الملك يضع العالم أمام مرآته

رشدي القرالة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 22:15
من اللحظة الأولى اختار جلالة الملك عبدالله الثاني أن يضع العالم أمام مرآته لا أمام خصمه، بدأ بمساءلة الضمير الجماعي نفسه "المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضا"، جملة واحدة، لكنها تختصر أزمة عصر بأكمله، عصر أصبح فيه الانتباه، لا الحقيقة، هو ما يقرر أي معاناة تستحق أن تُرى وأي معاناة يُسمح لها أن تذوب، هذه المقدمة وحدها كافية لتكشف عمق ما جاء بعدها.

من هنا يمكن قراءة خطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث نقل جلالته النقاش من مستوى توصيف الأزمة إلى مستوى مساءلة الطريقة التي يتعامل بها العالم معها، وهذا فرق كبير بين خطاب يعلّق على الأحداث وخطاب يضع السياسة الدولية نفسها تحت المجهر.

فجلالة الملك تحدث من موقع دولة تعرف أن نتائج الفوضى لا تتوقف عند حدودها، فالأردن يعيش في قلب منطقة تتحرك فيها الحروب والحدود والمصالح والممرات التجارية والطاقة والمياه في مساحة واحدة، ولذلك فإن ما يحدث في فلسطين وسوريا ليس ملفاً خارجياً منفصلاً عن الأمن الأردني، كما أن انهيار الاستقرار الإقليمي ليس خبراً سياسياً يمكن متابعته ثم تجاوزه.

وضع الخطاب النقاط على الحروف حيث اصطدم بالمشكلة التي أصبحت تحكم النظام الدولي منذ سنوات وقد تأتي في عدة اسئلة... هل القانون الدولي قاعدة واحدة أم مجموعة قواعد تتغير وفق وزن الدولة وموقعها السياسي؟ وهل تصبح العقوبات أداة مبدئية حين يتعلق الأمر بدولة، ثم تتحول إلى خيار سياسي قابل للتأجيل حين يتعلق الأمر بدولة أخرى؟ هذه ليست أسئلة أردنية وحدها، إنها أسئلة تمس مصداقية النظام الدولي كله لأن القانون يفقد جزءاً من قوته حين تصبح تطبيقاته انتقائية والسياسة تفقد معناها حين يصبح مقياسها القدرة على فرض الأمر الواقع لا القدرة على حماية القواعد.

وهنا تحديداً تكمن جرأة الخطاب السياسي، في تسمية التناقض الذي تفضّل الدبلوماسية التقليدية غالباً أن تدور حوله من دون الاقتراب منه، فالمجتمع الدولي يستطيع أن يتحدث طويلاً عن حل الدولتين وعن حماية المدنيين وعن القانون الدولي وعن ضرورة السلام، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الكلمات إلى كلفة سياسية على من يخرقها، عندها فقط نعرف إن كانت المبادئ قواعد حاكمة أم عبارات مناسبة للبيانات.

ولهذا فإن أخطر ما كشفه خطاب جلالته ليس حجم المأساة في غزة ولا خطورة ما يجري في الضفة الغربية ولا تداعيات ما يحدث في سوريا، فكل ذلك معروف للعالم، الأخطر هو أن استمرار هذه الوقائع سنوات طويلة يمكن أن يصنع اعتياداً سياسياً عليها وما كان مرفوضاً بالأمس يصبح قابلاً للنقاش اليومزوما كان مؤقتاً يصبح واقعاً وما كان واقعاً يصبح سياسة، ثم يأتي جيل جديد ليتعامل معه وكأنه الحقيقة الأصلية.

هذه النقطة بالذات تجعل قضية فلسطين في الخطاب أبعد من كونها ملفاً إنسانياً، القضية هي ما إذا كان المجتمع الدولي سيترك القوة تعيد رسم الجغرافيا والسياسة، ثم يطلب من العالم التعامل مع النتائج باعتبارها أمراً واقعاً، فإذا كان احتلال الأرض وتهجير السكان وفرض الوقائع قادراً على إنتاج مستقبل جديد، فإن السؤال لم يعد فقط عن مصير الفلسطينيين، وإنما عن معنى القانون الدولي ذاته وعن قدرة المؤسسات التي أنشأها العالم بعد الحرب على منع القوة من أن تصبح بديلاً عن القانون.

واللافت أيضاً أن خطاب جلالته أعاد تعريف الدبلوماسية نفسها، "الدبلوماسية ليست أن تقول لكل الأطراف ما يرضيها وليست أن تؤجل الخلافات إلى ما لا نهاية حفاظاً على صورة التوازن.. الدبلوماسية الحقيقية هي أن تمتلك الدولة القدرة على الحوار من دون أن تتنازل عن مصالحها وأن تفتح الأبواب من دون أن تترك الآخرين يحددون لها أين تقف"، ومن هذه الزاوية يأتي الموقف الأردني من الأمن والحدود والمياه والاستقرار الإقليمي باعتباره امتداداً للسياسة الخارجية، لا تفصيلاً منفصلاً عنها.

ولعل أهم ما يمكن أن يقال عن الخطاب أنه أعاد السياسة إلى سؤالها الأصلي "من المسؤول عن تحويل المعرفة إلى قرار؟ فالعالم يعرف والأمم المتحدة تتحدث والدول تصدر البيانات والمؤسسات توثق والصور تصل إلى كل بيت في العالم خلال ثوانٍ، ومع ذلك تبقى هناك فجوة بين الرؤية والفعل، وكلما اتسعت هذه الفجوة، تراجعت هيبة السياسة وازداد اعتماد العالم على منطق القوة.

لهذا لا يجب قراءة الخطاب بوصفه خطاباً أردنياً في أزمة إقليمية، إنه خطاب يختبر قدرة السياسة الدولية على البقاء سياسةً، لا مجرد إدارة للأزمات، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين عالم يشتري الوقت وعالم يصنع السلام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 22:15