قراءة تحليلية في: خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة

اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/24 الساعة 01:09
يستحق الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة يوم الثلاثاء 22 أيلول 2026 القراءة بتمعن وبتدقيق وتمحيص عميقين ، نظرًا لم اشتمل عليه من أبعاد ، وما حمله من رسائل سياسية وإعلامية اتصاليه ، فالخطاب جاء ليشكل تطويرًا لتعريف مفهوم الموقع الاستراتيجي الأردني في البيئة الإقليمية والدولية .

فقد جاء الخطاب موسِعًا لدائرة قراءة البعد الفلسطيني ، حيث ربط القضية الفلسطينية بأزمة النظام الدولي نفسه ، مثلما جسد الخطاب أهمية أمن الأردن الوطني وحماية حدوده ومياهه ومكانته السياسية وموقعه الاستراتيجي، حيث بُني الخطاب على فكرة رئيسة ومركزية وهي " الانتباه" بوصفه موردًا جيوسياسيًا يمكن توظيفه كأداة للضغط على النظام الدولي في معالجة القضايا الهامة والمصيرية للشعوب وبخاصة القضية الفلسطينية ، حيث وصف جلالته مفهوم "الانتباه" بقولة : " إن الانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي بل أصبح موردًا جيوسياسيًا، وهذه الفكرة لغة خطاب سياسي راقٍ وعالي المستوى ، وربما غير مسبوق على الأقل في الخطاب السياسي العربي ، حيث أن مصطلح "الانتباه" هنا يعني أن ما يختاره المجتمع الدولي ويركز اهتمامه عليه هو الذي يحدد مصير الأزمات والنزاعات الإنسانية ، فالانتباه لدى جلالة الملك أداة قوة ، وهو ليس مجرد مسالة إعلامية أو تعاطف عابر ، بل هو أداة جيوسياسية ومسؤولية تحدد أي القضايا تحظى بالدعم والحل ، وأيها يُدْفع بها إلى الهامش ، ويشكل هذا تحذيرًا من جلالته من أن العالم بات يتعامل مع الانتهاكات المستمرة والجرائم على أنها أمور مؤقتة أو أصبحت شبه مألوفة ، وهنا يُصْرَف الانتباه عن النظر إلى حقائقها ، ويُكرَّس الاحتلال والظلم .

وقد تضمن الخطاب في ثنايا عباراته دعوة إلى الانتقال من دائرة المعرفة إلى دائرة الفعل ، حيث أشار جلالته في الخطاب السامي إلى أن المشكلة لم تعد نقصًا في المعلومات ، فالجميع يعرف ما يحدث ، بل إن المشكلة تكمن في السؤال الجوهري الذي ختم به جلالة الملك خطابه التاريخي ، حيث قال بما معناه : إذا كان العالم يعرف فماذا سيفعل بما يعرف ؟ لتصبح المسؤولية متعلقة بالأثر العملي لا بتسجيل المواقف فقط ، وهذا بحد ذاته تجسيد لثبات المواقف الأردنية تجاه القضايا الدولية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ، وهذه المواقف الأردنية لا تتغير بتغير أولويات العواصم العالمية بمعنى التي تدعم إسرائيل ، ولا تتغير مهما بلغ التعتيم الإعلامي الذي يؤدي إلى تراجع الأضواء عن الأزمات بعامة ، وما تعيشه القضية الفلسطينية بخاصة من تراجع وتهميش في مجالات اهتمامات بعض العواصم الكبرى .

كما نقرأ في مضامين الخطاب أن جلالة الملك لم يتحدث عن الحرب على الأرض فقط ، بل أضاف معاني أعمق تذهب إلى أن الحرب تقوم على الأجندة الدولية ، حيث يتعلق الأمر هنا بهندسة الجماهير وحرب المعلومات وصناعة الإدراك ، مما يشير إلى أن السياسة الدولية في الوقت الحاضر قد تجاوزت في تنافسها مواضيع الأرض والموارد والقوى العسكرية ، بل أصبحت تتنافس على من يحدد هذه المواضيع التي ستطرح للنقاش او التصويت على موائد الأمم المتحدة ، ومن هي الدول التي لها تأثير في تحديد ما يجب أن يخشاه العالم ؟، ومن يقرر أي أزمة أو صراع يستحق الاهتمام أولًا ؟ ومن هي الجهات او الدول التي تستطيع إبقاء قضية ما حيّة وتضعها في مقدمة الأجندة الدولية ؟، ومن هي التي تؤثر بفاعلية في تهميش بعض القضايا الملحة؟.

وهنا يمكن لنا أن نقرا في الخطاب أن جلالة الملك نقل الخطاب من إدارة الأزمة إلى إدارة الانتباه الدولي تجاه الأزمة ، بمعنى من هي الدول التي تفتح القنوات أمام الانتباه الدولي تجاه الأزمات والقضايا الدولية العالقة ، وهذه نقلة استراتيجية نوعية في استراتيجيات الخطاب السياسي ، وهذا موضوع قد لا يدركه الكثيرون .

ومن أهم الرسائل السياسية التي تضمنها الخطاب السامي أن جلالته رفض القراءة التي تُجزِء محطات القضية الفلسطينية كرفضه للقراءة التي تتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا إنسانيًا منفصلًا مقارنة مع الضفة الغربية الذي يعتبرها البعض ملفًا أمنيًا أو سياسيًا آخر ، بل طرح جلالته في خطابه تصورًا مترابطًا رأى فيه أن غزة والضفة الغربية جزء من مسار سياسي واحد ، حيث نقرأ في رؤية جلالة الملك أن ما يحدث في غزة من تدمير وما يحدث في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة أراضٍ وتهجير قسري يؤدي إلى نتيجة سياسية واحدة قد تتلخص في تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية على التراب الوطني الفلسطيني بحيث تكون قابلة للحياة ، فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية خارجية ، بل يرى أن أي تغيير ديمغرافي او جغرافي جوهري في الضفة الغربية يمكن أن يتحول إلى مساس بالأمن الوطني الأردني بشكل مباشر أو غير مباشر ، وهنا نقرأ في موضوع ربط غزة بالضفة الغربية من منظور أردني أنها محاولة لمنع اختزال القضية الفلسطينية في أزمة إنسانية في غزة ، وإعادتها إلى إطارها السياسي الأصلي على اعتبار أنها قضية شعب وأرض ودولة وحقوق وحدود ومستقبل إقليمي بامتداد دولي.

وهنا يمكن القول بأن خطاب جلالة الملك قد انتقل بصيغة الخطاب من النقد السياسي إلى المساءلة الدولية ، وهذه نقطة قوة تحسب لجلالة الملك ، حيث لم يكتف جلالته بالقول الدبلوماسي بأن الوضع في الأراضي الفلسطينية "مقلق" على سبيل المثال ، بل إنه دعا إلى تسمية الأفعال الحقيقية بمسمياتها الحقيقية من خلال طرح توصيفات قانونية وسياسية مباشرة مثل التهجير القسري والضم الفعلي للأراضي.

على صعيد آخر فإن الأهم من ذلك سياسيًا هو السؤال الذي طرحه الخطاب السامي حول القانون الدولي ، والذي يشير إلى أنه إذا كان بالإمكان تجاهل القانون الدولي لعقود فما الذي تبقّى من قيمته ؟ ، وهذا يجعلنا نقرأ كيفية السلوك الإسرائيلي الذي لا يعبأ بالقانون الدولي ، ويجعلنا نؤكد على الانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي ، وهذا من وجهة نظر الكاتب ينقل الأردن من موقع الدولة العربية التي تطالب بحل القضية الفلسطينية إلى موقع الدولة التي تقول : إن قضية فلسطين أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي ذاته .

وعلى الرغم من غنى الخطاب بالأفكار التي تستحق التحليل والمناقشة ، فإن الخطاب تضمن رسالة استراتيجية خطيرة بالنسبة للأمن الوطني الأردني والتي تتعلق بسوريا والمياه والحدود والتي نأمل أن تأخذ حقها من الاهتمام الإعلامي ، حيث جاء في الخطاب أن : أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا الوطني الأردني ، وهذه عبارة جديرة بأن تُقْرأ بعناية ، فهي ليست عبارة دبلوماسية نمر عليها مرور الكرام ، بل يجب أن تُفهم على أنها تعريفُا علنيًا لخطوط المصالح الحيوية الأردنية ، حيث وضع جلالته ثلاثة أركان في معادلة واحدة هي الحدود الشمالية والأمن المائي والأمن الوطني ، الأمر الذي يملي علينا أن نقرأ مدى تركيز الخطاب على بُعْد أعمق ، حيث رسم إطارًا واضحًا للأمن الوطني الاستراتيجي الأردني في المراحل المقبلة .

ومع أن الخطاب قد تضمن بعض الرسائل الدبلوماسية المرنة مثل : أن الأردن مستعد للحوار ، ومستعد للعمل مع كل من يسعى للسلام ، لكن جلالته أكد على أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي لأحد اعتباره ضعفًا ، مما يعني أن الأردن قوي بأهله وشعبه وبمواطنيه وبقواته المسلحة وأجهزته الأمنية وبقيادته الهاشمية ، مما يشير إلى أن الانفتاح السياسي والدبلوماسية المرنة لا تعني إطلاقًا التنازل عن أيٍ من المصالح الوطنية العليا للدولة الأردنية ، فالأردن من وجهة نظر تحليلية يرغب بأن يُقْرأ باعتباره دولة ذات دبلوماسية مرنة ومتزنة ، لكن ليس بدون خطوط حمراء تسيج أمنها الوطني .

كما أشار الخطاب إلى أن الوصاية الهاشمية لا يمكن أن تُقرأ على أساس أنها ملف ديني فقط ، إنما قدّمها الخطاب على أساس أنها حامية للتعدد الديني في القدس وفي المنطقة بأسرها ، وقد جاءت امتدادًا لدور هاشمي تاريخي ، فهي ليست مجرد وظيفة دينية سياسية مستحدثة، لكنها قيمة دينية وسياسية ، مما يعني أن تعريج الخطاب على الوصاية الهاشمية على المقدسات ليست مجرد مسالة دينية منفصلة ، بل هي عنصر مهم من المكانة الاستراتيجية الأردنية في النظام الإقليمي والدولي ، حيث أشار الخطاب إلى أن الصراع ليس صراعًا بين الإسلام واليهودية والمسيحية ، إنما هو صراع يتعلق بالحقوق الفلسطينية ، وهذا الطرح الملكي يمنع تحويل القضية الفلسطينية إلى صراع ديني ، مثلما يعطي الخطاب السياسي الأردني قدرة أكبر على مخاطبة الجمهور الدولي بأكمله في الشرق وفي الغرب وفي الجنوب وفي الشمال، وهذا يؤكد على حصول تطور كبير في الإعلام والاتصال الاستراتيجي الأردني ، فالرسائل الملكية في الخطاب مصممة بحيث تكون قابلة للتلقي والإقناع في كل دول العالم وبخاصة في أمريكا وأوروبا وفي كل المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة ، وكذلك المؤسسات الدولية ذات الصلة بالرأي العام الدولي ، مما يجعل الخطاب السامي أقرب إلى دبلوماسية الجمهور العالمي منه إلى خطاب سياسي إقليمي تقليدي .

وكان من أهم ما تميز به الخطاب هو الانتقال من المطالبة بالتحرك السياسي الدولي بل تعدى إلى المطالبة بإيجاد آليات وأدوات مثل فرض العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي ، حيث طرح الخطاب سؤالًا فحواه : إذا كانت هذه الأدوات موجودة واستخدمت في حالات وقضايا دولية أخرى ، فلماذا تبقى القرارات المتعلقة بإسرائيل حبرًا على ورق؟ ، وهنا نرى أن الخطاب انتقل من مرحلة الاكتفاء بوصف المشكلة إلى تحميل المسؤولية والمطالبة بفعل مؤثر من خلال طرح أدوات سياسية فاعلة للتنفيذ .

وفي الختام يمكن القول بأن الخطاب الملكي قدّم الأردن كدولة منفتحة على العالم ثابتة المبادئ.. راسية الأركان ، ولها علاقات دولية مرتبطة بكل الساحات السياسية الدولية بعامة والساحات العربية بخاصة ، وأكثر من ذلك التزامها بقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية ، بمعنى أن الأردن كما لخص وضعه جلالة الملك بأنه بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه ، فجاء الخطاب الملكي السامي إشارة قوية تشكل تعزيزًا للقيمة الاستراتيجية الأردنية على المستويين الإقليمي والدولي وفي نظر العالم أجمع.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/24 الساعة 01:09