الملك: حين يصبح الانتباه سلاحاً جيوسياسياً

وليد الهباهبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 19:05
ليست المشكلة دائماً في أن العالم لا يرى المأساة، بل في أن يراها طويلاً حتى يعتادها.

من هذه الفكرة يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تجاوز عرض الحرب في غزة وما يجري في الضفة الغربية إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح الانتباه نفسه مورداً جيوسياسياً تتنافس عليه الأزمات؟

في عالم تتدفق فيه الأخبار وتتزاحم الحروب والكوارث على اهتمام الجمهور وصناع القرار، فإن القضية التي تفقد حضورها السياسي والإعلامي تفقد تدريجياً قدرتها على توليد الضغط الدولي. لذلك، فإن الانتباه، في رؤية جلالة الملك، ليس مجرد مسألة إعلامية، بل أداة من أدوات القوة السياسية.

وانطلاقاً من ذلك، ربط جلالته بين ما يجري في غزة والضفة الغربية، رافضاً التعامل معهما كملفين منفصلين. فالتدمير والقتل في غزة، والاستيطان والضم والتهجير في الضفة، تتحرك ضمن مسار واحد يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهنا ينتقل الخطاب الملكي من وصف الوقائع إلى مساءلة المجتمع الدولي: إذا استمر التعامل مع كل تطور باعتباره أزمة منفصلة، فقد يتحول الواقع المفروض على الأرض إلى أمر دائم.

ويطرح جلالته السؤال ذاته بشأن أدوات النظام الدولي. فالعقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي أدوات سبق استخدامها في أزمات أخرى؛ فلماذا تبدو محدودة الفاعلية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ بذلك يصبح الاختبار متعلقاً ليس بوجود القانون الدولي، وإنما باتساق تطبيقه.

أما البعد الأكثر ارتباطاً بالأردن، فيتمثل في ربط التطورات الإقليمية بالأمن الوطني، من جنوب سوريا والحدود الشمالية إلى الأمن المائي. فالرسالة أن هذه الملفات ليست شؤوناً إقليمية بعيدة، بل تمس المصالح الأردنية مباشرة. وفي الوقت نفسه، أبقى جلالة الملك باب الدبلوماسية والحوار مفتوحاً، من دون تحويل الصراع إلى مواجهة دينية أو تقديم التصعيد العسكري كخيار أول.

وتنبع قوة خطاب جلالة الملك من جمعه بين المأساة الإنسانية والمصلحة الوطنية والنظام الدولي، ومن استخدام لغة تضع «المؤقت» في مواجهة «الدائم»، و«الأمن» في مواجهة «السلام»، و«الدبلوماسية» في مواجهة «الضعف».

لكن الخطاب الملكي، مهما بلغت قوته، لا يغير وحده موازين القوى ولا يفرض تحركاً دولياً. ولكن تكمن أهميته في تثبيت الموقف الأردني، وتحديد مصالحه، ورفع كلفة التجاهل السياسي.

في النهاية، يعود جلالة الملك إلى الفكرة المركزية: في عالم يتنافس على الانتباه، فإن ما نختار أن نراه وما نختار أن نتجاهله له تبعات سياسية.

فالخطر ليس فقط في ألا يرى العالم المأساة، بل في أن يراها حتى يعتادها. والانتباه، في زمن الأزمات المتلاحقة، ليس مجرد حالة إعلامية؛ بل جزء من معادلة القوة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 19:05