات تقنية دورية وليست قرارات مصيرية أحادية.
ما يغيب عن كثير من النقاشات الشعبية هو أن هذه البرامج جاءت في سياق أزمات حقيقية وموضوعية: تدفق اللاجئين السوريين الذي أثقل كاهل البنية التحتية والموازنة، تراجع المساعدات الخليجية في فترات معينة، وصدمات إقليمية متكررة كتصاعد الصراعات في المنطقة وتراجع عائدات السياحة، وفي كل هذه المحطات، لم يكن الصندوق هو الخيار الوحيد المتاح أمام الأردن، بل كان أحد أدوات التمويل إلى جانب المنح الخليجية والمساعدات الأمريكية والأوروبية.
وحين يوقّع الأردن برنامجًا مع الصندوق، فإن تفاصيل التنفيذ - توقيت رفع الدعم، آليات الحماية الاجتماعية المصاحبة، وتيرة الإصلاح الضريبي - تُحدَّدها الحكومة الأردنية بناءً على قراءتها للواقع الاجتماعي والسياسي الداخلي، فالصندوق يضع أهدافًا كلية، كخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي من نحو 89% حاليًا إلى 80% بحلول 2028، لكنه لا يملي الأدوات التنفيذية بالتفصيل.
وللمقارنة، دخلت اليونان في ثلاثة برامج إنقاذ متتالية مع الصندوق والاتحاد الأوروبي بين 2010 و2018، وشهدت إصلاحات أكثر حدة بكثير مما شهده الأردن، دون أن يُشكك أحد في كونها دولة أوروبية ديمقراطية ذات سيادة كاملة، كما دخلت مصر وتونس والمغرب في برامج مشابهة، فالتعامل مع الصندوق إذن ممارسة اقتصادية عالمية اعتيادية، وليست وصمة سياسية خاصة بالأردن.
وعلى الرغم من الكلفة الاجتماعية لبعض الإجراءات، حافظ الأردن على استقرار نسبي في سعر صرف الدينار المرتبط بالدولار منذ عام 1995، وتمكّن من إبقاء معدل التضخم عند مستويات منخفضة جدًا (أقل من 2% في 2024 و2025)، وحافظ على مسار نمو إيجابي (بين 2.4% و2.7% خلال 2024-2025) رغم الاضطرابات الإقليمية، وتجنّب أزمات مديونية حادة كتلك التي عصفت بدول أخرى في المنطقة، ومع ذلك، من غير المنصف تجاهل الكلفة الاجتماعية الحقيقية لبعض السياسات المرتبطة ببرامج الصندوق: رفع أسعار المشتقات النفطية، توسيع القاعدة الضريبية، وتقليص الدعم الحكومي - كل هذا ألقى بأعباء إضافية على شريحة واسعة من الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة، وهذا النقد مشروع تمامًا، ويستحق نقاشًا جادًا حول كيفية تصميم شبكات حماية اجتماعية أكثر فعالية، لكن الفارق الجوهري هنا هو بين نقد جودة السياسة وتوقيتها وتوزيع أعبائها، وبين اتهام الدولة الأردنية بـ"فقدان السيادة" أو "الارتهان" لجهة خارجية - وهو خلط يخدم غالبًا خطابًا شعبويًا أكثر مما يخدم نقاشًا اقتصاديًا رصينًا، فالسيادة لا تعني الانعزال عن النظام المالي الدولي، بل القدرة على التفاوض ضمنه بما يخدم المصلحة الوطنية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/26 الساعة 10:56