قراءة في خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/25 الساعة 14:28
في عالمٍ تتسابق فيه الأخبار، وتتزاحم فيه الأزمات، وتتنافس فيه الصور والعناوين على لحظة من انتباه الإنسان، ربما أصبح السؤال الأهم ليس: ماذا يحدث في العالم؟ بل: إلى ماذا نختار أن ننظر؟
من هنا بدأ جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في 22 أيلول/سبتمبر 2026، بفكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة: الانتباه.
لكن جلالة الملك لم يتعامل مع الانتباه باعتباره مجرد قدرة بشرية على التركيز، بل نقل المفهوم إلى مساحة أوسع؛ إلى السياسة، والدبلوماسية، والحروب، والأزمات الإنسانية. فالذي نحظى بالانتباه إليه يحصل على فرصة أكبر للتحرك، والذي نفقد اهتمامنا به قد يتحول مع الوقت إلى أزمة معتادة لا تثير الصدمة ذاتها.
وهنا تحديدًا تكمن قوة الفكرة.
فالخطاب لم يكن مجرد استعراض للأزمات التي تعيشها المنطقة، وإنما محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح العالم معتادًا على الألم؟
من الشاشة إلى السياسة
استهل الملك حديثه بالإشارة إلى التراجع الكبير في مدة انتباه الإنسان أثناء مشاهدة الشاشة، قبل أن ينتقل إلى استنتاج سياسي لافت: الانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي، وإنما أصبح موردًا جيوسياسيًا.
وهذا الربط يحمل دلالة مهمة في عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة الاهتمام العام، وفي الوقت نفسه قادرة على نقله من قضية إلى أخرى خلال ساعات، وربما دقائق.
أزمة تظهر في مقدمة المشهد، ثم تأتي أزمة أخرى فتزيحها، ثم حدث جديد يسرق الأضواء.
لكن الأزمات في الواقع لا تختفي عندما تختفي من الشاشة.
الحرب لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، والجوع لا يتوقف عندما تختفي صور الجائعين، والتهجير لا يصبح أقل ألمًا عندما تتراجع الأخبار عنه.
وهنا كانت رسالة الخطاب واضحة: ما نختار أن نمنحه اهتمامنا اليوم، قد يحدد شكل العالم الذي سنعيش فيه غدًا.
غزة.. عندما يصبح المؤقت دائمًا
من الطبيعي أن تحتل القضية الفلسطينية مساحة واسعة من خطاب الأردن أمام المجتمع الدولي، لكن اللافت في خطاب هذا العام هو الطريقة التي ربط بها الملك بين غزة والضفة الغربية وبين مفهوم "الانتباه".
فالملك أشار إلى أن المجتمع الدولي تعامل لعقود مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره أزمة يمكن احتواؤها بدلًا من حلها، محذرًا من أن استمرار التعامل مع الانتهاكات باعتبارها أمورًا مؤقتة يؤدي في النهاية إلى جعل المؤقت واقعًا دائمًا.
وفي غزة، انتقد الملك استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية المدنية، مشددًا على ضرورة تسمية الوقائع بأسمائها وتحميل المسؤولية.
أما في الضفة الغربية، فانتقل الخطاب إلى ما اعتبره تطورات أكثر خطورة، من توسع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعنف والتهجير.
وبذلك لم يقدم الملك غزة والضفة باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما باعتبارهما جزءًا من قضية واحدة مرتبطة بمستقبل الدولة الفلسطينية.
وهنا تظهر إحدى الرسائل الأساسية في الخطاب: المشكلة ليست فقط فيما يحدث الآن، وإنما في الواقع الذي يجري تشكيله على الأرض بينما ينشغل العالم بأزمات أخرى.
حين تصبح الكلمات وسيلة لإخفاء الواقع
من أكثر الأجزاء وضوحًا في الخطاب أن الملك لم يكتفِ بوصف الأحداث، بل ركز أيضًا على اللغة التي تستخدم لوصفها.
فاللغة السياسية والإعلامية ليست محايدة دائمًا؛ فاختيار المصطلح يمكن أن يغيّر طريقة فهم المتلقي للحدث.
ولهذا انتقد الملك استخدام تعبيرات مثل "إنفاذ القانون" أو "تسجيل الأراضي" أو "البنية التحتية الأمنية" لوصف ممارسات قال إنها تؤدي، في جوهرها، إلى التهجير أو الضم الفعلي أو فرض واقع جديد على الأرض.
وهنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره دفاعًا عن أهمية التسمية الدقيقة.
لأن المشكلة لا تبدأ فقط عندما يحدث الظلم، وإنما قد تبدأ أيضًا عندما تصبح اللغة عاجزة عن وصفه.
وحين تصبح الكلمات أخف من الأفعال، يصبح من السهل أن يتحول الاستثنائي إلى عادي، والمرفوض إلى مألوف.
السلام.. ليس غائبًا عن الطاولة
ومن النقاط التي توقف عندها الخطاب أيضًا التأكيد على أن العالم العربي لم يكن بلا مبادرات للسلام.
فقد استحضر الملك مبادرة السلام العربية التي طرحت عام 2002، والتي عرضت تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى استمرار المبادرة لأكثر من عقدين.
وهذه الإشارة مهمة لأنها تضع النقاش في سياق أوسع من أحداث اللحظة الحالية.
فالقضية، وفق الطرح الذي قدمه الملك، ليست غياب الخيارات السياسية، وإنما السؤال عن مدى وجود إرادة سياسية لاستخدامها.
ومن هنا انتقل الخطاب إلى فكرة أكثر مباشرة: التقاعس السياسي ليس دائمًا نتيجة غياب الأدوات، وإنما قد يكون نتيجة عدم استخدامها.
الأردن.. الدبلوماسية لا تعني التنازل عن الأمن
وفي الجزء المتعلق بالأردن، انتقل الخطاب من القضية الفلسطينية إلى الأمن الوطني الأردني.
فجلالة الملك أكد بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، مشددًا على أن الأردن لن يتجاهل هذه المخاطر.
وهذه الرسالة جاءت في سياق حديثه عن التطورات في جنوب سوريا، وما وصفه بالتوغلات والتوسع الجغرافي والتهديدات المرتبطة بمصادر المياه.
وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على التأكيد على الدبلوماسية والحوار.
وهنا تظهر معادلة مهمة في الخطاب الأردني: الدبلوماسية ليست غيابًا للقوة، كما أن القوة ليست بديلًا عن الدبلوماسية.
الأردن، كما قدمه الملك في الخطاب، يريد أن يكون طرفًا قادرًا على الحوار مع مختلف الأطراف، لكن ذلك لا يعني التخلي عن مصالحه أو أمنه الوطني.
الأردن.. نموذج يحاول أن يبقى ثابتًا
ربما كانت إحدى الرسائل الأوسع في الخطاب هي الصورة التي أراد الملك تقديمها للأردن نفسه.
فجلالته تحدث عن سعي المملكة إلى بناء نموذج يقوم على المبادئ والانفتاح والثبات، في وقت تتغير فيه الحسابات السياسية بسرعة.
وهذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية.
فالأردن، وفق ما طرحه الخطاب، يحاول أن يؤدي عدة أدوار في الوقت نفسه: مواجهة التحديات الأمنية، دعم الاستقرار الإقليمي، التعامل مع الأزمات الإنسانية، حماية المسيحيين وتراثهم، مواجهة خطاب الكراهية، ودعم الفلسطينيين والأونروا، إلى جانب الحفاظ على الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ومن هنا يمكن فهم عبارة الملك عن الأردن باعتباره بلدًا يمكن للعالم أن يعتمد عليه، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الانفتاح والدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهما على أنهما ضعف.
القوة العسكرية.. وهل تستطيع وحدها صناعة السلام؟
لم يحصر الخطاب أزماته في المنطقة فقط، بل وسّع الدائرة لتشمل غزة والسودان وأوكرانيا وغيرها من مناطق النزاع.
وهنا طرح الملك فكرة أخرى تستحق التوقف: القوة العسكرية وحدها لا تستطيع صناعة الحلول السياسية والإنسانية.
فهي لا تطعم الجائع، ولا تعيد النازح إلى منزله، ولا تبني السلام، ولا تعالج أزمات المناخ والهجرة والتكنولوجيا.
وهذا لا يعني تجاهل أهمية الأمن والدفاع، وإنما يعني أن معالجة الأزمات تحتاج إلى ما هو أبعد من القوة العسكرية: مؤسسات تحظى بالشرعية، واتفاقيات تحظى بالثقة، وقواعد يتم تطبيقها.
وهنا يعود الخطاب مرة أخرى إلى كلمته المفتاحية: الثقة.
لأن النظام الدولي، مهما بلغت قوة مؤسساته، يفقد جزءًا من قدرته عندما تفقد الدول والشعوب ثقتها بأن القواعد تطبق على الجميع.
السؤال الذي تركه الخطاب
ربما أهم ما في الخطاب ليس الإجابات التي قدمها، وإنما السؤال الذي تركه أمام المجتمع الدولي:
هل سنتحرك؟
فإذا كان العالم يمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية للتعامل مع الأزمات، فلماذا تبقى بعض القرارات مجرد نصوص؟
وإذا كانت بعض الأزمات تحظى باهتمام عالمي واسع، بينما تتراجع أزمات أخرى إلى الخلف، فمن الذي يحدد أولويات هذا الاهتمام؟
هنا يصبح الانتباه نفسه قضية سياسية.
ليس المقصود أن نهتم بكل شيء بالدرجة ذاتها، فهذا غير ممكن، وإنما أن ندرك أن فقدان الاهتمام بأزمة ما لا يعني أن الأزمة فقدت آثارها.
في النهاية.. ما الذي نختار ألا نراه؟
ربما يمكن اختصار خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في فكرة واحدة:
العالم لا يتشكل فقط بما نقرر أن نفعله، وإنما أيضًا بما نقرر أن نتجاهله.
وهذه الفكرة تتجاوز السياسة إلى حياتنا اليومية.
في زمن أصبحت فيه الأخبار أسرع من قدرتنا على استيعابها، وأصبحت فيه الأزمات تتنافس على مساحة صغيرة من اهتمامنا، قد يكون أخطر ما يحدث ليس أن نرى الكثير، وإنما أن نعتاد على ما نراه.
أن تمر صورة طفل جائع أمام أعيننا فلا نتوقف.
أن نسمع عن حرب جديدة فنقول: حرب أخرى.
أن نقرأ عن تهجير أو نزوح فنعتبره خبرًا عابرًا.
المشكلة ليست فقط في كثرة الأزمات، وإنما في احتمال أن يتحول تكرارها إلى اعتياد.
ولهذا كان اختيار "الانتباه" مدخلًا لخطاب ملك الأردن أمام العالم لافتًا؛ لأنه لم يسأل فقط: ماذا يحدث؟
بل وضع سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ماذا يحدث عندما نعرف ما يحدث، ثم نختار أن ننظر إلى مكان آخر؟
في النهاية، قد لا يكون العالم عاجزًا دائمًا عن رؤية الأزمات، لكنه في أحيان كثيرة يواجه سؤالًا أصعب: هل سيمنحها من الانتباه ما يكفي حتى يتحول الوعي إلى فعل؟
وربما لهذا السبب كانت الخاتمة الأكثر دلالة في الخطاب هي أن المستقبل لا تصنعه أفعالنا فقط، بل تصنعه أيضًا الأشياء التي نختار أن نتجاهلها.
من هنا بدأ جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في 22 أيلول/سبتمبر 2026، بفكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة: الانتباه.
لكن جلالة الملك لم يتعامل مع الانتباه باعتباره مجرد قدرة بشرية على التركيز، بل نقل المفهوم إلى مساحة أوسع؛ إلى السياسة، والدبلوماسية، والحروب، والأزمات الإنسانية. فالذي نحظى بالانتباه إليه يحصل على فرصة أكبر للتحرك، والذي نفقد اهتمامنا به قد يتحول مع الوقت إلى أزمة معتادة لا تثير الصدمة ذاتها.
وهنا تحديدًا تكمن قوة الفكرة.
فالخطاب لم يكن مجرد استعراض للأزمات التي تعيشها المنطقة، وإنما محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح العالم معتادًا على الألم؟
من الشاشة إلى السياسة
استهل الملك حديثه بالإشارة إلى التراجع الكبير في مدة انتباه الإنسان أثناء مشاهدة الشاشة، قبل أن ينتقل إلى استنتاج سياسي لافت: الانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي، وإنما أصبح موردًا جيوسياسيًا.
وهذا الربط يحمل دلالة مهمة في عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة الاهتمام العام، وفي الوقت نفسه قادرة على نقله من قضية إلى أخرى خلال ساعات، وربما دقائق.
أزمة تظهر في مقدمة المشهد، ثم تأتي أزمة أخرى فتزيحها، ثم حدث جديد يسرق الأضواء.
لكن الأزمات في الواقع لا تختفي عندما تختفي من الشاشة.
الحرب لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، والجوع لا يتوقف عندما تختفي صور الجائعين، والتهجير لا يصبح أقل ألمًا عندما تتراجع الأخبار عنه.
وهنا كانت رسالة الخطاب واضحة: ما نختار أن نمنحه اهتمامنا اليوم، قد يحدد شكل العالم الذي سنعيش فيه غدًا.
غزة.. عندما يصبح المؤقت دائمًا
من الطبيعي أن تحتل القضية الفلسطينية مساحة واسعة من خطاب الأردن أمام المجتمع الدولي، لكن اللافت في خطاب هذا العام هو الطريقة التي ربط بها الملك بين غزة والضفة الغربية وبين مفهوم "الانتباه".
فالملك أشار إلى أن المجتمع الدولي تعامل لعقود مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره أزمة يمكن احتواؤها بدلًا من حلها، محذرًا من أن استمرار التعامل مع الانتهاكات باعتبارها أمورًا مؤقتة يؤدي في النهاية إلى جعل المؤقت واقعًا دائمًا.
وفي غزة، انتقد الملك استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية المدنية، مشددًا على ضرورة تسمية الوقائع بأسمائها وتحميل المسؤولية.
أما في الضفة الغربية، فانتقل الخطاب إلى ما اعتبره تطورات أكثر خطورة، من توسع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعنف والتهجير.
وبذلك لم يقدم الملك غزة والضفة باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما باعتبارهما جزءًا من قضية واحدة مرتبطة بمستقبل الدولة الفلسطينية.
وهنا تظهر إحدى الرسائل الأساسية في الخطاب: المشكلة ليست فقط فيما يحدث الآن، وإنما في الواقع الذي يجري تشكيله على الأرض بينما ينشغل العالم بأزمات أخرى.
حين تصبح الكلمات وسيلة لإخفاء الواقع
من أكثر الأجزاء وضوحًا في الخطاب أن الملك لم يكتفِ بوصف الأحداث، بل ركز أيضًا على اللغة التي تستخدم لوصفها.
فاللغة السياسية والإعلامية ليست محايدة دائمًا؛ فاختيار المصطلح يمكن أن يغيّر طريقة فهم المتلقي للحدث.
ولهذا انتقد الملك استخدام تعبيرات مثل "إنفاذ القانون" أو "تسجيل الأراضي" أو "البنية التحتية الأمنية" لوصف ممارسات قال إنها تؤدي، في جوهرها، إلى التهجير أو الضم الفعلي أو فرض واقع جديد على الأرض.
وهنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره دفاعًا عن أهمية التسمية الدقيقة.
لأن المشكلة لا تبدأ فقط عندما يحدث الظلم، وإنما قد تبدأ أيضًا عندما تصبح اللغة عاجزة عن وصفه.
وحين تصبح الكلمات أخف من الأفعال، يصبح من السهل أن يتحول الاستثنائي إلى عادي، والمرفوض إلى مألوف.
السلام.. ليس غائبًا عن الطاولة
ومن النقاط التي توقف عندها الخطاب أيضًا التأكيد على أن العالم العربي لم يكن بلا مبادرات للسلام.
فقد استحضر الملك مبادرة السلام العربية التي طرحت عام 2002، والتي عرضت تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى استمرار المبادرة لأكثر من عقدين.
وهذه الإشارة مهمة لأنها تضع النقاش في سياق أوسع من أحداث اللحظة الحالية.
فالقضية، وفق الطرح الذي قدمه الملك، ليست غياب الخيارات السياسية، وإنما السؤال عن مدى وجود إرادة سياسية لاستخدامها.
ومن هنا انتقل الخطاب إلى فكرة أكثر مباشرة: التقاعس السياسي ليس دائمًا نتيجة غياب الأدوات، وإنما قد يكون نتيجة عدم استخدامها.
الأردن.. الدبلوماسية لا تعني التنازل عن الأمن
وفي الجزء المتعلق بالأردن، انتقل الخطاب من القضية الفلسطينية إلى الأمن الوطني الأردني.
فجلالة الملك أكد بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، مشددًا على أن الأردن لن يتجاهل هذه المخاطر.
وهذه الرسالة جاءت في سياق حديثه عن التطورات في جنوب سوريا، وما وصفه بالتوغلات والتوسع الجغرافي والتهديدات المرتبطة بمصادر المياه.
وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على التأكيد على الدبلوماسية والحوار.
وهنا تظهر معادلة مهمة في الخطاب الأردني: الدبلوماسية ليست غيابًا للقوة، كما أن القوة ليست بديلًا عن الدبلوماسية.
الأردن، كما قدمه الملك في الخطاب، يريد أن يكون طرفًا قادرًا على الحوار مع مختلف الأطراف، لكن ذلك لا يعني التخلي عن مصالحه أو أمنه الوطني.
الأردن.. نموذج يحاول أن يبقى ثابتًا
ربما كانت إحدى الرسائل الأوسع في الخطاب هي الصورة التي أراد الملك تقديمها للأردن نفسه.
فجلالته تحدث عن سعي المملكة إلى بناء نموذج يقوم على المبادئ والانفتاح والثبات، في وقت تتغير فيه الحسابات السياسية بسرعة.
وهذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية.
فالأردن، وفق ما طرحه الخطاب، يحاول أن يؤدي عدة أدوار في الوقت نفسه: مواجهة التحديات الأمنية، دعم الاستقرار الإقليمي، التعامل مع الأزمات الإنسانية، حماية المسيحيين وتراثهم، مواجهة خطاب الكراهية، ودعم الفلسطينيين والأونروا، إلى جانب الحفاظ على الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ومن هنا يمكن فهم عبارة الملك عن الأردن باعتباره بلدًا يمكن للعالم أن يعتمد عليه، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الانفتاح والدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهما على أنهما ضعف.
القوة العسكرية.. وهل تستطيع وحدها صناعة السلام؟
لم يحصر الخطاب أزماته في المنطقة فقط، بل وسّع الدائرة لتشمل غزة والسودان وأوكرانيا وغيرها من مناطق النزاع.
وهنا طرح الملك فكرة أخرى تستحق التوقف: القوة العسكرية وحدها لا تستطيع صناعة الحلول السياسية والإنسانية.
فهي لا تطعم الجائع، ولا تعيد النازح إلى منزله، ولا تبني السلام، ولا تعالج أزمات المناخ والهجرة والتكنولوجيا.
وهذا لا يعني تجاهل أهمية الأمن والدفاع، وإنما يعني أن معالجة الأزمات تحتاج إلى ما هو أبعد من القوة العسكرية: مؤسسات تحظى بالشرعية، واتفاقيات تحظى بالثقة، وقواعد يتم تطبيقها.
وهنا يعود الخطاب مرة أخرى إلى كلمته المفتاحية: الثقة.
لأن النظام الدولي، مهما بلغت قوة مؤسساته، يفقد جزءًا من قدرته عندما تفقد الدول والشعوب ثقتها بأن القواعد تطبق على الجميع.
السؤال الذي تركه الخطاب
ربما أهم ما في الخطاب ليس الإجابات التي قدمها، وإنما السؤال الذي تركه أمام المجتمع الدولي:
هل سنتحرك؟
فإذا كان العالم يمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية للتعامل مع الأزمات، فلماذا تبقى بعض القرارات مجرد نصوص؟
وإذا كانت بعض الأزمات تحظى باهتمام عالمي واسع، بينما تتراجع أزمات أخرى إلى الخلف، فمن الذي يحدد أولويات هذا الاهتمام؟
هنا يصبح الانتباه نفسه قضية سياسية.
ليس المقصود أن نهتم بكل شيء بالدرجة ذاتها، فهذا غير ممكن، وإنما أن ندرك أن فقدان الاهتمام بأزمة ما لا يعني أن الأزمة فقدت آثارها.
في النهاية.. ما الذي نختار ألا نراه؟
ربما يمكن اختصار خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في فكرة واحدة:
العالم لا يتشكل فقط بما نقرر أن نفعله، وإنما أيضًا بما نقرر أن نتجاهله.
وهذه الفكرة تتجاوز السياسة إلى حياتنا اليومية.
في زمن أصبحت فيه الأخبار أسرع من قدرتنا على استيعابها، وأصبحت فيه الأزمات تتنافس على مساحة صغيرة من اهتمامنا، قد يكون أخطر ما يحدث ليس أن نرى الكثير، وإنما أن نعتاد على ما نراه.
أن تمر صورة طفل جائع أمام أعيننا فلا نتوقف.
أن نسمع عن حرب جديدة فنقول: حرب أخرى.
أن نقرأ عن تهجير أو نزوح فنعتبره خبرًا عابرًا.
المشكلة ليست فقط في كثرة الأزمات، وإنما في احتمال أن يتحول تكرارها إلى اعتياد.
ولهذا كان اختيار "الانتباه" مدخلًا لخطاب ملك الأردن أمام العالم لافتًا؛ لأنه لم يسأل فقط: ماذا يحدث؟
بل وضع سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ماذا يحدث عندما نعرف ما يحدث، ثم نختار أن ننظر إلى مكان آخر؟
في النهاية، قد لا يكون العالم عاجزًا دائمًا عن رؤية الأزمات، لكنه في أحيان كثيرة يواجه سؤالًا أصعب: هل سيمنحها من الانتباه ما يكفي حتى يتحول الوعي إلى فعل؟
وربما لهذا السبب كانت الخاتمة الأكثر دلالة في الخطاب هي أن المستقبل لا تصنعه أفعالنا فقط، بل تصنعه أيضًا الأشياء التي نختار أن نتجاهلها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/25 الساعة 14:28