بعد خطاب الملك في الأمم المتحدة.. المطلوب أردنياً وعربياً
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/24 الساعة 22:32
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد عرض للموقف الأردني من أزمات المنطقة، بل حمل رؤية سياسية واستراتيجية متكاملة لما يجري في الإقليم، وحدد بوضوح جملة من الثوابت الأردنية في مرحلة تتسم بدرجة غير مسبوقة من الاضطراب وعدم اليقين.
وعندما يقول جلالة الملك بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن القومي، وإن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، فإننا نكون أمام رسالة تتجاوز توصيف المخاطر إلى تحديد أولويات وطنية تستدعي ترجمتها إلى سياسات وبرامج ومواقف على المستويين الداخلي والخارجي.
أولاً: المطلوب وطنياً.. تحويل الخطاب إلى مشروع عمل
على الصعيد الوطني، ينبغي قراءة الخطاب بوصفه دعوة إلى مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على استعادة الثقة، وتعزيز التماسك الداخلي، وحشد الطاقات الوطنية للدفاع عن مصالح الأردن في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
فالسياسة الخارجية القوية تحتاج إلى جبهة داخلية قوية، والدولة التي تواجه تحديات استراتيجية على حدودها وفي محيطها لا تستطيع أن تستثمر كامل قوتها ما لم يكن مجتمعها واثقاً بمؤسساتها، وشريكاً في حماية مصالحها، ومدركاً لطبيعة المخاطر التي تواجهها.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها. إنها مسؤولية مؤسسات الدولة، والبرلمان، والجامعات، ومراكز الدراسات والأبحاث، والأحزاب، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص. المطلوب أن يتحول الخطاب الملكي من مادة للتغطية الإعلامية إلى وثيقة للنقاش الوطني والبحث وصناعة السياسات. ولتحقيق ذلك، يمكن للحكومة والبرلمان إطلاق منصة وطنية دائمة لمتابعة مخرجات الخطاب، تتولى خلال مدد زمنية محددة تحويل كل محور إلى مؤشرات أداء ومشروعات قابلة للقياس، مع نشر تقرير نصف سنوي يوضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك.
وعلى الجامعات ومراكز البحث الأردنية، بصورة خاصة، أن تتعامل مع مضامين الخطاب بما تستحقه من جدية، وأن تخضع أبعاده السياسية والقانونية والأمنية والاستراتيجية لدراسات معمقة، وأن تقدم لصانع القرار أوراق سياسات وسيناريوهات وخيارات عملية. ويمكن ترجمة ذلك بإنشاء مرصد وطني للأمن الإقليمي والمائي، يضم خبراء من الجامعات والقوات المسلحة والقطاعين العام والخاص، ويصدر إنذارات مبكرة وتوصيات دورية بشأن الحدود والمياه والتطورات الإقليمية.
المياه.. حين تصبح قطرة الماء قضية أمن قومي
ولعل الرسالة الأكثر مباشرة للأردنيين في الخطاب تتعلق بالأمن المائي.
فالمياه بالنسبة للأردن لم تعد ملفاً خدمياً أو تنموياً فحسب، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الوطني الشامل. وقد ربط جلالة الملك بصورة مباشرة بين أي تهديد للأمن المائي وبين الأمن القومي الأردني، في سياق حديثه عن التطورات في جنوب سوريا وفرض حقائق جديدة على الأرض تمس، من بين ما تمسه، مصادر مائية حيوية.
وهذا يستدعي تطوير استراتيجية وطنية متكاملة للأمن المائي، تجمع بين السياسة الخارجية والأمن والدفاع والقانون الدولي والدبلوماسية المائية والتكنولوجيا وإدارة الموارد. فالدفاع عن المياه في القرن الحادي والعشرين قد لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحدود، لأن الدول لا تستطيع حماية سيادتها من دون حماية مواردها الاستراتيجية. ويقتضي ذلك اعتماد برنامج تنفيذي عاجل يتضمن خفض فاقد الشبكات، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة، وتسريع مشاريع التحلية والناقل الوطني، وإنشاء خلية دبلوماسية وقانونية لمراقبة أي اعتداء أو تغيير أحادي في الأحواض والمصادر المشتركة، مع تفعيل آليات الإخطار والتفاوض والتحكيم المنصوص عليها في القانون الدولي.
فلسطين.. القضية التي لا يجوز أن تصبح خبراً معتاداً
وفي القضية الفلسطينية، جاءت الرسالة الملكية شديدة الوضوح. فالخطاب رفض التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، وربط بين ما يجري فيهما وبين مستقبل الدولة الفلسطينية وإمكان قيامها، كما أكد استمرار الأردن في دعم الصمود الفلسطيني والأونروا وحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ومن هنا، فإن المطلوب عربياً هو الانتقال من التضامن السياسي والإنساني إلى بناء موقف جماعي أكثر فاعلية لحماية الحقوق الفلسطينية ودعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، والعمل دبلوماسياً وقانونياً واقتصادياً من أجل منع التهجير وحماية فرص التسوية السياسية القائمة على إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. ويمكن للدول العربية إنشاء آلية تنسيق موحدة تضم وزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية واللجان القانونية، تتولى التحرك أمام الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وتربط أي تعاون أو علاقة مع إسرائيل بوقف التهجير والاستيطان واحترام الوضع القانوني للقدس، إلى جانب صندوق عربي مستدام لدعم الأونروا والقطاعات الحيوية في غزة والضفة.
سوريا.. أمنها واستقرارها مصلحة أردنية وعربية
أما سوريا، فقد احتلت موقعاً بالغ الأهمية في الخطاب. والتحذير الملكي من التطورات في جنوب سوريا يعكس حقيقة جيوسياسية أساسية: أمن سوريا وسيادتها واستقرارها يرتبط مباشرة بأمن الأردن واستقرار الإقليم.
لذلك، فإن المصلحة الأردنية والعربية تقتضي دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ومساندة جهود استقرارها وإعادة إعمارها واستعادة قدرتها على إدارة حدودها ومواردها ومؤسساتها. فسوريا المستقرة والموحدة ليست مصلحة سورية فقط، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن العربي. ويستدعي ذلك تفعيل غرفة تنسيق أردنية-عربية مع السلطات السورية والشركاء الدوليين لضبط الحدود الجنوبية، ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح، ودعم ترتيبات أمنية محلية تحت سيادة الدولة السورية، بالتوازي مع خطة عربية لتمويل مشاريع التعافي المبكر وإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق الحدودية.
والتطبيع أيضاً بحاجة إلى مراجعة سياسية
أما الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن التطورات الراهنة تطرح عليها أسئلة سياسية مشروعة حول مدى قدرة تلك العلاقات على الإسهام في وقف الإجراءات التي تقوض فرص الدولة الفلسطينية أو تمس استقرار دول المنطقة.
والمطلوب هنا نقاش عربي جاد حول أدوات العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية المتاحة، وكيف يمكن توظيفها بصورة أكثر فاعلية لدعم القانون الدولي، وحماية الحقوق الفلسطينية، ومنع مزيد من التصعيد الإقليمي. فالخطاب الملكي نفسه أشار إلى أدوات دولية مثل العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي في سياق حديثه عن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات. ويمكن ترجمة هذا النقاش إلى موقف عربي مشترك يحدد إجراءات تدريجية قابلة للتنفيذ، تبدأ باستدعاء السفراء وتعليق اللجان والاتفاقيات غير الضرورية، وتصل إلى تقييد التعاون الاقتصادي والعسكري، مع ربط أي عودة أو توسع في العلاقات بخطوات إسرائيلية موثقة نحو وقف العدوان والتهجير والاستيطان.
من الخطاب إلى الفعل
القيمة الحقيقية لأي خطاب تاريخي لا تكمن فقط في قوة كلماته، وإنما في ما يحدث بعد أن تنتهي الكلمات.
خطاب الملك عبدالله الثاني وضع أمام الأردنيين والعرب خريطة واضحة للتحديات: فلسطين، وسوريا، والمياه، والحدود، والقانون الدولي، والأمن الإقليمي، والثقة بالمؤسسات والاتفاقيات. وفي المقابل، أكد أن الأردن سيواصل الدفاع عن مصالحه ومبادئه، وسيظل داعماً للسلام العادل، لكنه لن يسمح بأن يُفهم تمسكه بالدبلوماسية باعتباره ضعفاً.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن.
داخلياً، المطلوب تحويل الخطاب إلى وعي وطني وسياسات عامة وبحث علمي وخطط عمل تعزز منعة الدولة وثقة المواطن بها، عبر منصة متابعة وطنية ومرصد للأمن المائي والإقليمي وبرامج تنفيذية ذات مؤشرات معلنة. وعربياً، المطلوب بناء موقف أكثر تنسيقاً وفاعلية يحمي فلسطين، ويدعم استقرار سوريا وسيادتها، ويساند الأردن في حماية أمنه وحدوده وموارده ومصالحه الوطنية، من خلال آليات دبلوماسية وقانونية وتمويلية مشتركة قابلة للقياس.
لقد قال الأردن كلمته من على أعلى منبر دولي.
والمرحلة المقبلة ليست مرحلة الاكتفاء بالإعجاب بقوة الخطاب، بل مرحلة تحويل رسائله إلى سياسات، ومواقفه إلى أدوات، وتحذيراته إلى استعداد، ورؤيته إلى مشروع عمل وطني وعربي.
فتلك، في النهاية، هي الطريقة التي تتحول بها الكلمات التاريخية إلى أفعال تصنع التاريخ.
وعندما يقول جلالة الملك بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن القومي، وإن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، فإننا نكون أمام رسالة تتجاوز توصيف المخاطر إلى تحديد أولويات وطنية تستدعي ترجمتها إلى سياسات وبرامج ومواقف على المستويين الداخلي والخارجي.
أولاً: المطلوب وطنياً.. تحويل الخطاب إلى مشروع عمل
على الصعيد الوطني، ينبغي قراءة الخطاب بوصفه دعوة إلى مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على استعادة الثقة، وتعزيز التماسك الداخلي، وحشد الطاقات الوطنية للدفاع عن مصالح الأردن في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
فالسياسة الخارجية القوية تحتاج إلى جبهة داخلية قوية، والدولة التي تواجه تحديات استراتيجية على حدودها وفي محيطها لا تستطيع أن تستثمر كامل قوتها ما لم يكن مجتمعها واثقاً بمؤسساتها، وشريكاً في حماية مصالحها، ومدركاً لطبيعة المخاطر التي تواجهها.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها. إنها مسؤولية مؤسسات الدولة، والبرلمان، والجامعات، ومراكز الدراسات والأبحاث، والأحزاب، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص. المطلوب أن يتحول الخطاب الملكي من مادة للتغطية الإعلامية إلى وثيقة للنقاش الوطني والبحث وصناعة السياسات. ولتحقيق ذلك، يمكن للحكومة والبرلمان إطلاق منصة وطنية دائمة لمتابعة مخرجات الخطاب، تتولى خلال مدد زمنية محددة تحويل كل محور إلى مؤشرات أداء ومشروعات قابلة للقياس، مع نشر تقرير نصف سنوي يوضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك.
وعلى الجامعات ومراكز البحث الأردنية، بصورة خاصة، أن تتعامل مع مضامين الخطاب بما تستحقه من جدية، وأن تخضع أبعاده السياسية والقانونية والأمنية والاستراتيجية لدراسات معمقة، وأن تقدم لصانع القرار أوراق سياسات وسيناريوهات وخيارات عملية. ويمكن ترجمة ذلك بإنشاء مرصد وطني للأمن الإقليمي والمائي، يضم خبراء من الجامعات والقوات المسلحة والقطاعين العام والخاص، ويصدر إنذارات مبكرة وتوصيات دورية بشأن الحدود والمياه والتطورات الإقليمية.
المياه.. حين تصبح قطرة الماء قضية أمن قومي
ولعل الرسالة الأكثر مباشرة للأردنيين في الخطاب تتعلق بالأمن المائي.
فالمياه بالنسبة للأردن لم تعد ملفاً خدمياً أو تنموياً فحسب، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الوطني الشامل. وقد ربط جلالة الملك بصورة مباشرة بين أي تهديد للأمن المائي وبين الأمن القومي الأردني، في سياق حديثه عن التطورات في جنوب سوريا وفرض حقائق جديدة على الأرض تمس، من بين ما تمسه، مصادر مائية حيوية.
وهذا يستدعي تطوير استراتيجية وطنية متكاملة للأمن المائي، تجمع بين السياسة الخارجية والأمن والدفاع والقانون الدولي والدبلوماسية المائية والتكنولوجيا وإدارة الموارد. فالدفاع عن المياه في القرن الحادي والعشرين قد لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحدود، لأن الدول لا تستطيع حماية سيادتها من دون حماية مواردها الاستراتيجية. ويقتضي ذلك اعتماد برنامج تنفيذي عاجل يتضمن خفض فاقد الشبكات، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة، وتسريع مشاريع التحلية والناقل الوطني، وإنشاء خلية دبلوماسية وقانونية لمراقبة أي اعتداء أو تغيير أحادي في الأحواض والمصادر المشتركة، مع تفعيل آليات الإخطار والتفاوض والتحكيم المنصوص عليها في القانون الدولي.
فلسطين.. القضية التي لا يجوز أن تصبح خبراً معتاداً
وفي القضية الفلسطينية، جاءت الرسالة الملكية شديدة الوضوح. فالخطاب رفض التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، وربط بين ما يجري فيهما وبين مستقبل الدولة الفلسطينية وإمكان قيامها، كما أكد استمرار الأردن في دعم الصمود الفلسطيني والأونروا وحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ومن هنا، فإن المطلوب عربياً هو الانتقال من التضامن السياسي والإنساني إلى بناء موقف جماعي أكثر فاعلية لحماية الحقوق الفلسطينية ودعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، والعمل دبلوماسياً وقانونياً واقتصادياً من أجل منع التهجير وحماية فرص التسوية السياسية القائمة على إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. ويمكن للدول العربية إنشاء آلية تنسيق موحدة تضم وزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية واللجان القانونية، تتولى التحرك أمام الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وتربط أي تعاون أو علاقة مع إسرائيل بوقف التهجير والاستيطان واحترام الوضع القانوني للقدس، إلى جانب صندوق عربي مستدام لدعم الأونروا والقطاعات الحيوية في غزة والضفة.
سوريا.. أمنها واستقرارها مصلحة أردنية وعربية
أما سوريا، فقد احتلت موقعاً بالغ الأهمية في الخطاب. والتحذير الملكي من التطورات في جنوب سوريا يعكس حقيقة جيوسياسية أساسية: أمن سوريا وسيادتها واستقرارها يرتبط مباشرة بأمن الأردن واستقرار الإقليم.
لذلك، فإن المصلحة الأردنية والعربية تقتضي دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ومساندة جهود استقرارها وإعادة إعمارها واستعادة قدرتها على إدارة حدودها ومواردها ومؤسساتها. فسوريا المستقرة والموحدة ليست مصلحة سورية فقط، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن العربي. ويستدعي ذلك تفعيل غرفة تنسيق أردنية-عربية مع السلطات السورية والشركاء الدوليين لضبط الحدود الجنوبية، ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح، ودعم ترتيبات أمنية محلية تحت سيادة الدولة السورية، بالتوازي مع خطة عربية لتمويل مشاريع التعافي المبكر وإعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق الحدودية.
والتطبيع أيضاً بحاجة إلى مراجعة سياسية
أما الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن التطورات الراهنة تطرح عليها أسئلة سياسية مشروعة حول مدى قدرة تلك العلاقات على الإسهام في وقف الإجراءات التي تقوض فرص الدولة الفلسطينية أو تمس استقرار دول المنطقة.
والمطلوب هنا نقاش عربي جاد حول أدوات العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية المتاحة، وكيف يمكن توظيفها بصورة أكثر فاعلية لدعم القانون الدولي، وحماية الحقوق الفلسطينية، ومنع مزيد من التصعيد الإقليمي. فالخطاب الملكي نفسه أشار إلى أدوات دولية مثل العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي في سياق حديثه عن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات. ويمكن ترجمة هذا النقاش إلى موقف عربي مشترك يحدد إجراءات تدريجية قابلة للتنفيذ، تبدأ باستدعاء السفراء وتعليق اللجان والاتفاقيات غير الضرورية، وتصل إلى تقييد التعاون الاقتصادي والعسكري، مع ربط أي عودة أو توسع في العلاقات بخطوات إسرائيلية موثقة نحو وقف العدوان والتهجير والاستيطان.
من الخطاب إلى الفعل
القيمة الحقيقية لأي خطاب تاريخي لا تكمن فقط في قوة كلماته، وإنما في ما يحدث بعد أن تنتهي الكلمات.
خطاب الملك عبدالله الثاني وضع أمام الأردنيين والعرب خريطة واضحة للتحديات: فلسطين، وسوريا، والمياه، والحدود، والقانون الدولي، والأمن الإقليمي، والثقة بالمؤسسات والاتفاقيات. وفي المقابل، أكد أن الأردن سيواصل الدفاع عن مصالحه ومبادئه، وسيظل داعماً للسلام العادل، لكنه لن يسمح بأن يُفهم تمسكه بالدبلوماسية باعتباره ضعفاً.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن.
داخلياً، المطلوب تحويل الخطاب إلى وعي وطني وسياسات عامة وبحث علمي وخطط عمل تعزز منعة الدولة وثقة المواطن بها، عبر منصة متابعة وطنية ومرصد للأمن المائي والإقليمي وبرامج تنفيذية ذات مؤشرات معلنة. وعربياً، المطلوب بناء موقف أكثر تنسيقاً وفاعلية يحمي فلسطين، ويدعم استقرار سوريا وسيادتها، ويساند الأردن في حماية أمنه وحدوده وموارده ومصالحه الوطنية، من خلال آليات دبلوماسية وقانونية وتمويلية مشتركة قابلة للقياس.
لقد قال الأردن كلمته من على أعلى منبر دولي.
والمرحلة المقبلة ليست مرحلة الاكتفاء بالإعجاب بقوة الخطاب، بل مرحلة تحويل رسائله إلى سياسات، ومواقفه إلى أدوات، وتحذيراته إلى استعداد، ورؤيته إلى مشروع عمل وطني وعربي.
فتلك، في النهاية، هي الطريقة التي تتحول بها الكلمات التاريخية إلى أفعال تصنع التاريخ.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/24 الساعة 22:32