عودة هادئة للورق.. كيف يقاوم الكتاب المطبوع طغيان الشاشات الرقمية؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 14:53
مدار الساعة -ساد انطباعٌ عام لعقود بأن الهواتف الذكية ستكتب الفصل الأخير في تاريخ الكتاب الورقي؛ إذ بدا مفروغاً منه أن الأجيال التي نشأت وفي أيديها الشاشات لن تلتفت إلى صفحاتٍ تفتقر لخاصية التمرير، والإشعارات المتلاحقة، والروابط الفائقة. لكن المشهد الثقافي الحالي يعكس مساراً مغايراً.

فعلى الرغم من المنافسة الشرسة من التقنيات الرقمية، يستمر الكتاب المطبوع في الحفاظ على مكانته. وتكشف ملامح عودة هادئة عبر توسع نوادي القراءة، وانتعاش المكتبات المستقلة، واستمرار معارض الكتب الكبرى، إلى جانب مبادرات تعيد تقديم القراءة بوصفها تجربة حسية وثقافية لا مجرد أداة لاستهلاك المعلومات.

النموذج الإماراتي: القراءة كاستثمار مجتمعي

في الإمارات العربية المتحدة، تتخذ هذه العودة طابعاً مؤسسياً منظماً؛ حيث تحولت القراءة إلى مشروع مجتمعي طويل الأجل عبر تنظيم المعارض الدولية، وإنشاء المكتبات الحديثة، إضاف إلى إطلاق مبادرات موجهة للأطفال والشباب، وفي مقدمتها «تحدي القراءة العربي». ويسعى هذا الرهان الاستراتيجي إلى بناء قارئ جديد يتقن التعامل مع التكنولوجيا دون أن يفقد صلته بالمنتج الورقي.

ويبقى السؤال المحوري: هل يشهد العالم عودة حقيقية للشباب نحو الورق، أم أن الكتاب المطبوع يعيد تعريف دوره في بيئة أضحت فيها الشاشات جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية؟

«أشد الأزمات منذ عهد المخطوطات»

في تقييمه للواقع الراهن، يشير الناقد الأدبي يوسف نوفل إلى أن الكتاب الورقي يمر بمرحلة حرجة، واصفاً إياها بأنه «أشد أزماته منذ عهد المخطوطات وبدايات عصر الطباعة».

ويرجع نوفل هذه الأزمة إلى عوامل متداخلة، أبرزها «طغيان ثقافة الصورة وتعدد آلياتها عبر منصات التواصل الاجتماعي»، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النشر وتغير أنماط تلقي المعرفة لصالح البدائل الرقمية الأكثر انتشاراً.

ورغم هذه التحديات، لا يستبعد نوفل إمكانية التعافي، مؤكداً وجود «بصيص أمل» لاستعادة الكتاب مكانته السابقة، مسترجعاً الحقبات التي كان فيها اقتناء الكتب، بما فيها المستعملة، متاحاً بكلفة ضئيلة.

ويلفت الناقد إلى أن العودة الحالية، وإن كانت «خجولة»، إلا أنها تتحرك بوضوح في مجال الأشكال السردية. واستشهد بتجربة حفيدته «جيداء» للتدليل على أن هذا التحول، رغم حدوده الحالية، يحمل دلالة مهمة، قائلاً: «لا بأس في ذلك، فالشمس تشرق بأول شعاع من أشعتها».

البعد الحسي وطقوس القراءة

من جانبها، تطرح الأديبة والكاتبة مديحة عاشور رؤية تركز على الفوارق الهيكلية والنفسية بين القراءة الورقية والنص الرقمي، مشيرة إلى أن الفارق يتجاوز حدود المحتوى إلى طبيعة العلاقة مع النص.

وتوضح عاشور أن قراءة الكتاب الورقي تمنح انطباعاً بمصاحبة «رفيق»، نظرًا للطقوس المادية المرتبطة به؛ بدءاً من تقليب الصفحات وملمس الغلاف ورائحة الورق، وصولاً إلى العلامات والملاحظات التي يتركها القارئ على الهوامش، والتي تجعل من الكتاب جزءاً من تجريته الشخصية.

وتضيف أن القراءة الرقمية، رغم ما توفره من سهولة وسرعة وإمكانية تخزين آلاف العناوين في جهاز واحد، ترتبط غالباً بالاستهلاك السريع والمشتت للمعلومات نتيجة الإشعارات والتنقل المستمر بين النوافذ. في المقابل، يوفر الكتاب الورقي مساحة للتركيز والابتعاد عن تشتيت الشاشات.

حافظة للذاكرة الشخصية

وتستند عاشور إلى تحليل تناول الفروق بين نمطي القراءة، مشيرة إلى تميز القراءة الورقية في تعزيز الفهم العميق والاستيعاب المستمر.

وتختتم بالإشارة إلى البعد الوجداني للورق، مؤكدة أن الكتاب الإلكتروني قد يكتفي بالحفظ الرقمي للنص، بينما ينفرد الكتاب المطبوع بحفظ «ذاكرة القراءة» وما ترافق معها من ظروف واحتفاظ بأثار زمنية وملاحظات شخصية تحول الصفحات إلى أرشيف حي لصاحبه
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 14:53