أزمتا الانتباه والفعل الدوليين.. تراكمات تنفجر تباعا

مكرم الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 00:12
في مقارنة سريعة بين خطابات جلالة الملك السابقة في الأمم المتحدة، وبين خطابه أمس، يظهر بوضوح ارتفاع سقف اللغة السياسية، والانتقال من التحذير من النتائج إلى وصف ما يراه الأردن وقائع قائمة بالفعل، وربطها بصورة مباشرة بالأمن الوطني الأردني.



عمد الملك إلى صياغة خطابه في إطار فكري يمكن تسميته "أزمة الانتباه الدولي"، لشرح مشكلة النظام الدولي الذي ينتبه للأزمة عندما تنفجر، ثم ينتقل لأزمة أخرى، بينما تبقى أسباب الأولى بدون معالجة. وينتقل الخطاب من توصيف أزمة الانتباه إلى المشكلة الثانية التي حددها بنقص الفعل.

الملك يقول، بصورة واضحة، إن العالم يعرف الكثير من الأزمات، وقد شاهد مقدماتها وتطوراتها، لكنه لم يتحرك بشكل فاعل ليمنع تحولها إلى وقائع أكثر خطورة.

القضية الفلسطينية المثال الأكثر وضوحا على هذه المعضلة، فمنذ سنوات طويلة لم تخلُ خطابات الأردن أمام الأمم المتحدة من التحذير من نتائج غياب الحل السياسي، كما حذر الملك مرارا من توسع الاستيطان، واستمرار الاحتلال، وتراجع فرص حل الدولتين. لقد انطلقت التحذيرات من قراءة مسارات كانت تتشكل وتتطور تدريجيا أمام أنظار المجتمع الدولي.

اليوم، فإن مساحة التحذير مما يمكن أن يحدث تضيق، في الوقت الذي تتسع مساحة الحديث عمّا حدث فعلا وما يحدث الآن، فقد أصبح الحديث يدور عن كيفية التعامل مع واقع تغيّر كثيرا، ووقائع تراكمت خلال سنوات من إدارة الصراع بدلا من حل جذوره.

في غزة، طرح الخطابُ سؤال الحماية والمساءلة وفاعلية القانون الدولي، وفي الضفة لفت إلى تراكم الوقائع على الأرض، واتساع الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير والاستيلاء على الأراضي. وفي الحالتين، فإن القضية الأساسية هي قدرة المجتمع الدولي على منع تحول الأمر الواقع إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقا.

ربما هذا المسار من الوقائع هو ما يطرح التساؤل عن قيمة القانون الدولي حين يتم تطبيقه على حالة وتعطيله في أخرى، فتخسر المؤسسات الدولية من قوتها وفاعليتها في كل مرة تنكسر فيها قراراتها ومبادئها، وبالتالي يتم المس بفكرة النظام الدولي التي قامت عليها الأمم المتحدة نفسها، في أن الدول، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، تعتمد في حماية أمنها وسيادتها على وجود قواعد دولية يتوقع أن تنطبق على الجميع.

في حديثه عن سورية، يربط الملك ما يحدث في الجنوب السوري بالأمن المائي الأردني، وعن تطورات يمكن أن تمسّ المصالح الوطنية بصورة مباشرة، فأيّ اضطراب طويل فيه يمكن أن تكون له انعكاسات على الحدود والتهريب والتجارة والمياه والاستقرار الأمني. ولذلك فإنّ إدخال مفهوم الأمن المائي ضمن الحديث عن الأمن القومي يعطي الرسالة وزنا إضافيا، خصوصا بالنسبة إلى دولة تعاني أصلا واحدا من أعلى مستويات الشح المائي في العالم.

ارتفاع سقف لغة الملك تجاه السياسات الإسرائيلية يوسع زاوية النظر إلى آثارها على استقرار المنطقة بأكملها، وإلى شكل الإقليم الذي يمكن أن تنتجه سياسة فرض الوقائع بالقوة. لكن الخطاب حافظ على مساحة واضحة للدبلوماسية والحوار، وهي معادلة أردنية مستمرة تحددت بالدفاع عن الحلول السياسية والعمل مع الشركاء الدوليين، بالتوازي مع تحديد المصالح الوطنية التي لا يمكن التعامل معها بوصفها قضايا ثانوية.

الأزمات لا تختفي عندما لا نراها على الشاشات، وما لا نلجأ إلى حلّه اليوم يعود غدا بصورة أكثر تعقيدا وكلفة. لذلك فإن الملك يحذر من اللحظة التي يتحول فيها الصمت الدولي من عجز عن الحل إلى جزء من المشكلة نفسها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/23 الساعة 00:12