الأردن يتحسب للانتخابات 'الإسرائيلية' ولا يثق..!

راكان السعايدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 10:37
عمّان لا تنتظر مفاجآت، أو معجزات، يمكن أن تأتي بها الانتخابات "الإسرائيلية"، وتُحدث انقلاباً سياسياً فارقاً يؤدي إلى حكومة تكون أقل خطراً. فالتغيير، في جوهره، قد لا يكون كافياً لإحداث تحول في الاتجاه العام للسياسة "الإسرائيلية"، وإن تغير شيء، فربما يكون في أسلوب إدارة هذا الاتجاه وأدواته، لا أكثر.

لهذا، السؤال الأردني لا يتعلق بهوية الفائز، بقدر ما يتعلق بطبيعة المسار الذي سيتخذه. فما يشغل الأردن ليس فقط من سيحكم، وإنما ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستبطئ هذه السياسات، أم تسرّع تنفيذها.

بمعنى أن الأردن يراقب ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستبطئ تحويل الوقائع الميدانية في الضفة والقدس المحتلتين، تمهيداً للتراجع عنها، أم تجعلها واقعاً دائماً لا عودة عنه.

إجابة هذه التساؤلات ستبقى معلقة، بانتظار الانتخابات التي ستحدد نتيجتها، أولاً، شكل الخريطة السياسية، وقدرة أي معسكر على تشكيل الحكومة، ومن ثم، ثانياً، يتحدد مسارها تبعاً لتركيبتها وتوازناتها وبرنامجها.

هل تمضي الأمور بهذه السهولة..؟

لا، الأمر أكثر تعقيداً مما نظن، لأن انتخابات لا تنتج أغلبية قادرة على تشكيل ائتلاف حكومي مستقر ستضع "إسرائيل" أمام أزمة سياسية جديدة. فاستطلاعات الرأي الأخيرة لا تمنح أياً من المعسكرين، بصورة مستقرة، أغلبية قادرة على تشكيل حكومة، فيما تبقى مواقف بعض الأحزاب الصغيرة عاملاً حاسماً في تحديد شكل الائتلاف المقبل.

هذا الانسداد ليس تفصيلاً إسرائيلياً داخلياً، بل يدخل في صلب حسابات الأردن، لأن "إسرائيل" قد تجد نفسها أمام ثلاثة مسارات: حكومة أقلية هشة، أو حكومة وحدة تكون حركتها أثقل جراء توازناتها، أو جولة انتخابية جديدة إذا تعذر تشكيل ائتلاف قادر على نيل ثقة الكنيست.

صحيح أن حكومة الوحدة، إذا تشكلت، قد توفر للأردن هامشاً أوسع للتحرك دولياً وإقليمياً ومحاولة التأثير في سياساتها وخياراتها، لكن ذلك لا يعني أن تكون أكثر اعتدالاً؛ إذ قد تدفع هشاشة المشهد السياسي الذي ينتج عنها إلى مزيد من التنافس على استقطاب اليمين.

أمام الأردن، في هذه الحالة، سيناريوهات عدة، من بينها حكومة يكون "آيزنكوت" في مركزها، وقد تكون أكثر براغماتية في إدارة الصراع، أو حكومة يقودها "نتنياهو" وتكون امتداداً للمسار الذي خبرته عمّان منذ أعوام وما زالت.

لكن "آيزنكوت"، بوصفه أحد أبرز منافسي "نتنياهو"، سيواجه مشكلة تتجاوز إسقاطه، تتعلق بقدرته على بناء ائتلاف حكومي متماسك. فإسقاط "نتنياهو" كهدف جامع لمعسكر المعارضة لا يعني، أبداً، وجود اتفاق داخل هذا المعسكر على خطوات ما بعد "نتنياهو"، ما يجعل قدرة أحزابه على تجاوز تبايناتها وحساباتها موضع اختبار لمسارها.

إن وصول شخصية مختلفة، مثل "آيزنكوت"، إلى رئاسة الحكومة لا يعني امتلاكها القدرة على إعادة صياغة المشهد من نقطة الصفر، إذ ستتحرك داخل منظومة سياسية وأمنية تشكلت قبل مجيئها.

وهذا يجعل السؤال الأهم أردنياً ليس: من يستطيع تشكيل الحكومة؟ بل يتعداه إلى ما هو أعمق وأبعد: هل تستطيع أي حكومة، أياً كانت تركيبتها، أن تغير مسارات تتراكم فيها تغييرات واسعة في الضفة والقدس بفعل سياسات "إسرائيل"؟

الإجابة عن هذا السؤال، وفقاً للمعطيات، لا تبدو مريحة للأردن، لأنه حتى مع اختلاف مواقف الأحزاب داخل المعسكرين، لا يبدو أن إقامة الدولة الفلسطينية تشكل أساساً مشتركاً يمكن أن يقود إلى تغيير ذي صلة في المسار القائم، ولا أن أي حكومة مقبلة يمكنها فعلياً قلب الوقائع التي تراكمت على الأرض.

هذا ما يدركه الأردن في قراءته للبيئة السياسية والاجتماعية التي تتحرك فيها "إسرائيل"، إذ عزز التحول المجتمعي المستمر نحو التطرف موقع اليمين واليمين المتطرف، وأضعف قدرة اليسار والوسط على التأثير في اتجاهات السياسة.

هنا، ربما، تكمن المشكلة بالنسبة لحسابات الأردن: قد يتغير رأس الحكومة، من دون أن يتغير السقف السياسي الذي تتحرك تحته. والأخطر أن الوقائع على الأرض لا تنتظر الحكومة المقبلة؛ فهي تتشكل الآن، وقد تجد أي حكومة جديدة نفسها أمام وقائع سبقتها إليها، وأصبح التراجع عنها أكثر كلفة وتعقيداً.

ولهذا، كلما ازداد ثقل اليمين في "إسرائيل"، ازدادت مخاوف الأردن من أربعة مسارات تمس أمنه الوطني: ضم الضفة، كلياً أو جزئياً؛ التهجير القسري؛ المساس بالوصاية على مقدسات القدس؛ وتغيير الوضع في الأغوار.

هذه ليست مخاوف نظرية، بل خطوط حمراء أردنية معلنة، تقرأها عمّان من خلال الوقائع على الأرض: إضعاف السلطة، ومستوطنات تتراكم، وإرهاب مستوطنين، وحواجز وعوائق، وهدم منازل، وإخلاءات لتجمعات سكنية، ومصادرة أراضٍ، وتضييق اقتصادي.

بالنسبة لعمّان، هذه المسارات لا تنفصل، بأي شكل، عن ضرورات أمنه القومي، فالضفة ليست ملفاً خارجياً يمكن التعامل معه بمعزل عن الأردن، بل تنعكس كل خطوة تراكمها "إسرائيل" هناك على حدوده وأمنه وتركيبته السياسية والاجتماعية.

لذا، فالأصل أن عمّان لا تراقب المشهد فقط، ولا ترى الانتظار موقفاً سلبياً، بل مساحة لإدارة الخيارات، وفي حوزتها أدوات سياسية ودبلوماسية وقانونية واقتصادية يمكن تحريكها في توقيت تراه مناسباً.

والانتظار، في ظني، ليس انتظاراً للنتيجة بقدر ما هو لمعرفة المساحة التي تتيحها النتيجة للتحرك، لأن كل يوم يمر تستقر فيه وقائع جديدة ومتراكمة، وتخسر التسوية فرصاً في أن ترى النور مجدداً.

بالمحصلة، لا بد أن يقارب الأردن خياراته، وينسق أدواته، للتعامل مع كل الاحتمالات، فالحكومة المقبلة قد تكون بطابع "صدامي"، أو "أمني براغماتي"، وقد يفشل كل ذلك وتعلق "إسرائيل" في أزمة سياسية.

وفي كل الحالات، لا يمكن للأردن أن يبني حساباته على انتظار تغيير "إسرائيلي" يبدل المسار، وإنما على الاستعداد لمسار قد يتواصل فيه السلوك الراهن ويتعاظم؛ إذ إن المشكلة لا تتوقف عند طبيعة الحكومة المقبلة، بل عند وقائع تتشكل الآن، وبات التراجع عنها أكثر صعوبة حتى لو رغبت أي حكومة جديدة في ذلك.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/09/22 الساعة 10:37