الأردن يتحدث بثقة ويحمي مصالحه

أحمد الرفاعي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 22:08
في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضع الموقف الأردني في إطاره السياسي الواضح: الأردن ليس دولة هامشية تنتظر ما ستؤول إليه أزمات المنطقة، ولا دولة تبحث عن موقع لها بين صراعات الآخرين، بل دولة تدرك طبيعة موقعها الجغرافي والسياسي، وتعرف أن حماية مصالحها الوطنية جزء أساسي من مسؤوليتها.

هنا تكمن أهمية الخطاب السياسية. فالأردن يؤكد تمسكه بالسلام والدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يبعث برسالة واضحة بأن السلام لا يعني التنازل عن المصالح الوطنية، وأن الدبلوماسية ليست بديلا عن حماية الأمن والسيادة. فالدولة التي تختار الحوار لا تتخلى بذلك عن حقها في حماية حدودها ومياهها واستقرارها.

والأردن، بحكم موقعه، يعرف أن أزمات المنطقة لا تبقى داخل حدود الدول التي تنشأ فيها بل تتمدّد، وما يحدث في فلسطين أو سوريا، وما يترتب على الصراع الإقليمي من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، يمكن أن يصل أثره إلى الأردن مباشرة. ولذلك فإن الحديث عن أمن الأردن هو جزء من رؤية الدولة لمصالحها الوطنية وغير قابل للتغيير مهما تغيرت الظروف.

وشدد جلالة الملك بأن تمسك الأردن بالقضية الفلسطينية وحماية المقدسات لا يأتي على حساب مصالحه الوطنية، كما أن دفاعه عن مصالحه لا يعني التخلي عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته على اراضيه.

جاء الخطاب بمعادلة واضحة بلا مجاهيل تفسر طبيعة الموقف الأردني: دعم السلام، والتمسك بالحقوق الفلسطينية بإقامة دولتهم، والحفاظ على المقدسات، وفي الوقت نفسه حماية الدولة الأردنية من تداعيات الصراعات المحيطة بها.

ومن هنا يمكن قراءة الخطاب باعتباره تأكيدا على أن الأردن يريد أن يكون فاعلا في محيطه، لا مجرد دولة تتلقى نتائج ما يحدث حولها. فالدبلوماسية الأردنية ليست هدفا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية المصالح الوطنية.

وفي ملف المياه والحدود والأمن الوطني، تبدو الرسالة أكثر وضوحا: هناك مصالح لا يمكن التعامل معها بمنطق التسويات المفتوحة، ولا يمكن أن تصبح موضع مساومة عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة وحقوقها الأساسية.

وفي المحصلة، فإن صورة الأردن التي حملها الخطاب هي صورة دولة تدرك صعوبة المرحلة، لكنها لا تتعامل معها بمنطق الخوف أو الانتظار. دولة تتمسك بثوابتها، وتفتح أبواب الحوار، وتستخدم أدوات الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تعرف حدود هذه الأدوات عندما يتعلق الأمر بأمنها وسيادتها ومصالح شعبها.

الأردن يريد السلام، لكنه لن يدفع ثمنه من أمنه؛ ويمارس الدبلوماسية، لكنه يعرف حدودها؛ ويتمسك بالقضية الفلسطينية، لكنه يدرك أن حماية الأردن ومصالحه الوطنية ليست قضية قابلة للتأجيل.

وهذه، في تقديري، هي الرسالة السياسية الأبرز في الخطاب: أن الأردن يريد أن يصنع موقعه في الإقليم، لا أن يترك الآخرين يصنعون هذا الموقع نيابة عنه؛ وأن بناء المستقبل لا يتناقض مع الدفاع عن الحاضر، بل إن حماية الدولة ومصالحها هي الأساس الذي يمكن من خلاله مواصلة بناء اقتصادها وتعزيز قدراتها والنظر إلى المستقبل بثقة.

إنها رسالة دولة تتحدث بثقة، تحافظ على ثوابتها، تدافع عن مصالحها، وتتعامل مع تعقيدات الإقليم باعتبارها واقعا يجب التأثير فيه، لا قدرا يجب الاستسلام له.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 22:08