'لن يشيح الأردن بنظره'.. حين يصبح الأمر الواقع أخطر من الحرب

فهد الحسبان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 08:56
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطابًا جديدًا في الموقف الأردني من فلسطين، لكنه كان أكثر وضوحًا في تحديد المشكلة التي يرى الأردن أن النظام الدولي يواجهها اليوم. فالملك لم يتحدث فقط عن الحرب في غزة، ولا عن الاحتلال والاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، بل وضع أمام المجتمع الدولي سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما تتحول الإجراءات التي يفترض أن تكون مؤقتة إلى وقائع دائمة، ثم تتحول الوقائع الدائمة إلى أمر طبيعي تتعامل معه الدول باعتباره جزءًا من المشهد؟

هذه هي الفكرة المركزية التي أعتقد أن الخطاب يستحق أن يُقرأ من خلالها. فالمسألة، في جوهرها، ليست فقط ما يحدث اليوم في غزة أو الضفة أو جنوب سوريا، وإنما قدرة أي دولة على صناعة واقع جديد على الأرض ثم اختبار قدرة المجتمع الدولي على منعه من التحول إلى واقع نهائي. ولذلك جاءت رسالة الملك حول تحول المؤقت إلى دائم، والدائم إلى نهج، لتختصر واحدة من أخطر أزمات النظام الدولي اليوم: أن الخطر لا يبدأ فقط عندما تقع المخالفة، وإنما عندما يتكرر وقوعها إلى الحد الذي يفقد معه العالم حساسيته تجاهها.

في غزة، تحدث الملك عن التدمير والتهجير وتقييد الفلسطينيين في مساحة ضيقة من القطاع، وربط ذلك بمحاولة محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد. وفي الضفة الغربية انتقل الخطاب إلى مستوى آخر من صناعة الواقع: مصادرة الأراضي، توسيع المستوطنات، عنف المستوطنين، وإخراج الفلسطينيين من أراضيهم. ثم جمع المسارين في قراءة واحدة: غزة والضفة ليستا قصتين منفصلتين، بل مساران مختلفان لإنتاج نتيجة واحدة، وهي جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.

لكن الجزء الذي أراه الأكثر أهمية في الخطاب هو انتقاله من توصيف المشكلة إلى سؤال أدوات النظام الدولي. فالملك لم يكتفِ بالمطالبة بالإدانة، وإنما ذكّر بأن المجتمع الدولي يمتلك أدوات ضغط حقيقية: العقوبات، وتجميد الأصول، والحظر، والعزلة الدبلوماسية، ثم طرح السؤال الأصعب: لماذا تنتهي القرارات عندما يتعلق الأمر بإسرائيل عند حدود الورق؟

هنا ينتقل الخطاب من قضية فلسطين وحدها إلى سؤال أكبر يتعلق بمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كانت القواعد الدولية موجودة، لكن انتهاكها لا ينتج عنه ثمن سياسي أو اقتصادي أو دبلوماسي، فإن المشكلة لا تعود في غياب القانون، بل في غياب القدرة على إنفاذه. القانون الذي لا يترتب على خرقه شيء يتحول تدريجيًا من أداة ردع إلى سجل لتوثيق المخالفات.

ومن هنا يمكن فهم الجزء المتعلق بسوريا بصورة مختلفة أيضًا. الملك لم يتحدث عن الجنوب السوري باعتباره ملفًا منفصلًا عن الأمن الأردني، بل وضعه ضمن فكرة أوسع هي اختبار الحدود التي يمكن أن يصل إليها فرض الوقائع على الأرض. تحدث عن توغلات متكررة، وعن توسع في السيطرة على الأرض، وعن وقائع جديدة تمس موارد مائية حيوية، ثم قال بوضوح إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن الوطني الأردني.

وهنا تحديدًا تصبح عبارة «لن يشيح الأردن بنظره» أكثر أهمية من كونها عبارة في خطاب سياسي. الأردن يقول، عمليًا، إنه لا يريد تغيير خريطة المنطقة، لكنه أيضًا لا يقبل أن تتغير الخريطة من حوله ثم يُطلب منه أن يعيش بنتائج هذا التغيير. فالدولة التي تقع في منطقة شديدة الاضطراب لا تستطيع أن تتعامل مع حدودها ومياهها وأمنها الإقليمي باعتبارها ملفات منفصلة عن التحولات الجارية حولها.

وهذا لا يعني أن الأردن يبحث عن مواجهة، ولا يعني إعلان سياسة تدخل خارج الحدود. المعنى السياسي الأعمق هو أن الأردن لن ينتظر حتى يصبح التغيير المحيط به حقيقة مكتملة ثم يبدأ في التعامل معه. الأمن الوطني في مثل هذه البيئة يبدأ من قراءة الاتجاهات قبل وصول نتائجها إلى الحدود.

ولذلك فإن الخطاب الملكي يضع المجتمع الدولي أمام سؤال شديد الوضوح: هل يستطيع أن يمنع الأمر الواقع من الانتصار على القانون؟ لأن القضية في النهاية ليست فقط ما إذا كان العالم سيصدر بيانًا جديدًا أو قرارًا جديدًا، وإنما ما إذا كانت القواعد التي يتحدث عنها المجتمع الدولي قادرة على إنتاج سلوك مختلف على الأرض.

إذا كان الاحتلال والضم والتهجير والاستيطان يستطيع الاستمرار سنوات طويلة دون تكلفة سياسية حقيقية، فإن الرسالة التي تصل إلى الأطراف الأخرى ليست رسالة قانون، وإنما رسالة قوة. ومن هنا يصبح الخطر أكبر من قضية محددة؛ لأن السماح بتحويل القوة إلى جغرافيا دائمة يخلق سابقة يمكن أن تؤثر في شكل النظام الإقليمي كله.

ولهذا لم يكن خطاب الملك، في جوهره، خطاب مواجهة مع إسرائيل بقدر ما كان تحديًا للنظام الدولي نفسه. الأردن يقول إنه متمسك بالدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن تتحول الدبلوماسية إلى غطاء للتأجيل المستمر. وهو يقول إنه مستعد للحوار مع الجميع، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن الالتزام بالدبلوماسية لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية أو القبول بتحويل الوقائع المفروضة بالقوة إلى حقائق سياسية.

وهنا تكمن خصوصية الموقف الأردني. الأردن ليس دولة تبحث عن إعادة رسم المنطقة، لكنه أيضًا ليس دولة تستطيع أن تتعامل مع إعادة رسم المنطقة وكأنها شأن يخص الآخرين فقط. موقع الأردن، وحدوده، ومياهه، وتركيبته السكانية، ودوره في القضية الفلسطينية، كلها تجعل ما يجري حوله جزءًا من أمنه الوطني بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لذلك ربما تكون الرسالة الأبعد في خطاب الملك أن المعركة ليست فقط حول ما سيحدث اليوم، وإنما حول ما سيصبح طبيعيًا غدًا. ما الذي سيبقى من القانون الدولي إذا اعتاد العالم على انتهاكه؟ وما الذي سيبقى من فكرة الدولة الفلسطينية إذا أصبحت الجغرافيا على الأرض مختلفة جذريًا؟ وما الذي سيبقى من أمن الأردن إذا تحولت الوقائع المتغيرة حول حدوده إلى حقائق دائمة؟

الأردن، في هذا الخطاب، لا يطلب من العالم أن ينظر إلى المنطقة بعين أردنية، وإنما يطلب منه أن يدرك أن تجاهل الوقائع لا يلغي نتائجها. الخرائط لا تنتظر البيانات السياسية، والحدود لا تتأثر بما إذا كان المجتمع الدولي قد التفت إلى الخطر أم لا.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله العالم ليس أن يختلف حول تفسير ما يحدث، بل أن يعتاد عليه. لأن اللحظة التي يصبح فيها الأمر الواقع طبيعيًا، هي اللحظة التي يصبح فيها تغييره أصعب بكثير من منعه في بدايته.

ومن هنا جاءت عبارة الملك: «لن يشيح الأردن بنظره». ليست إعلانًا عن مواجهة، وإنما إعلانًا عن يقظة دولة تعرف أن حماية أمنها تبدأ أحيانًا قبل أن يصل الخطر إلى حدودها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 08:56