مرافعة عمّان في نيويورك: القانون الدولي أمام اختبار المصداقية

د. يوسف فايز الدلابيح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 14:50
في الجلسة الافتتاحية للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم جلالة الملك عبدالله الثاني خطابًا تناول عددًا من القضايا الدولية والإقليمية، ووضع في مقدمتها سؤالًا يتعلق بقدرة النظام الدولي على الحفاظ على القواعد والمبادئ التي يستند إليها، وفي مقدمتها احترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان وتعزيز السلام والاستقرار.

وتبرز أهمية الخطاب من زاوية قانونية وتاريخية في أنه لم يتناول الأزمات الراهنة باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما ربط بينها وبين مسألة أوسع تتعلق بفاعلية القواعد الدولية وقدرة المجتمع الدولي على التعامل معها بصورة متسقة.

ومن أبرز الأفكار التي توقف عندها الخطاب مسألة الانتباه الدولي للأزمات. فقد أشار جلالة الملك إلى أن العالم يعيش في عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة متسارعة، وأن تعدد الأزمات قد يؤدي إلى انتقال الاهتمام من قضية إلى أخرى خلال فترات قصيرة.

ومن منظور التاريخ السياسي، فإن استمرار الاهتمام الدولي بالقضايا والأزمات كان دائمًا عنصرًا مهمًا في تحريك النقاش الدبلوماسي وتشكيل المواقف الدولية. ولذلك فإن إبقاء القضايا الإنسانية حاضرة في الوعي الدولي يمثل عاملًا مهمًا في عدم تحول الأزمات الممتدة إلى مشاهد مألوفة تفقد قدرتها على استدعاء الاهتمام.

وفي هذا السياق، احتلت القضية الفلسطينية مساحة بارزة في الخطاب، حيث أعاد جلالة الملك التأكيد على ضرورة الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم، وعلى أهمية حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة.

ومن الناحية القانونية، ترتبط القضية الفلسطينية بعدد من المبادئ الأساسية في منظومة القانون الدولي، ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحماية المدنيين، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. ولذلك فإن استمرار غياب التسوية السياسية يظل موضوعًا حاضرًا في النقاش الدولي من جوانب سياسية وقانونية وإنسانية متعددة.

كما تناول الخطاب التطورات الإنسانية والأمنية في غزة، والتطورات في الضفة الغربية، وما يرتبط بها من قضايا التهجير والاستيطان ومصادرة الأراضي. وتكتسب هذه القضايا أهميتها القانونية من خضوع الأراضي المحتلة وقضايا السكان المدنيين لمجموعة من القواعد والمبادئ التي أرساها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وهنا تبرز أهمية أن تبقى المعالجة الدولية لهذه القضايا قائمة على القواعد القانونية والآليات الدولية المختصة، بما يسمح بالنظر في الوقائع وتحديد المسؤوليات وفق المعايير القانونية المعتمدة، بعيدًا عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.

وفي جانب آخر، انتقل الخطاب إلى القضايا المرتبطة بالأردن وأمنه الوطني، مع التأكيد على أهمية حماية الحدود والمياه والمصالح الحيوية للدولة. وهذا الطرح يعكس طبيعة الترابط بين الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي، خصوصًا بالنسبة لدولة تقع في منطقة تتأثر بصورة مباشرة بتداعيات الأزمات المحيطة بها.

كما أن الأمن المائي يمثل قضية ذات أبعاد وطنية وتنموية وإنسانية، الأمر الذي يجعل التعامل معه مرتبطًا بالتخطيط الوطني والتعاون الإقليمي واحترام القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول.

ومن اللافت أيضًا أن الخطاب قدم الدبلوماسية الأردنية في إطار يجمع بين التعامل مع الأزمات الراهنة والاستعداد للمستقبل، من خلال التأكيد على دور الأردن في التجارة والصناعة والتكنولوجيا، ومواجهة الإرهاب، ودعم الاستقرار الإقليمي، والاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم الأونروا، إلى جانب التأكيد على أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وتكشف هذه الرؤية عن مفهوم للدبلوماسية لا يقتصر على إدارة الأزمات، وإنما يسعى إلى الجمع بين الاستجابة للتحديات القائمة وبناء مسارات طويلة الأمد للتعاون والاستقرار والتنمية.

ومن منظور القانون الدولي، فإن أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمع الدولي اليوم يتمثل في المحافظة على الثقة بالقواعد والمؤسسات الدولية. فوجود القاعدة القانونية وحده لا يكفي، وإنما تزداد فاعليتها عندما تقترن باحترام الدول لها، وبوجود آليات دولية قادرة على التعامل مع النزاعات والانتهاكات وفق الأطر القانونية المعتمدة.

ولهذا فإن السؤال الذي يبرز من خطاب عمّان في نيويورك يتجاوز حدود أزمة بعينها، ليصل إلى مسألة أوسع: كيف يمكن تعزيز الثقة بالنظام الدولي في عالم تتعدد فيه الأزمات وتتغير فيه أولويات الاهتمام بسرعة؟

إن الإجابة لا تبدو مرتبطة بالقانون وحده، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات الدولية على المحافظة على اتساقها، وبقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع القضايا المختلفة وفق مبادئ واضحة ومعايير واحدة.

وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها في الخطاب الملكي تتمثل في أهمية الحفاظ على القانون الدولي باعتباره إطارًا مشتركًا لتنظيم العلاقات الدولية، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، ودعم الحلول السياسية للأزمات، وعدم السماح لتحول الأزمات الممتدة إلى واقع مألوف يفقد المجتمع الدولي حساسيته تجاه آثارها الإنسانية.

ومن هنا تبرز أهمية المرافعة الأردنية في نيويورك: التأكيد على أن استقرار النظام الدولي لا يقوم على القوة وحدها، وإنما على القانون والثقة والتعاون، وأن حماية الإنسان واحترام حقوقه ينبغي أن تظل من المبادئ الأساسية التي توجه التعامل مع أزمات العالم، أيًا كان مكانها أو زمنها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 14:50